●خبراء” للجزائر الآن “: هكذا ستنجح الجزائر في رهانها على الطاقات المتجددة
الجزائر الآن – تمضي الجزائر بخطوات متسارعة نحو ترسيخ مكانتها كفاعل رئيسي في سوق الطاقة النظيفة، وذلك من خلال تنفيذ برنامج وطني طموح للطاقات المتجددة يهدف إلى إنتاج 15 ألف ميغاواط من الكهرباء النظيفة بحلول سنة 2035.
مع التركيز بشكل أساسي على الطاقة الشمسية إلى جانب تطوير مشاريع طاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، ويأتي هذا التوجه في إطار استراتيجية وطنية شاملة تستهدف تعزيز الأمن الطاقوي.
وتنويع مصادر إنتاج الكهرباء، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، بما ينسجم مع التحولات العالمية المتسارعة نحو الاقتصاد الأخضر.
●الجزائر ضمن أبرز المستفيدين من التمويلات الأوروبية للطاقة النظيفة
وفي ذات الخصوص فإن هذه الجهود الجزائرية تتزامن مع إطلاق الاتحاد الأوروبي لمبادرة الطاقة المتجددة والتكنولوجيا النظيفة عبر المتوسط (T-MED)، والتي من شأنها بأن تستهدف تعبئة استثمارات تصل إلى 25 مليار يورو بحلول عام 2035.
وبذات المناسبة فقد صنف آخر تقرير إقتصادي نشرته منصة الطاقة المتخصصة في الشأن الإقتصادي الطاقوي، تموضع الجزائر ضمن أبرز الدول الإفريقية المرشحة للاستفادة من هذه التمويلات.
وذلك بالنظر إلى إمكاناتها الطبيعية الهائلة في مجال الطاقة الشمسية، وموقعها الجغرافي الاستراتيجي، إضافة إلى امتلاكها لبنية تحتية طاقوية متطورة تربطها مباشرة بالأسواق الأوروبية.
●مشروع “SouthH2” يعزز موقع الجزائر في سوق الهيدروجين الأخضر
وفي هذا السياق، فقد برزت الجزائر كشريك أساسي في مشروع “ممر الهيدروجين الجنوبي” (SouthH2 Corridor)، الذي يهدف إلى نقل نحو أربعة ملايين طن سنوياً من الهيدروجين الأخضر المنتج في شمال إفريقيا نحو أوروبا عبر إيطاليا، وصولاً إلى النمسا وألمانيا.
ويمثل هذا المشروع الاستراتيجي والإقتصادي والدبلوماسي الواعد أحد أهم المبادرات الأوروبية.
و الهادفة لتأمين إمدادات الطاقة النظيفة مستقبلاً، كما يمنح الجزائر فرصة استراتيجية للتموقع ضمن سلاسل القيمة العالمية للهيدروجين الأخضر.
●مشاريع جديدة لتصدير الكهرباء النظيفة نحو أوروبا
وبالتوازي مع مشاريع الهيدروجين، تدرس الجزائر وإيطاليا إمكانية تنفيذ مشروع كابل كهربائي بحري مباشر يسمح بتصدير الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة نحو السوق الأوروبية.
ومن شأن هذا المشروع أن يفتح آفاقاً جديدة أمام صادرات الطاقة النظيفة الجزائرية، ويعزز التكامل الطاقوي بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
●دخول 3 آلاف ميغاواط من الطاقة الشمسية حيز الخدمة
وفي ذات الشأن فقد أكد الخبير الدولي في الطاقة الدكتور بغداد مندوش، في تصريح لـ “الجزائر الآن”، بأن البرنامج الوطني للطاقات المتجددة قد دخل مرحلة التنفيذ الفعلي.
حيث يرتقب دخول نحو 3 آلاف ميغاواط من مشاريع الطاقة الشمسية حيز الخدمة خلال سنة 2026.
وأوضح إلى أن هذه المشاريع تشكل خطوة مهمة نحو تحقيق الأهداف المسطرة في إطار الانتقال الطاقوي، كما ستساهم في تعزيز قدرات إنتاج الكهرباء النظيفة على المستوى الوطني.
●توفير 8 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي
وأشار الخببر الدولي في الطاقة النظيفة إلى أن توسع إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة سيسمح بتقليص الاعتماد على المحطات التقليدية العاملة بالغاز الطبيعي.
ما سيمكن الجزائر من توفير نحو 8 مليارات متر مكعب من الغاز.
وأضاف أن هذه الكميات يمكن توجيهها لتغطية الطلب المحلي أو تعزيز الصادرات نحو الأسواق الخارجية، بما يرفع من العائدات المالية ويعزز القيمة الاقتصادية للموارد الطاقوية الوطنية.
●رفع مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الطاقوي
وبحسب بغداد مندوش ، فإن استكمال تنفيذ البرنامج الوطني سيؤدي إلى رفع مساهمة الطاقات الجديدة والمتجددة إلى نحو 27 بالمائة من إجمالي المزيج الطاقوي الوطني بحلول سنة 2035.
ما يعكس التوجه الاستراتيجي للدولة نحو بناء منظومة طاقوية أكثر استدامة وتوازناً.
●سوناطراك وسونلغاز في صلب التحول الطاقوي
ويرى المراقبين للمشهد الاستراتيجي والإقتصادي الجديد بأن كل من مجمعات الطاقة الوطنية سونطراك وسونلغاز يقودان عملية التحول الطاقوي من خلال تنفيذ مشاريع واسعة النطاق في مجالات الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر.
ففي الوقت الذي تتولى فيه سونلغاز تطوير وتشغيل محطات إنتاج الكهرباء المتجددة وتعزيز البنية التحتية للشبكة الوطنية.
تعمل سوناطراك على تطوير مشاريع استراتيجية للهيدروجين الأخضر بالشراكة مع شركات دولية كبرى، من بينها مجمع “إيني” الإيطالي، خاصة في المناطق القريبة من حاسي مسعود، إلى جانب مشاريع أخرى يجري تطويرها في منطقة أرزيو.
●الجاهزية المؤسسية مفتاح استقطاب الاستثمارات الأوروبية
من جانبه، أكد الخبير الاقتصادي و المحاضر بجامعة الجزائر الدكتور هواري تيغرسي في تصريح “للجزائر الآن الإلكترونية” بأن نجاح الجزائر في استقطاب الحصة الأكبر من التمويلات الأوروبية المخصصة للطاقة النظيفة يرتبط بمدى جاهزية المنظومتين المؤسسية والمصرفية لتحويل الإمكانات المتاحة إلى مشاريع قابلة للتمويل والاستثمار.
وأوضح أن الجزائر تمتلك أفضلية تنافسية مهمة بفضل مساحاتها الشاسعة المخصصة للطاقة الشمسية.
وشبكة البنية التحتية الطاقوية القائمة، فضلاً عن قربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية.
ودعا إلى تسريع الإصلاحات الاقتصادية والمصرفية، وتطوير أدوات التمويل الأخضر، وتحسين مناخ الأعمال، مع توفير بيئة استثمارية مستقرة تسمح بجذب الشراكات الدولية ونقل التكنولوجيا.
●الهيدروجين الأخضر رافعة لاقتصاد ما بعد النفط
ويرى الخبير الإقتصادي بأن الهيدروجين الأخضر لن يعوض عائدات النفط والغاز على المدى القريب.
لكنه يمثل أحد أهم أعمدة اقتصاد المستقبل، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على مصادر الطاقة منخفضة الانبعاثات.
وأشار إلى أن القيمة المضافة الحقيقية تكمن في تطوير صناعات خضراء متكاملة تعتمد على الهيدروجين.
على غرار صناعة الصلب الأخضر والأسمدة والبتروكيماويات منخفضة الكربون، بما يخلق فرصاً جديدة للنمو والتنويع الاقتصادي.
●رؤية جزائرية متكاملة ما بين الأمن الطاقوي والتصدير
وفي ذات الصدد فإن الجزائراليوم قد باتت تتبنى مقاربة متوازنة تقوم على تلبية الطلب الداخلي المتزايد على الكهرباء من جهة.
وتطوير قدراتها التصديرية في مجالات الغاز والكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر من جهة أخرى.
ويتيح هذا التوجه تقليص استهلاك الغاز في إنتاج الكهرباء، وتوجيه كميات أكبر نحو التصدير، مع الحفاظ على أمن الإمدادات الطاقوية الوطنية وتعزيز الاستدامة الاقتصادية.
●الجزائر ترسم ملامح خارطة الطاقة العالمية: بوابـة أوروبـا الذهبية نحو عصر الهيدروجين الأخضر
و في خطوة ترسخ مكانتها كلاعب محوري لا غنى عنه في هندسة الأمن الطاقوي العالمي، وتؤكد ثقلها الإقليمي الفاعل في قيادة التحول الأخضر، كشفت دراسة علمية حديثة نشرتها مجلة “Applied Energy” العالمية، عن مؤشرات استراتيجية تضع الجزائر في صدارة القوى الطاقوية الناشئة المؤهلة لتأمين مستقبـل الطاقة النظيفة للقارة الأوروبية.
حيث جاء في هذه الدراسة المرجعية، والموسومة ب “الأطلس الوطني المتقدم وآفاق تصدير الهيدروجين الأخضر: الحالة الجزائرية”.
مؤكدة وبلغة الأرقام والبيانات التقنية بأن الجزائر تمتلك كل المقومات الجيوسياسية والطبيعية للتحول إلى “العمود الفقري” لإمدادات الهيدروجين الأخضر نحو أوروبا.
وبقدرات تصديرية طموحة تبلغ 10 ملايين طن سنوياً وهو رقم لا يمثل مجرد حصة سوقية، بل يغطي بالكامل إجمالي الطلب الاستيرادي المستهدف للاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030 ضمن خطته الشهيرة “REPowerEU”.
