تشهد العلاقات الجزائرية الإسبانية مرحلة جديدة من التقارب، مدفوعة بالمصالح المشتركة والتحديات الإقليمية، حيث تكتسي زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر أهمية خاصة، باعتبارها فرصة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية وترجمة التقارب السياسي إلى تعاون اقتصادي واستثماري مستدام.
وأوضح الخبير الاقتصادي، عبد القادر بريش ، أن زيارة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز إلى الجزائر محطة سياسية واقتصادية ذات دلالات تتجاوز إطارها السياسي والدبلوماسي، لأنها تأتي في لحظة تحولات إقليمية ودولية تشهد إعادة تشكيل موازين القوة، وإعادة رسم خرائط الطاقة والاستثمار وسلاسل الإمداد العالمية. وفي هذا السياق، تبرز العلاقات الجزائرية الإسبانية بوصفها نموذجًا لعلاقة يمكن أن تنتقل من منطق إدارة المصالح الآنية إلى بناء شراكة استراتيجية أكثر رسوخًا واستدامة، تستند إلى القرب الجغرافي، والروابط التاريخية والحضارية، وتشابك المصالح الاقتصادية، ووحدة التحديات الأمنية في الفضاء المتوسطي.
وأضافت المتحدث ذاته، أن أهم ما يميز هذه الزيارة أنها تأتي بعد مرحلة استعاد فيها البلدان ديناميكية الحوار السياسي، بما يؤكد أن ما عرفته العلاقات الثنائية سنة 2022 لم يكن سوى محطة عابرة أو “سحابة صيف” فرضتها ظروف سياسية استثنائية، قبل أن يدرك الطرفان أن اعتبارات الجغرافيا، وحجم المصالح المتبادلة، وضرورة الحفاظ على الاستقرار في غرب البحر الأبيض المتوسط، تظل عوامل أكثر رسوخًا واستدامة من أي تباين ظرفي.
وأبرز بريش، أن هذه الزيارة ينبغي أن تتجاوز بعدها الدبلوماسي المباشر، لتندرج ضمن رؤية جيواقتصادية أوسع، ترى في التقارب السياسي مدخلًا لبناء شراكة استراتيجية ذكية ومستدامة، قوامها المصالح الاقتصادية المشتركة، والتكامل الصناعي، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز القدرة التنافسية للبلدين في فضاء متوسطي يشهد تحولات متسارعة.
وفي هذا الإطار، تبرز منطقة غرب البحر الأبيض المتوسط بوصفها المجال الحيوي الذي تتقاطع فيه المصالح الاستراتيجية للجزائر وإسبانيا. فاستقرار هذا الفضاء على لم يعد يرتبط فقط بالاعتبارات الأمنية التقليدية، وإنما أصبح مرتبطاً كذلك بأمن الطاقة، وسلامة الممرات البحرية، وأمن سلاسل الإمداد، واستقرار الأسواق، وهي كلها عناصر باتت تشكل ركائز أساسية في مفهوم الأمن الاقتصادي المعاصر.
وأشار الخبير الاقتصادي، إلى أنه من هذه الزاوية، يتقاسم البلدان مصلحة مشتركة في الحفاظ على أمن الملاحة البحرية، وتعزيز التعاون في مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود، والاتجار غير المشروع، والهجرة غير النظامية، في إطار مقاربة شاملة توازن بين المتطلبات الأمنية والأبعاد التنموية والإنسانية. كما أن استقرار الضفة الجنوبية للمتوسط يظل عاملاً حاسماً لضمان استقرار الضفة الشمالية، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الأوروبي، والإسباني على وجه الخصوص، بالدور المحوري الذي تضطلع به الجزائر في محيطها الإقليمي.
ويمتد هذا التقاطع إلى منطقة الساحل الإفريقي، التي أصبحت تمثل إحدى أكثر بؤر التوتر الجيوسياسي في العالم. وفي هذا السياق، تلتقي رؤية الجزائر وإسبانيا حول أهمية إعطاء الأولوية للحلول السياسية والتنموية، ومعالجة الأسباب العميقة للأزمات، وفي مقدمتها ضعف التنمية، وانتشار الفقر، وتراجع مؤسسات الدولة، باعتبار أن المقاربات الأمنية وحدها أثبتت محدودية فعاليتها في تحقيق الاستقرار المستدام.
ولا يقتصر التقارب بين البلدين على القضايا الأمنية والإقليمية، حسب أكده بريش، بل يمتد إلى عدد من الملفات الدولية التي تشكل مرجعيات أساسية في سياستهما الخارجية. ويبرز في مقدمتها الموقف من القضية الفلسطينية، حيث تؤكد الجزائر وإسبانيا تمسكهما بحل الدولتين، وضرورة احترام الشرعية الدولية، ورفض استهداف المدنيين، والدعوة إلى تسوية عادلة تضمن للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة وفق قرارات الأمم المتحدة.
كما تمثل قضية الصحراء الغربية أحد الملفات ذات الأهمية الخاصة في العلاقات الثنائية. فالجزائر تؤكد باستمرار أن تسوية هذا النزاع ينبغي أن تتم في إطار الأمم المتحدة، وبما يكفل للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير المصير وفق قرارات الشرعية الدولية. وخلال الفترة الأخيرة، برزت مؤشرات على عودة الخطاب الإسباني إلى التشديد على مركزية الأمم المتحدة ودعم جهود مبعوثها الشخصي، بما يعكس توجهاً نحو مقاربة أكثر انسجاماً مع المرجعية الدولية، وهو تطور من شأنه أن يسهم في تهيئة مناخ سياسي أكثر استقراراً بين البلدين، دون أن يعني بالضرورة تطابقاً كاملاً في المواقف.
وشدد ذات المتحدث، بإن أهمية هذه التقاطعات السياسية لا تكمن في بعدها الدبلوماسي فحسب، وإنما فيما توفره من مناخ ملائم لتوسيع التعاون الاقتصادي. فالتجارب الدولية تؤكد أن الاستثمارات الكبرى، ولا سيما في قطاعات الطاقة والصناعة والبنية التحتية، تحتاج إلى بيئة سياسية مستقرة، وإلى درجة عالية من الثقة المتبادلة بين الحكومات والمؤسسات الاقتصادية.
ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن التقارب السياسي بين الجزائر وإسبانيا يمثل عاملاً مساعداً على توسيع مجالات التعاون الاقتصادي، لأنه يرسخ الثقة، ويوفر إطاراً مؤسسياً أكثر استقراراً، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين رؤية أوضح عند اتخاذ قرارات الاستثمار. وبذلك، يتحول الحوار السياسي من مجرد أداة لإدارة العلاقات الثنائية إلى رافد يدعم بناء شراكة اقتصادية واستراتيجية أكثر عمقاً، قوامها المصالح المشتركة، والاستقرار، والرؤية بعيدة المدى.
غير أن القيمة الحقيقية لهذه الشراكة لا تقاس فقط بمدى التقارب السياسي، وإنما بقدرة البلدين على ترجمة هذا المناخ الإيجابي إلى مشاريع اقتصادية وصناعية واستثمارية ملموسة. وهنا تبرز أهمية الانتقال من منطق المبادلات التجارية التقليدية إلى منطق التكامل الجيواقتصادي، القائم على الاستثمار المنتج، والصناعة، ونقل التكنولوجيا، وبناء سلاسل قيمة مشتركة، وهي القضايا التي ستحدد مستقبل العلاقات الجزائرية الإسبانية خلال السنوات المقبلة.
المصدر:
الإخبارية