لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد منصات للتواصل وتبادل الأخبار، بل تحولت في الجزائر إلى أداة فعالة تكشف اللصوص والمجرمين، وتسهم في تسريع تحرك الأجهزة الأمنية. ففي كل مرة تنتشر فيها مقاطع فيديو توثق عملية سرقة أو اعتداء، تتوسع دائرة البحث عن الجناة، ويشارك آلاف المستخدمين في التعرف على المشتبه بهم والإبلاغ عن أماكن وجودهم، ما يجعل الفضاء الرقمي شريكًا غير مباشر في مكافحة الجريمة.
وفي هذا السياق، تؤكد دراسة أكاديمية بعنوان “السينوبتيكون الرقمي وإعادة تشكيل المجال العام في الجزائر” للباحث برغل محمد أمزيان، أن شبكات التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، وإنما أصبحت فضاءً للمراقبة المجتمعية، حيث يقوم المواطنون بتوثيق الجرائم ونشرها، الأمر الذي يضع المشتبه بهم تحت أنظار عدد هائل من المتابعين، ويزيد من فرص التعرف عليهم.
وتوضح الدراسة، التي اعتمدت على تحليل 58 فيديو وبيانات رسمية صادرة عن جهات أمنية وقضائية جزائرية، أن المواطنين أصبحوا المصدر الرئيسي لتوثيق العديد من الجرائم، وهو ما أسهم في تسريع تفاعل المؤسسات الأمنية والقضائية مع القضايا المتداولة، خاصة عندما تحقق المقاطع انتشارًا واسعًا على منصات التواصل.
من جهة أخرى، أصبحت كاميرات المراقبة المثبتة في المحلات التجارية والمنازل والشوارع مصدرًا أساسيًا لهذه الفيديوهات، إذ يقوم الضحايا أو الشهود بنشر التسجيلات على مواقع التواصل الاجتماعي، لتبدأ بعدها عملية بحث جماعية يشارك فيها المستخدمون من خلال مشاركة المقاطع أو تقديم معلومات قد تساعد مصالح الأمن في تحديد هوية المشتبه بهم.
كما أظهرت العديد من الوقائع في الجزائر أن الانتشار السريع للفيديوهات أسهم في كشف هوية عدد من اللصوص والمعتدين خلال وقت قصير، وهو ما دفع مصالح الأمن في مناسبات مختلفة إلى التفاعل بسرعة مع المحتوى المتداول، قبل الإعلان عن توقيف المشتبه بهم بعد استكمال التحريات.
غير أن هذا الدور الإيجابي لا يخلو من تحديات قانونية وأخلاقية. فالدراسة نفسها تشير إلى أن الفيديوهات المتداولة، رغم أهميتها في توجيه التحقيقات وتسريعها، لا تُعد في أغلب الحالات دليلًا قانونيًّا كافيًا بمفردها، بل تبقى عنصرًا يساعد المحققين إلى جانب الأدلة الأخرى. كما أن نشر صور الأشخاص قبل التأكد من مسؤوليتهم قد يؤدي إلى المساس بقرينة البراءة أو الإضرار بسمعة أبرياء.
وفي المحصلة، يبدو أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت اليوم جزءًا من منظومة مكافحة الجريمة في الجزائر، ليس لأنها تحل محل أجهزة الأمن، وإنما لأنها توفر معطيات أولية وتوسع دائرة البحث عن المشتبه بهم. ومع الاستخدام المسؤول لهذه المنصات، واحترام الضوابط القانونية، يمكن أن تواصل لعب دور مهم في دعم جهود الأجهزة الأمنية وتعزيز الإحساس بالأمن داخل المجتمع.
@ آلاء عمري
المصدر:
الإخبارية