●المميزات الجغرافية والمناخية: عملاق طاقوي يستيقظ في قلب الصحراء
وبمساحة شاسعة تقارب 2.38 مليون كيلومتر مربع تشكل الصحراء 80% منها، لا تنظر الجزائر إلى جغرافيتها كمساحات ممتدة فحسب، بل كخزان عالمي هائل للطاقة المتجددة.
وتكشف الدراسة عن أرقام استثنائية تعزز هذا الثقل:
●معدلات إشعاع شمسي قياسية: والتي تتراوح مابين 4.6 و6.6 كيلوواط/ساعة لكل متر مربع يومياً.
●ساعات سطوع استثنائية: والتي تتجاوز 3500 ساعة سنوياً في المناطق الجنوبية، وهي من الأعلى عالمياً.
●تكلفة إنتاج تنافسية: ويتوقع بأن تتراوح تكلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد من الهيدروجين الأخضر في الجزائر بين 4.6 و5.2 يورو، وهي كلفة تجعل المنتج الجزائري الأكثر جاذبية في الأسواق الدولية.
ولاسيما خاصة مع اعتماد تقنيات متطورة مثل “الألواح الشمسية المائلة” التي أثبتت النمذجة العلمية قدرتها على رفع الكفاءة وخفض المصاريف.
●رؤية استراتيجية وطموح يتجاوز الحدود
ويرى المراقبين لتطورات الوضع الطاقوي بأن هذا الصعود الإقليمي البارز يرتكز على إرادة سياسية ورؤية وطنية حاسمة.
حيث تستهدف الجزائر ضخ استثمارات ضخمة لإنتاج نحو 13.5 غيغاواط من الطاقة الشمسية بحلول عام 2030.
كخطوة مرحلية للوصول إلى هدف أكبر يتمثل في توليد 15 ألف ميغاواط من الطاقات المتجددة بحلول عام 2035، مع هيمنة مطلقة للتكنولوجيا الكهروضوئية.
ولأن التحدي العالمي يكمن في “نظافة” مسارات الإنتاج — حيث أن أقل من 1% حالياً من الهيدروجين المنتَج عالمياً (البالغ 100 مليون طن) يأتي من مصادر منخفضة الانبعاثات — فإن المقاربة الجزائرية تقدم حلاً جذرياً لتقليص الانبعاثات الكربونية العالمية التي تسبّبها الطرق التقليدية بنحو 920 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنوياً.
●الممرات الطاقوية: ربط القارات بأنابيب المستقبل
ولم تقف النظرة الاستراتيجية عند حدود الإنتاج، بل رسمت الدراسة “أطلساً مكانياً” متكاملاً يربط ما بين حقول التوليد الشمسي ومراكز التحليل الكهربائي، مستندة إلى حلول مستدامة لإدارة المياه عبر تحلية مياه البحر أو استغلال المياه الجوفية.
وتظل الميزة التنافسية الكبرى للجزائر هي قربها الجغرافي وشبكة ممراتها اللوجستية وجاهزية خطوط الأنابيب التي تربطها مباشرة بقلب القارة العجوز.
مما يجعل نقل الهيدروجين الأخضر أقل تكلفة وأكثر أماناً وموثوقية مقارنة بأي منافس إقليمي آخر.
●الجزائر ترسم ملامح قطب إقليمي للطاقة الخضراء
وفي ظل حركية المشاريع الكبرى الجاري تنفيذها، والشراكات الدولية المتنامية، والإصلاحات الاقتصادية المرتقبة.
تبدو الجزائر أمام فرصة تاريخية للتحول إلى أحد أبرز أقطاب الطاقة النظيفة والاقتصاد الأخضر في منطقة المتوسط وإفريقيا.
فبفضل احتياطاتها الشمسية الهائلة، وبنيتها التحتية الطاقوية المتطورة، وموقعها الاستراتيجي كبوابة طبيعية بين إفريقيا وأوروبا. تمتلك الجزائر كل المقومات اللازمة للعب دور محوري في رسم خريطة الطاقة المستقبلية.
ومع تسارع الطلب العالمي على الهيدروجين الأخضر والكهرباء النظيفة، تتجه البلاد نحو ترسيخ مكانتها كشريك استراتيجي موثوق وفاعل إقليمي مؤثر في معادلة الأمن الطاقوي والتنمية المستدامة خلال العقود المقبلة.
ثم إن دمج الإمكانات الشمسيّة الفريدة والموقع الجغرافي الاستراتيجي للجزائر،
سوف يعيد صياغة مفهوم “النفوذ الطاقوي”. فالجزائر اليوم لا تطرق أبواب المستقبل فحسب، بل تعزز مكانتها كقوة إقليمية فاعلة، شريكة، وقائدة لقطار الطاقات المتجددة في حوض البحر الأبيض المتوسط والعالم
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة