آخر الأخبار

ما وراء التحركات الجزائرية في أوروبا؟.. خبراء عرب يفسرون إعادة رسم الشراكات الاستراتيجية

شارك
مصدر الصورة
الكاتب: محمود منصور _ شعيب ز

●ما وراء التحركات الجزائرية في أوروبا؟.. خبراء عرب يفسرون إعادة رسم الشراكات الاستراتيجية

الجزائر الآن _ لسنوات طويلة، كانت الجزائر تُختزل في الأدبيات الأوروبية إلى صفة واحدة، وهي “مورّد الغاز”.

اليوم، تغيّرت المعادلة جذرياً، فالبلد الذي كان يُنظر إليه كسوق استهلاكية للتكنولوجيا الأوروبية ومصدراً خام للطاقة أصبح يتفاوض بمنطق الندّية. ويشترط الحصول على نقل التكنولوجيا والاستثمار الصناعي مقابل كل ورقة غاز يوقّعها.

هذا التحول لم يعد مجرد خطاب دبلوماسي، بل بات واقعاً ملموساً تجسّده ثلاث عواصم أوروبية تتسابق على استرضاء الجزائر، وهي برلين، روما ومدريد، بينما تقف باريس على الهامش، حبيسة إرث استعماري وخطاب متعالٍ لم يعد يجدي .

●برلين: من علاقة رمزية إلى شراكة استراتيجية بثلاثين اتفاقية

الزيارة التي قادها الرئيس عبد المجيد تبون إلى ألمانيا في جويلية 2026 لم تكن بروتوكولية، بل مثّلت نقطة تحول حقيقية، فخلال يومين من المحادثات مع الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير والمستشار فريدريش ميرتس.

أعلن الجانبان شراكة استراتيجية بين البلدين، مع التوقيع على أزيد من 30 اتفاقية غطت قطاعات حساسة .

اللافت في هذه الاتفاقيات أنها لم تقتصر على الطاقة التقليدية، بل امتدت إلى مجالات المحروقات والطاقات المتجددة والصناعة الصيدلانية والتكنولوجيا المتقدمة.

وهو ما يعكس بوضوح أن الجزائر لم تعد تقبل بصفقات الغاز وحدها، بل تسعى إلى موقع في سلاسل الإنتاج التكنولوجي والصناعي الألماني .

●الرؤية الخارجية والجيوسياسية للزيارة

مصدر الصورة

وفي هذا الصدد، يحلل خبراء عرب تحدثوا للصحيفة الإلكترونية “ الجزائر الآن” أبعاد هذه الزيارة التاريخية؛ حيث قال السفير علي الحفني، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق للشؤون الإفريقية، في قراءته لزيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى ألمانيا:

“ إن الزيارة من دولة بحجم الجزائر تعكس أهمية هذه الدولة، ألمانيا هي إحدى الدول الرائدة في المجال الاقتصادي والتكنولوجي .

العلاقات مطلوبة ومهمة لأنها تخدم قضية التنمية في الجزائر ومصالح الجزائر ومتابعتها وتعظيمها .. الجزائريون يمتلكون النضج الكافي والخبرات المتراكمة تجعلهم يسعون في علاقاتهم الخارجية وأنهم لا يستثنون أحداً .”

●التحول نحو الشراكة الصناعية وتوطين المعرفة

مصدر الصورة

من جهته، أكد رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات، محمد فتحي الشريف، للصحيفة الإلكترونية “ الجزائر الآن “ : “إن زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى ألمانيا تمثل خطوة مهمة في مسار تطوير العلاقات الثنائية.

موضحاً أن أبرز مخرجاتها إعلان الارتقاء بالعلاقات إلى مستوى ‘الشراكة الاستراتيجية’، بما يفتح المجال أمام تعاون طويل الأمد في مجالات الطاقة والصناعة والاستثمار والتكنولوجيا .”

وأضاف الشريف: “أن الزيارة عكست تحولاً في طبيعة التعاون بين الجزائر وأوروبا، إذ لم تعد تقتصر على تصدير الغاز.

بل باتت تستهدف بناء شراكة صناعية تقوم على توطين التكنولوجيا، عبر مشاريع في الهيدروجين الأخضر، والصناعات التحويلية والميكانيكية والدوائية، إلى جانب نقل المعرفة وتكوين الكفاءات المحلية .”

●أسباب اختيار ألمانيا والمكاسب التقنية

وحول خلفيات الاختيار الدبلوماسي والدوافع الاقتصادية، وصف السفير الحفني دولة ألمانيا بـ “المارد الاقتصادي” بصرف النظر عن ظروفها الاقتصادية الحالية، التي فرضت عليهم كما فرضت على باقي دول العالم.

وخاصة أوروبا ومشكلة الطاقة والحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وتداعيات موضوع مضيق هرمز. وقال السفير الحفني: “خيراً فعل الرئيس عبد المجيد تبون وخيراً فعلت الجزائر في سعيها لتنمية علاقات التعاون مع ألمانيا خاصة في مجالات التقنية الفائقة والذكاء الاصطناعي.

وخاصة بعد أن قطعت دولنا أشواطاً كبيرة في تعزيز القدرات في مجالات المعرفة والاتصالات والرقمنة والشمول المالي ومكافحة الفساد وتعزيز ممارستنا في مجال الحوكمة .”

●الانتقال من الاستثمار التقليدي إلى التنموي

على هامش الزيارة، انعقد منتدى اقتصادي جزائري-ألماني بمشاركة كبار رجال الأعمال والمستثمرين من الجانبين، في مؤشر على أن برلين ترى في الجزائر أكثر من مجرد مصدر للطاقة، بل بوابة استثمارية نحو إفريقيا وحوض المتوسط .

مصدر الصورة

وفي هذا السياق التنموي، يرى الدكتور رامي زهدي، خبير الشؤون الإفريقية، في تصريحه لـ “ الجزائر الآن “ : “ إن زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى ألمانيا تمثل نقطة تحول مهمة في السياسة الخارجية والاقتصادية الجزائرية.

لأنها تعكس انتقال الجزائر من مرحلة العلاقات التجارية التقليدية إلى مرحلة بناء شراكات استراتيجية قائمة على التكنولوجيا والتصنيع ونقل المعرفة، وليس فقط على تصدير الطاقة.

وأرى أن الزيارة توجت بإعلان أجندة شراكة استراتيجية، إلى جانب توقيع عشرات الاتفاقيات في مجالات الطاقة والصناعة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

بما يعكس رغبة متبادلة في تعميق التعاون طويل الأجل .” وأوضح زهدي: “أنه من منظور آخر، فإن ما يلفت الانتباه هو أن الجزائر لا تستهدف مجرد جذب الاستثمارات الألمانية.

بل تسعى إلى توطين التكنولوجيا الألمانية داخل الاقتصاد الجزائري، سواء في الصناعات التحويلية أو الطاقة المتجددة أو الهيدروجين الأخضر أو الصناعات الدوائية والهندسية.

وهذا هو الفارق الحقيقي بين الاستثمار التقليدي والاستثمار التنموي الذي يصنع قيمة مضافة وفرص عمل ويعزز القدرة التنافسية للدولة .”

●معايير قياس نجاح الاستراتيجية الاقتصادية

وحول المنتدى الاقتصادي ومقاييس النجاح، يستطرد محمد فتحي الشريف للصحيفة الإلكترونية “ الجزائر الآن “ : “إن مشاركة أكثر من 150 رجل أعمال في المنتدى الاقتصادي الجزائري الألماني تعكس توجهاً نحو إطلاق مشاريع استثمارية قابلة للتنفيذ.

مصدر الصورة

مؤكداً أن نجاح هذه الاستراتيجية سيُقاس بمدى إنشاء مصانع فعلية، وتحقيق نقل حقيقي للتكنولوجيا، وإدماج الشركات الجزائرية في سلاسل الإنتاج، وليس بعدد الاتفاقيات الموقعة.

واختتم الشريف أن زيارة برلين قد تشكل نقطة تحول في السياسة الاقتصادية الجزائرية إذا نجحت السلطات في تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع صناعية ومراكز بحث ونقل فعلي للتكنولوجيا.

أما إذا بقيت في إطار مذكرات التفاهم وإعلانات النوايا، فستظل الزيارة نجاحاً دبلوماسياً أكثر منها تحولاً اقتصادياً .”

●الجزائر كقاعدة صناعية وتكنولوجية إقليمية

ويؤكد رامي زهدي في ختام قراءته لـ “ الجزائر الآن” حول الموقع الجيوسياسي المتنامي للجزائر : “إن الزيارة تعكس إدراكاً أوروبياً متزايداً لأهمية الجزائر باعتبارها شريكاً استراتيجياً في أمن الطاقة الأوروبي.

وفي الوقت نفسه بوابة رئيسية نحو الأسواق الإفريقية في ظل اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهو ما يمنح الجزائر ثقلاً جيوسياسياً واقتصادياً أكبر خلال السنوات المقبلة”.

وفي تقدير رامي زهدي وبشكل موضوعي فإن نجاح هذه الاستراتيجية لن يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، وإنما بمدى قدرة الجزائر على تحويل التكنولوجيا إلى صناعة محلية، ورفع نسبة المكون المحلي.

وتأهيل الكوادر الوطنية، وربط الاقتصاد الجزائري بسلاسل القيمة الأوروبية والإفريقية، فإذا نجحت في ذلك، فإن الجزائر ستكون خلال العقد المقبل إحدى أهم القواعد الصناعية والتكنولوجية في شمال إفريقيا، وليس مجرد مصدر للطاقة إلى أوروبا .”

●مدريد: زيادة الغاز مقابل شروط جزائرية صارمة

في الوقت الذي كانت فيه العاصمة الألمانية تستقبل الرئيس الجزائري، كانت مدريد بدورها تعيد ترتيب أولوياتها تجاه الجزائر.

فزيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانتشيز إلى الجزائر، الأولى منذ أزمة 2022 الدبلوماسية، أفضت إلى اتفاق مبدئي على رفع صادرات الغاز الجزائري بنسبة تتراوح بين 10 و15%، عبر خط أنابيب ميدغاز أساساً .

لكن التفصيل الأهم في هذه المفاوضات هو أن إسبانيا كانت تطمح إلى نسبة أعلى بكثير، تصل إلى 25%، فيما فرضت الجزائر سقفاً أقل يتماشى مع طاقتها الإنتاجية الفعلية وأولوياتها الاستراتيجية. بمعنى آخر: “الجزائر لم تعد ‘تلبي الطلب’ الأوروبي بالكامل كما كانت تفعل سابقاً، بل تدير العرض وفق حساباتها الخاصة، وتفرض على الشريك الأوروبي التكيّف مع سقفها لا العكس “.

●إعادة بعث الشراكة على أسس الندية

وحول هذا التحول السياسي والاستراتيجي، أدلى خبراء بتصريحات خاصة للصحيفة الإلكترونية “ الجزائر الآن “ ؛ حيث يرى البروفيسور شقرون الجيلالي، أن “الزيارة تمثل إعلاناً عملياً لطي صفحة الأزمة التي اندلعت سنة 2022.

وإعادة بعث الشراكة الجزائرية الإسبانية على أسس جديدة تراعي التحولات الجيوسياسية التي تعرفها المنطقة.”

وأوضح أن استئناف الحوار السياسي يعكس إرادة مشتركة لإعادة بناء الثقة، مؤكداً أن “الجزائر فرضت خلال السنوات الأخيرة رؤية جديدة لشراكاتها الخارجية تقوم على الندية وربط التعاون الاقتصادي بالاستثمار المنتج ونقل التكنولوجيا.

وهو ما دفع مدريد إلى مراجعة مقاربتها تجاه الجزائر بعد الخسائر التي تكبدتها شركاتها خلال فترة تعليق العلاقات .”

●الأزمة الطاقوية وتثبيت الثقة بين الجانبين

من جانبه، أكد الدكتور عزالدين نميري لـ “الجزائر الآن”، أن “ الأزمة الدبلوماسية بين الجزائر وإسبانيا أصبحت من الماضي، بعدما نجحت اللقاءات السياسية الأخيرة في إعادة بناء الثقة بين البلدين وتهيئة الظروف لإطلاق شراكة استراتيجية أكثر استقراراً.”


وأشار إلى أن أزمة الطاقة العالمية عززت مكانة الجزائر كشريك موثوق بالنسبة لأوروبا، بعدما أثبتت قدرتها على ضمان إمدادات مستقرة من الغاز الطبيعي، وهو ما دفع مدريد إلى “إعادة صياغة علاقاتها مع الجزائر وفق رؤية بعيدة المدى .”

●التحول نحو الشراكة المنتجة والاستثمار المشترك

وعن الأبعاد الاقتصادية والتعاون الصناعي المرتقب، فيؤكد الدكتور هواري تيغرسي أن الزيارة تؤسس لمرحلة جديدة تتجاوز منطق المبادلات التجارية التقليدية نحو “الشراكة المنتجة”، القائمة على الاستثمار المشترك.

ونقل التكنولوجيا، وخلق القيمة المضافة داخل الجزائر.

وأوضح أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزاً على قطاعات استراتيجية تشمل الطاقة والهيدروجين الأخضر والطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر والصناعة الميكانيكية ومكونات السيارات والصناعات الغذائية والتحويلية واللوجستيك والرقمنة .

●الامتداد الأورو-إفريقي والتنسيق الجيوسياسي

ويعود البروفيسور شقرون الجيلالي ليؤكد أن التطورات الدولية، خاصة الحرب الروسية الأوكرانية، “رفعت من الأهمية الاستراتيجية للجزائر كمورد موثوق للطاقة”، وهو ما يفسر اهتمام إسبانيا بتوسيع التعاون نحو مشاريع الربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر.

فضلاً عن تعزيز التنسيق الأمني في مواجهة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة بمنطقة الساحل.

وحسب شقرون، فإن الجزائر أصبحت أيضاً بوابة استراتيجية نحو إفريقيا، بالنظر إلى موقعها الجغرافي وحضورها الدبلوماسي داخل القارة.

الأمر الذي يمنح التقارب الجزائري الإسباني بعداً يتجاوز العلاقات الثنائية ليشمل الفضاء الأورو-إفريقي بأكمله.

●البعد الأمني وركائز الاستقرار الإقليمي

“ وفي السياق ذاته، أبرز الدكتور عزالدين نميري في حديثه لـ”الجزائر الآن”، أهمية التعاون الأمني في المرحلة المقبلة، لاسيما في ملفات مكافحة الإرهاب والهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة العابرة للحدود.

موضحاً أن التنسيق الاستخباراتي وتبادل المعلومات بين البلدين يمثلان ركيزة أساسية لتعزيز الأمن في منطقة الساحل والفضاء المتوسطي.

كما اعتبر أن الاتفاقيات المنتظرة ستقوم على مقاربة تجمع بين الأمن والتنمية، بما يكرس الاستقرار الإقليمي ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والاستثماري .”

●تحويل الجزائر إلى قاعدة تصنيع وتصدير

ويختتم الدكتور هواري تيغرسي الرؤية الاقتصادية بالتأكيد على أن “دعوة رئيس الجمهورية إلى الانتقال من التبادل التجاري إلى الإنتاج المشترك تعني عملياً تحويل الجزائر إلى قاعدة صناعية للإنتاج والتصدير.

عبر إنشاء مصانع جزائرية-إسبانية مشتركة، وتوطين صناعة تجهيزات الطاقات المتجددة وتحلية مياه البحر، ورفع نسب الإدماج المحلي، وإنشاء مراكز للبحث والتطوير والتكوين المهني.”

وأكد تيغرسي، أن الجزائر أصبحت توفر للمستثمر الإسباني عناصر جذب قوية بفضل موقعها الاستراتيجي، وسوقها الواسعة.

وتحسن مناخ الأعمال، إضافة إلى الفرص التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، وهو ما يجعلها منصة مثالية للتوجه نحو الأسواق الإفريقية.

كما شدد على أن نجاح هذه المرحلة يظل مرتبطاً بتحويل التفاهمات السياسية إلى مشاريع تنفيذية، وتوفير بيئة استثمارية مستقرة، وتسريع الإجراءات الإدارية، بما يسمح ببناء شراكة صناعية مستدامة قائمة على توطين التكنولوجيا وتعزيز التصنيع المحلي .”

●فلسفة التفاوض الجديدة “رابح رابح “

هذا النمط من التفاوض بمنطق “رابح رابح” -حيث تحصل مدريد على الغاز الذي تحتاجه لأمنها الطاقوي، مقابل التزامات جزائرية محسوبة بدقة- يختصر الفلسفة الجديدة التي تحكم علاقة الجزائر بأوروبا: “لا مجال بعد اليوم للعطاء المجاني أو الإذعان لحجم الطلب الأوروبي “.

●روما: خطة ماتيي وأكثر من 40 اتفاقية.. النموذج الأعمق تاريخياً

إذا كانت العلاقة مع برلين حديثة نسبياً والعلاقة مع مدريد محكومة بمنطق الطاقة أساساً، فإن العلاقة مع روما تبدو الأكثر رسوخاً وعمقاً.

إذ تجسّدت في “خطة ماتيي” التي أطلقتها رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، والتي تحمل اسم إنريكو ماتيي، الرجل الذي أسس شركة “إيني” وأرسى تقليداً إيطالياً في التعامل مع الجزائر يقوم على الشراكة لا الهيمنة .

خلال القمة الحكومية الإيطالية-الجزائرية في روما، وقّع البلدان أكثر من 40 اتفاقية لتعزيز أمن الطاقة، وتوطيد التعاون الاقتصادي، وخلق فرص استثمارية وفرص عمل جديدة.

وأكدت ميلوني في هذا السياق دورها المحوري في منطقة البحر الأبيض المتوسط، دفاعاً عن مصالحها الوطنية واستعداداً لخلق فرص التنمية والازدهار .

الأهم من الرقم الإجمالي للاتفاقيات هو طبيعتها، فقد تضمنت الاتفاقيات خطوة نحو إنشاء سلسلة توريد فولاذية إيطالية جزائرية، أي أن روما لا تكتفي باستيراد الغاز الجزائري، بل تدمج الجزائر في سلسلة إنتاجها الصناعي الاستراتيجي.

أضف إلى ذلك مشاريع استصلاح الأراضي الصحراوية لإنتاج الحبوب، والتي أعلنت ميلوني عن توسعتها من 7 آلاف إلى 13 ألف هكتار خلال 2026، ومركز التكوين المهني الزراعي الذي يحمل اسم “إنريكو ماتيي” نفسه، في رمزية لا تخطئها العين .

●باريس: ثمن التعالي والانغلاق على ملفات الماضي

على النقيض تماماً من هذا الزخم الأوروبي، تبدو فرنسا وكأنها تراقب من الخارج تراجع تواجدها التقليدي في الجزائر، بلد كانت تعتبره -تاريخياً وحتى وقت قريب- امتداداً طبيعياً لمجالها الحيوي.

فبينما تتسابق برلين وروما ومدريد على توقيع الاتفاقيات وفتح قنوات الاستثمار التكنولوجي، ظلت باريس حبيسة سياسة تقوم على فرض الشروط المسبقة والتلويح بملفات الهجرة والتأشيرات، وهو ما أدى إلى تجميد فعلي للعلاقات الثنائية .

●المسار البديل للجزائر والانفتاح على أوروبا

وقد علّق الخبراء العرب في تصريحاتهم لصحيفة “ الجزائر الآن” الإلكترونية على موقف باريس المتراجع والمسار البديل الذي اتخذته الجزائر؛ إذ أشار السفير علي الحفني إلى أنه : “ وبصرف النظر عن المشاكل التي قد تطرأ بين البلدين، بين الحين والآخر.

الجزائر يهمها جدا تتواصل مع الأطراف الأوروبية وتعظيم علاقات التعاون مع الاتحاد الأوروبي والمفوضية الأوروبية والدول أعضاء الاتحاد الأوروبي خاصة من الدول التي حققت مواقع متقدمة في الاقتصاد والتكنولوجيا دوليا”.

لافتا إلى أننا كدول عربية هذه الدول تربطنا بها علاقات قوية سواء على المستوى الثنائي أو الفردي مثل مصر، الجزائر وتونس، وأيضا في الإطار العربي والإطار الإفريقي، وبالطبع الإطار المتوسطي.

وأوضح السفير علي الحفني أننا كدول متوسطية تجمعنا بدول جنوب أوروبا والمشاطئة للبحر المتوسط وغيرها علاقات متينة نحرص عليها ونسعى دائما لدفعها إلى الأمام .”

●إعادة توزيع الشركاء الأوروبيين

كما يرى الشريف أنه من المبكر الحديث عن خروج فرنسا من المعادلة الاقتصادية الجزائرية، معتبراً أن ما يجري هو إعادة توزيع للشركاء الأوروبيين، مع صعود دور ألمانيا وإيطاليا واستعادة إسبانيا تعاونها الاقتصادي.

في إطار سياسة جزائرية تقوم على تنويع الشراكات وتعزيز المصالح الاقتصادية المتبادلة .”

●تحول العقيدة الدبلوماسية وتنويع البدائل

وفي القراءة ذاتها، يرى الدكتور رامي زهدي ، أ ن الروابط الاقتصادية والتاريخية والإنسانية بين فرنسا والجزائر ما زالت عميقة.

لكن المؤكد أن الجزائر تنتهج منذ عدة سنوات سياسة واضحة لتنويع شركائها الأوروبيين، وهو ما انعكس في توسيع الشراكات مع ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، وعدم رهن مصالحها الاستراتيجية بعاصمة أوروبية واحدة.

وهذا يعكس تحولاً في العقيدة الدبلوماسية الجزائرية من الاعتماد على شريك تقليدي إلى بناء شبكة متوازنة من الشراكات، بما يمنح الجزائر هامشاً أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية، ويقلل من تأثير الخلافات الثنائية مع أي طرف .”

●انتقادات الداخل الفرنسي لنهج الإليزي

هذا التباين لم يمر مرور الكرام على الساحة السياسية الفرنسية نفسها، فالوزيرة الفرنسية السابقة سيغولين روايال، التي ترأس جمعية “فرنسا-الجزائر”، لم تتردد في توجيه انتقادات لاذعة لسياسة الإليزي.

فمباشرة بعد زيارة الرئيس تبون إلى ألمانيا التي توّجت بتوقيع اتفاقيات واسعة النطاق، ذكّرت روايال بزخم الشراكات القائمة أصلاً مع روما ومدريد، خاصة في قطاعات الطاقة والأشغال العمومية والصناعات الميكانيكية.

لتخلص إلى أن فرنسا تتخلف عن ركب شركائها الأوروبيين وتخسر حصصاً سوقية حيوية في بلد يمر بتحولات متسارعة .

●نقد “العمى السياسي” والسلوك المتعالي

وفي تصريحات أخرى سابقة، ذهبت روايال إلى وصف الصراع الفرنسي-الجزائري بـ”العبثي”، محمّلة الرئيس إيمانويل ماكرون مسؤولية تدهور العلاقات.

ومشيرة إلى أن دولاً أوروبية مثل إيطاليا تتجه بثبات نحو تعزيز شراكاتها مع الجزائر لتأمين احتياجاتها الطاقوية، بينما يواصل سياسيون فرنسيون مهاجمة الجزائر بخطاب لا يخدم سوى عزلة باريس نفسها .

كما أقرّت روايال، في مناسبة أخرى، بأن السلطات الفرنسية تأخرت في إدراك أهمية الجزائر كشريك استراتيجي، واصفة سنوات التوتر بأنها اتسمت بـ “عمى سياسي” أضر بالتعاون الأمني والاقتصادي بين البلدين.

معتبرة أن التراجع الفرنسي في عدد من الملفات الإفريقية كان نتيجة مباشرة لسلوك متعالٍ كان يمكن تفاديه لو اعتُمد خطاب أكثر احتراماً وتوازناً تجاه الشركاء .

●منطق المحور الثلاثي في مواجهة العزلة الفرنسية

ما يجمع بين برلين وروما ومدريد في تعاملها مع الجزائر ليس الصدفة، بل منطق واحد، وهو القبول بأن الجزائر شريك ندّ، وليست مجرد خزان طاقة يُستدعى وقت الحاجة ويُهمل في غيرها.

الدول الثلاث قبلت بمعادلة “رابح رابح” التي تفرضها الجزائر؛ غاز واستقرار طاقوي مقابل تكنولوجيا واستثمار صناعي وشراكة في سلاسل القيمة، بدل علاقة تراتبية تقوم على التبعية .

في المقابل، لا تزال باريس أسيرة إرث سياسي وذهني يمنعها من التعامل مع الجزائر بهذا المنطق الجديد.

فالخطاب الفرنسي، المشغول بملفات الهجرة والذاكرة والتأشيرات، لا يترك مساحة لبناء شراكة اقتصادية وتكنولوجية موازية لما تبنيه ألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.

والنتيجة أن فرنسا، التي كانت الشريك الاقتصادي الأول للجزائر لعقود، تجد نفسها اليوم تتفرج على “محور برلين-روما-مدريد” وهو يعيد رسم خريطة التواجد الأوروبي في الجزائر، حصة تلو الأخرى.

وسط صمت فرنسي رسمي لا يقطعه سوى أصوات معزولة كصوت سيغولين روايال، التي تصرخ من الداخل بأن باريس تخسر معركة لم تعد تدرك حتى أنها بدأت .

●تحول الهيمنة الجيوسياسية وإعادة رسم الخريطة المتوسطية

إن ما يشهده الفضاء الأورو-متوسطي اليوم ليس مجرد “تكتيك طاقوي” أملته أزمات الأجندة الدولية الراهنة، بل هو زلزال جيوسياسي هادئ يعيد صياغة خطوط التماس والنفوذ على ضفتي المتوسط.

لقد أثبتت الجزائر أن امتلاك الأوراق الاستراتيجية لا يكفي ما لم يُرفق بإرادة سياسية صارمة تُترجم الرقم الطاقوي إلى نقل تكنولوجي وتوطين صناعي.

وفيما تخط برلين وروما ومدريد معالم “واقعية جديدة” تتجاوز العقد التاريخية لصالح الشراكة الندّية وسلاسل القيمة المضافة، تظل باريس أسيرة حنين امبراطوري مكبل بأغلال الماضي.

إن العزلة الفرنسية الراهنة لا تعكس فقط إخفاقاً دبلوماسياً لساكني الإليزي، بل تُشرّع الأبواب أمام ميلاد عهد متوسطي جديد؛ عهد لم تعد فيه الجزائر متلقية لشروط الشمال، بل صانعة لمعادلاته ومصممة لخرائطه الاقتصادية القادمة .

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا