في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
أوروبا في قبضة “حاجز أوميغا”: حرارة تاريخية تؤدي بحياة الآلاف وسط مقاومة شعبية للمكيفات
الجزائرالٱن _ تعيش القارة الأوروبية منذ الأسبوع الثالث من شهر جوان الجاري واحدة من أعنف الصدمات المناخية في تاريخها الحديث.
إثر تدفق كتلة هوائية حارة استثنائية حاصرت القارة فيما يسميه علماء الأرصاد “حاجز أوميغا” (Omega Block).
هذه الموجة غير المسبوقة حطمت الأرقام القياسية لدرجات الحرارة في أكثر من 250 محطة رصد جوي عبر القارة.
حيث سجلت بلدة “بوليو” في غرب فرنسا 43.8 درجة مئوية، ولامست الحرارة في “بيلباو” الإسبانية 42.7 درجة مئوية.
بينما تخطت بريطانيا، ألمانيا، والنمسا حاجز الـ 40 درجة لأيام متتالية، مما وضع أكثر من 150 مليون مواطن أوروبي تحت إنذارات مناخية حمراء هي الأعلى من نوعها.
أكثر من 2500 حالة وفاة ونزوح جماعي نحو ضفاف الأنهار والوديان
لم تعد لغة الأرقام في غرف الأخبار الأوروبية تتحدث عن طقس سيء، بل عن أزمة صحية عامة تهدد السلامة.
إذ تشير البيانات الأولية الصادرة مع نهاية شهر جوان الجاري عن رصد الهيئات الطبية الوطنية كـ “معهد كارلوس الثالث” في مدريد إلى تسجيل 2500 حالة وفاة مرتبطة بالإجهاد الحراري الحاد خلال أيام قليلة.
وسط تحذيرات منظمة الصحة العالمية من تفاقم الحصيلة بين فئات كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة نتيجة “الليالي الاستوائية” التي لم تنخفض فيها الحرارة عن 25 درجة مئوية.
هذا الاختناق داخل الشقق الإسمنتية المغلقة تسبب في هروب جماعي ونزوح يومي لافت للسكان نحو الطبيعة.
حيث غصت ضفاف الأنهار والوديان الحيوية مثل نهر “السين” في باريس ونهر “الراين” في ألمانيا بآلاف العائلات التي اتخذت من المياه ملاذاً أخيراً لترطيب أجسادها.
في ظاهرة وثقتها كاميرات الصحافة العالمية كشواطئ مفتوحة في قلب المدن.
رغم التحذيرات من تراجع منسوب المياه في الأنهار بنسب قياسية ووقوع حوادث غرق مأساوية بلغت 40 حالة في فرنسا وحدها.
معضلة “الجزر الحرارية”: لماذا يرى الأوروبي في المكيف عدواً للمستقبل؟
أمام هذا المشهد القاسي، يتساءل الكثير من المراقبين عن سبب استمرار المقاومة الشعبية لتركيب أجهزة التكييف الكهربائية.
السبب الأول حسب التقارير البيئية يعود إلى وعي جمعي يرى في هذه الأجهزة “قنبلة موقوتة” تفاقم الأزمة الراهنة؛ فعلمياً.
تعمل المكيفات على طرد الحرارة من الغرف وقذفها إلى الأزقة، مما يساهم في تغذية ظاهرة “الجزر الحرارية المدنية” (Urban Heat Islands) التي ترفع حرارة الهواء الخارجي في الشوارع بنحو درجتين إلى ثلاث درجات إضافية. فضلاً عن ذلك
فإن الضغط المفاجئ والضخم على شبكات الكهرباء لتشغيل الملايين لهذه الوحدات يجبر الدول على تشغيل محطات التوليد التقليدية بالغاز والفحم
وهو ما يعزز الانبعاثات الكربونية ويزيد من حدة الاحتباس الحراري؛ لذا يُنظر إلى تشغيل المكيف مجتمعياً كسلوك أناني يزيد الطين بلة.
قوانين حماية التراث الإنساني وهندسة البناء القديم
يقف العائق الهيكلي والتنظيمي كحجر عثرة أمام رغبة البعض في التبريد الاصطناعي؛ فالسواد الأعظم من البنايات والشقق السكنية في عواصم مثل باريس، برلين.
وفيينا هي عقارات تاريخية تخضع لقوانين صارمة لحماية التراث العمراني.
هذه القوانين تحظر حظراً باتاً إحداث ثقوب في الجدران أو تثبيت المولدات الخارجية للمكيفات على الواجهات المطلة على الشوارع تجنباً لتشويه النسيج الجمالي للمدن.
ونتيجة لذلك، يلتجئ المواطنون بدلاً من ذلك إلى استغلال الخصائص الهندسية لعواصم الحجر القديمة، حيث تمتاز تلك المباني بجدران سميكة تعمل كعازل طبيعي.
ويطبق السكان استراتيجية بديلة تعتمد على الإغلاق المحكم للنوافذ والستائر بنسبة 100% طوال النهار لحجب أشعة الشمس.
ثم فتحها بالكامل في الساعات الأولى من الفجر لامتصاص الهواء البارد المنعش وحبسه داخل الغرف.
كابوس فواتير الطاقة بنسبة 40% والهواجس الطبية الرديفة
إلى جانب الحسابات البيئية والمعمارية، تحسم الأرقام الاقتصادية والمخاوف الصحية قرار تجنب هذه الأجهزة.
فمنذ تقلبات أسعار الطاقة الأخيرة في القارة، شهدت أسعار الكهرباء قفزات كبيرة.
وتؤكد التقديرات الاقتصادية أن الاستسلام للمكيف لعدة ساعات يومياً يقفز بقيمة الفاتورة الشهرية للأسر بنسب تتراوح بين 30% إلى 40%.
وهو عبء مالي لا تتحمله ميزانيات الطبقات المتوسطة. ومن الناحية الصحية، ترتبط المكيفات في الوعي الطبي والجمعي الأوروبي بالعديد من الأعراض المرضية.
مثل جفاف الجهاز التنفسي، جفاف العين، وآلام المفاصل، بالإضافة إلى “الصدمة الحرارية” التي تصيب الدورة الدموية عند الانتقال المفاجئ من غرف مبردة صناعياً إلى شواطئ الإسفلت الملتهبة في الخارج.
وهي معطيات تجعل الملايين يكتفون بالمراوح العادية، وزيادة شرب السوائل، بانتظار انقشاع هذه الصدمة المناخية بالوسائل التقليدية.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة