تكشف العلاقات بين الجزائر والولايات المتحدة أنها لم تبدأ في العصر الحديث، بل تمتد جذورها إلى ما يقارب قرنين من الزمن، حين وصل الشاب الأمريكي ويليام براون هودجسون إلى الجزائر في مهمة رسمية جعلت منه أول طالب ودبلوماسي أمريكي يدرس في البلاد، في خطوة شكلت بداية مبكرة للتقارب الثقافي والإنساني بين الشعبين.
وفي هذا السياق، فتحت صحيفة “ الوطن ” الجزائرية كتاب قصة ويليام براون هودجسون، الذي وصل إلى الجزائر عام 1826 بتكليف من الحكومة الأمريكية، حيث كان الهدف من مهمته تعلم اللغة العربية واللغة التركية واللغات المحلية، حتى يتمكن من أداء مهامه الدبلوماسية دون الاعتماد على مترجمين أوروبيين، وهو ما أبرز آنذاك الأهمية التي كانت توليها الولايات المتحدة لفهم المنطقة والتواصل المباشر مع سكانها.
من جهة أخرى، لم يكتف هودجسون بتعلم اللغات، بل اندمج في المجتمع الجزائري واهتم بدراسة الثقافة المحلية، كما أبدى شغفا خاصا بالحضارة الأمازيغية ولغاتها. وقد تحول خلال سنوات إقامته إلى واحد من أوائل الباحثين الأمريكيين الذين وثقوا تاريخ وثقافة شمال إفريقيا، ما جعل أعماله مرجعا مهما في ذلك الوقت.
وفي الإطار نفسه، تؤكد المؤسسات الدبلوماسية الأمريكية باستمرار أهمية هذه الشخصية التاريخية، إذ تستحضرها سفارة الولايات المتحدة في الجزائر باعتبارها رمزا لبداية العلاقات الإنسانية والتعليمية بين البلدين، مشيرة إلى أن التعاون بين الجزائر وواشنطن لم يقتصر على المصالح السياسية، بل تأسس أيضا على تبادل المعرفة والتواصل الثقافي منذ نحو مئتي عام.
أما من الناحية التاريخية، فإن مهمة هودجسون جاءت في فترة كانت فيها العلاقات بين الولايات المتحدة وإيالة الجزائر تتسم بأهمية كبيرة، خاصة في ظل المكانة البحرية التي كانت تتمتع بها الجزائر في البحر الأبيض المتوسط. فقد كانت القوى الغربية، بما فيها الولايات المتحدة، مضطرة إلى التفاوض مع الجزائر لضمان أمن الملاحة البحرية وحماية مصالحها التجارية.
وتبرز معاهدة السلام والصداقة الموقعة سنة 1795 باعتبارها واحدة من أقدم الاتفاقيات التي أرست الأسس القانونية والتجارية للعلاقات بين البلدين، قبل وصول هودجسون بأكثر من ثلاثين عاما. وقد ساهمت هذه المعاهدة في فتح صفحة جديدة من التعاون، بينما جاءت مهمة الدبلوماسي الأمريكي الشاب لتعزز هذا التقارب عبر البعد الثقافي واللغوي.
ومن خلال ما سبق فإن قصة ويليام براون هودجسون بمثابة شاهد قوي على عمق العلاقات الجزائرية الأمريكية، إذ لم تقتصر على الاتفاقيات السياسية والتجارية، بل امتدت إلى التعليم والثقافة والبحث العلمي، وهو إرث تاريخي لا يزال يحظى بالاهتمام والاستحضار حتى اليوم.
المصدر:
الإخبارية