الجزائر الآن – تواصل العلاقات الجزائرية–القطرية خلال سنة 2026 ترسيخ مكانتها كواحدة من أبرز نماذج الشراكة العربية القائمة على المصالح الاستراتيجية والاستثمار المنتج، مستندة إلى توافق سياسي متين ورؤية مشتركة لتعزيز التكامل الاقتصادي العربي.
وفي هذا السياق، برز قرار مجمع “بلدنا” القطري رفع رأسماله بنسبة 25 بالمائة كخطوة اقتصادية تعكس انتقال الشركة إلى مرحلة جديدة من التوسع الإقليمي، في وقت يشكل فيه مشروع إنتاج الحليب المجفف بالجزائر أحد أكبر الاستثمارات الزراعية والصناعية المشتركة بين البلدين.
ويأتي هذا التطور في ظل علاقات ثنائية شهدت خلال السنوات الأخيرة زخماً متزايداً في مختلف المجالات، حيث أصبحت الاستثمارات القطرية في الجزائر، المقدرة بما بين 4 و6 مليارات دولار، أحد أهم روافد التعاون الاقتصادي.
إلى جانب التنسيق السياسي والدبلوماسي والتعاون في مجالات الثقافة والدفاع والطاقة.
● العلاقات الجزائرية–القطرية انتقلت إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية
وفي قراءة لأبعاد هذا المسار، أكد الخبير السياسي والاستراتيجي الدكتور عزالدين نميري، في تصريح خص به “الجزائر الآن”، أن العلاقات الجزائرية–القطرية شهدت منذ تولي رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون الحكم منحى تصاعدياً.
انتقل بها من مرحلة التعاون التقليدي إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، بفضل التقارب الكبير في الرؤى السياسية والاقتصادية بين البلدين.
وأوضح أن الجزائر وقطر تتقاسمان مواقف متقاربة تجاه مختلف القضايا الإقليمية والدولية، مشيراً إلى أن الجزائر وقفت إلى جانب قطر في مختلف المحطات التي واجهتها، وهو ما عزز الثقة المتبادلة وأرسى أسس تعاون استراتيجي طويل المدى.
وأضاف أن هذا الانسجام السياسي مهد الطريق لتوسيع التعاون نحو مشاريع اقتصادية واستثمارية كبرى، جعلت من الشراكة الثنائية نموذجاً متقدماً للتكامل العربي، خاصة في القطاعات المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقة.
● توافق سياسي يدعم المشاريع الاقتصادية الكبرى
وأشار الخبير السياسي والإستراتيجي بأن البلدين يتبنيان رؤية مشتركة بشأن عدد من الملفات العربية والإقليمية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وتطورات الشرق الأوسط.
الأمر الذي عزز مستوى التنسيق السياسي والدبلوماسي بينهما، وخلق بيئة ثقة ساهمت في إطلاق مشاريع استثمارية استراتيجية تخدم المصالح المشتركة.
كما اعتبر أن التعاون في قطاع الطاقة يمثل أحد أهم أعمدة العلاقات الثنائية، بالنظر إلى المكانة التي يحتلها البلدان ضمن الدول المصدرة للغاز.
وما يوفره ذلك من فرص لتطوير شراكات اقتصادية تتماشى مع التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي.
وأكد أن نجاح المشاريع الكبرى المنجزة بالشراكة مع قطر، وعلى رأسها مشروع “بلدنا”، سيكون عاملاً محفزاً لاستقطاب استثمارات خليجية وعربية جديدة نحو الجزائر، في قطاعات الفلاحة والصناعات الغذائية والري وتربية المواشي وإنتاج الحليب.
بما يعزز الدبلوماسية الاقتصادية متعددة الأطراف، ولفت إلى أن التحولات الجيوسياسية الدولية وما تفرضه من تحديات على الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد.
والتي من شأنها بأن تمنح للجزائر مكانة متقدمة كشريك موثوق، بفضل استقرارها وموقعها الجغرافي وقدراتها الاقتصادية، وهو ما يجعلها وجهة استراتيجية للاستثمارات الكبرى.
● رفع رأسمال “بلدنا”.. خطوة تمويلية لمرحلة توسع جديدة و الجزائر ضمن الخطة التوسعية
اقتصادياً، وافقت الجمعية العامة غير العادية لشركة “بلدنا” القطرية على رفع رأسمالها بنسبة 25 بالمائة، من 2.144 مليار ريال قطري إلى 2.68 مليار ريال، عبر إصدار نحو 536 مليون سهم جديد، بهدف تمويل خطط التوسع داخل قطر وخارجها.
ويستهدف المجمع توظيف حصيلة الاكتتاب في تعزيز استثماراته الزراعية والصناعية، وتوسيع قدراته الإنتاجية، إلى جانب تمويل مشاريع جديدة، في وقت يواصل فيه تنفيذ مشروعه الاستراتيجي بالجزائر، الذي يعد أكبر استثمار للمجمع خارج دولة قطر.
● رفع رأس المال يعكس ثقة المستثمر القطري في الجزائر
وفي هذا الإطار، أكد الخبير الاقتصادي والمحاضر بكلية الاقتصاد بجامعة الجزائر، الدكتور هواري تيغرسي، في تصريح خص به “الجزائر الآن”، أن قرار رفع رأسمال مجمع “بلدنا” لا يمثل مجرد إجراء مالي.
وإنما يعكس دخول الشركة مرحلة جديدة من التوسع الدولي، تتطلب موارد إضافية لتمويل مشاريعها الكبرى، وفي مقدمتها المشروع الاستراتيجي الجاري إنجازه بالجزائر.
وأوضح أن المشروع الجزائري يعد أكبر استثمار للمجمع خارج قطر، وهو ما يعكس ثقة المستثمر القطري في الجدوى الاقتصادية للمشروع وفي البيئة الاستثمارية الجزائرية، التي أصبحت أكثر قدرة على استقطاب الاستثمارات النوعية ذات القيمة المضافة.
ويرى بأن قرار رفع رأس المال يرتبط بشكل مباشر بالمشروع الجزائري، باعتباره واحداً من أكبر المشاريع الزراعية والصناعات الغذائية في إفريقيا. ويتطلب استثمارات متدرجة لإنجاز البنية التحتية، واستيراد الأبقار عالية الإنتاج، وإنشاء مصانع الحليب المجفف، وتطوير شبكات الري وإنتاج الأعلاف.
وأضاف أن هذه الخطوة تحمل أيضاً رسالة واضحة للأسواق المالية، مفادها أن “بلدنا” تتجه للتحول من شركة وطنية إلى فاعل إقليمي في مجال الأمن الغذائي، مع اعتبار الجزائر محوراً أساسياً في استراتيجية توسعها.
● مشروع يعزز الأمن الغذائي وينقل التكنولوجيا
وأكد الخبير الاقتصادي أن مشروع “بلدنا الجزائر” يمثل نقطة تحول في السياسة الغذائية الوطنية، لأنه يستهدف تقليص الاعتماد على استيراد الحليب المجفف، وخفض فاتورة الواردات، وتعزيز الإنتاج المحلي، بما يرفع من قدرة الجزائر على مواجهة تقلبات الأسواق الدولية.
وأشار إلى أن المشروع يؤسس لمنظومة اقتصادية متكاملة تشمل إنتاج الأعلاف، وتربية الأبقار، والصناعات التحويلية، والنقل المبرد، والخدمات البيطرية.
إلى جانب نقل التكنولوجيا الحديثة في إدارة المزارع وأنظمة الري وتقنيات إنتاج الحليب المجفف، فضلاً عن خلق آلاف مناصب العمل المباشرة وغير المباشرة.
كما أوضح أن اختيار الجزائر جاء استناداً إلى مقومات استراتيجية، أبرزها توفر المساحات الزراعية، والإمكانات الطبيعية، والسوق المحلية الواسعة.
والموقع الجغرافي الذي يفتح آفاق التصدير نحو إفريقيا وأوروبا، إضافة إلى الإصلاحات التي شهدها مناخ الاستثمار.
● شراكة تتجاوز الاستثمار نحو بناء تكامل عربي مستدام
ويؤكد مسار التعاون بين الجزائر وقطر أن العلاقات الثنائية لم تعد تقتصر على المبادلات الاقتصادية أو الاستثمارات التقليدية، بل أصبحت تتجه نحو بناء شراكة استراتيجية متكاملة تقوم على توحيد الرؤى السياسية.
وتعزيز الأمن الغذائي، وتطوير الصناعات التحويلية، واستثمار الإمكانات المتبادلة بما يخدم التنمية المستدامة في البلدين.
ويشكل مشروع “بلدنا الجزائر”، مدعوماً بالتوسع المالي والاستثماري للمجمع القطري، نموذجاً عملياً لهذا التوجه.
باعتباره مشروعاً يربط بين الاستثمار والإنتاج ونقل المعرفة وخلق القيمة المضافة، بما يعزز مكانة الجزائر كوجهة إقليمية للمشاريع الاستراتيجية، ويكرس قطر شريكاً اقتصادياً موثوقاً في مسار التنمية.
وفي ظل التحولات الاقتصادية والجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، تبدو الشراكة الجزائرية–القطرية مرشحة للعب دور أكبر في ترسيخ مفهوم التكامل الاقتصادي العربي.
عبر مشاريع إنتاجية كبرى تحقق المصالح المشتركة، وتعزز الأمن الغذائي، وتفتح آفاقاً جديدة للاستثمار والتعاون الإقليمي، بما ينسجم مع الرؤية المشتركة لقيادتي البلدين نحو بناء شراكات عربية قادرة على مواجهة تحديات المستقبل.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة