●الجزائر رائدة التعاون “جنوب-جنوب” وجسر استراتيجي للنمو الأخضر في المنطقة الإفريقية
الجزائر الآن – شهدت الجزائر العاصمة حراكاً دبلوماسياً وبيئياً بارزاً يوم أمس توّج بزيارة الأمين العام السابق لمنظمة الأمم المتحدة، ورئيس الجمعية العامة ومجلس إدارة المعهد العالمي للنمو الأخضر (GGGI)، بان كي مون. وخلال محاضرة ألقاها بمقر وزارة الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج تحت عنوان تعزيز شراكات النمو الأخضر: مواجهة أزمة الاستدامة وتقوية التعاون الدولي في مجال تغير المناخ.
أشاد المسؤول الأممي بالدور الريادي للجزائر في مسعى التنمية المستدامة عالمياً، مستندة إلى فاعلية دبلوماسيتها وريادتها في التعاون بين بلدان الجنوب.
●الجزائر موقع استراتيجي وجسر بين القارات لتعزيز قضايا المناخ
وفي ذات الخصوص فقد أوضح بان كي مون، بحضور مسؤولين سامين في الدولة وبحضور الامين العام لوزارة الشؤون الخارجية الديبلوماسي لوناس مقرمان.
بأن الجزائر مؤهلة لأداء دور محوري في جهود التنمية المستدامة، بصفتها فاعلاً دبلوماسياً محترماً وجسراً يربط بين إفريقيا والعالم العربي ومنطقة البحر الأبيض المتوسط.
وأضاف الأمين العام السابق للأمم المتحدة بأن الجزائر توجد في موقع استراتيجي متميز لتعزيز الحوار والعمل الجماعي بشأن قضايا المناخ والتنمية المستدامة.
مشيراً إلى أن هذه الملفات تعدت كونها قضية بيئية لتصبح قضية اقتصادية، وتنموية، ومسألة أمن عالمي تشمل جميع مناحي الحياة.
وفي سياق متصل، أشاد بالسياسات الجزائرية الرامية للمحافظة على البيئة وترقية الاقتصاد الأخضر رغم التحديات المناخية الراهنة، مثمناً تدشين مكتب المعهد العالمي للنمو الأخضر بالجزائر العاصمة لتنسيق الجهود وتوحيد الرؤى.
من جانبه، جدد الأمين العام لوزارة الشؤون الخارجية، لوناس مقرمان، على التزام الجزائر الدائم بتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
مبرزاً بأن رؤية الجزائر تأتي في إطار مشروع متكامل يضمن احترام المعايير البيئية والسيادة الوطنية، لاسيما عبر مشاريع الطاقة الشمسية والهيدروجين الأخضر الجاري تجسيدها.
●تحدي “العدالة المناخية” وإفريقيا كقاطرة للاقتصاد الأخضر الجديد
وفي قراءة تحليلية لأبعاد هذا الحدث، أكد الدكتور والمحلل السياسي عزالدين نميري لـ “الجزائر الآن” بأن مصطلحات العدالة المناخية والتوازن البيئي أصبحت من أبرز تحديات المجتمع الدولي لضمان عالم أكثر استقراراً وأمناً.
وأوضح بأنه وخلال هذا اللقاء الذي قد عقده بان كي مون قد لاحظنا إشارة واضحة من الأمين العام الاممي السابق إلى أن الدول الأكثر تصنيعاً في العالم هي المسؤولة الأولى عن المشاكل البيئية وغياب الأمن البيئي.
بسبب الاستغلال البشع للثروات الطبيعية والفاحش للطبيعة، مما أدى إلى تراجع الغطاء الأخضر، وتزايد حرائق الغابات، وتوسع ثقب الأوزون، ناهيك عن الشح المائي الحاد.”
وأضاف المتحدث أن القارة الإفريقية تملك اليوم كل المقومات التي تجعلها قاطرة للاقتصاد الأخضر من خلال استغلال الطاقات المتجددة كآلية لتحقيق الأمن البيئي دون التأثير سلباً على حرارة الأرض، فضلاً عن دورها في تطوير الزراعة المستدامة.
وشدد على أن دالجزائر تعتبر اللاعب الرئيسي في القارة الإفريقية وتمتلك القدرات والمقدرات لتصدير الاقتصاد الأخضر عبر الهيدروجين الأخضر.
مما سوف يساهم في تطوير الفلاحة وتحقيق أمن الشعوب، وذلك في إطار تبادل المصالح المشتركة مع القوى الكبرى.
●مكاسب اقتصادية وتنموية ورهان على التمويلات الدولية الخضراء
من جهته، قدم المحلل الاقتصادي والأستاذ المحاضر بجامعة الجزائر، الدكتور هواري تيغرسي، لـ “الجزائر الآن” قراءة استراتيجية للمحاور الكبرى للندوة، معتبراً أن عرض بان كي مون يعكس تحولاً عالمياً عميقاً؛ حيث لم تعد حماية البيئة عبئاً على النمو، بل محركاً جديداً للاستثمار، والتشغيل، والابتكار.
وحول المكاسب المنتظرة من انضمام الجزائر للمعهد العالمي للنمو الأخضر، لخصها الخبير الإقتصادي في نقاط أساسية:
●استقطاب التمويلات الدولية الخضراء: تمنح العضوية الجزائر دعماً فنياً لإعداد مشاريع مؤهلة للحصول على تمويلات من الصناديق المناخية العالمية.
●جذب استثمارات أجنبية نوعية: تعزيز جاذبية الجزائر في قطاعات الطاقة الشمسية، الهيدروجين الأخضر، تحلية المياه بالطاقة النظيفة، والاقتصاد الدائري.
●خلق مناصب شغل جديدة: توقع توليد عشرات الآلاف من فرص العمل في مجالات تركيب الألواح الشمسية، تدوير النفايات، والتكنولوجيات النظيفة.
ودعا الخبير الإقتصادي في ذات الخصوص إلى تحويل هذه العضوية إلى مشاريع ملموسة عبر إنشاء مناطق صناعية خضراء.
وإطلاق برامج وطنية لتدوير النفايات، وإدراج السندات الخضراء كأدوات تمويل في السوق المالية.
●كلفة التحول وجاهزية المنظومة البنكية والتشريعية الوطنية
وعن التوازن بين النمو وحماية البيئة، أشار تيغرسي إلى أن التحول الأخضر في الجزائر لا يعني التخلي عن المحروقات، بل استغلال عائداتها لتمويل اقتصاد أكثر تنوعاً.
وبخصوص الكلفة الزمنية والمالية، أوضح بأن التحول الأخضر مشروع طويل الأمد يحتاج بين 10 إلى 20 سنة لتحقيق نتائج هيكلية، مع إمكانية لمس نتائج أولية في غضون 3 إلى 5 سنوات.
ورغم أنه يتطلب استثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية، والنقل النظيف، والرقمنة، إلا أنها استثمارات إنتاجية ستولد عوائد وصادرات جديدة مستقبلاً.”
وفيما يتعلق بالجاهزية الوطنية، أكد تيغرسي على ضرورة تسريع الإصلاحات؛ برلمانياً عبر تطوير “قروض خضراء” متخصصة وإدماج معايير الاستدامة في تقييم المشاريع، وتشريعياً عبر تعزيز التحفيزات القانونية للمؤسسات التي تخفض بصمتها الكربونية وتسريع قوانين الاقتصاد الدائري.
● دبلوماسية بيئية ترسم ملامح السيادة الاقتصادية للمستقبل
وتأتي زيارة بان كي مون وتدشين مكتب المعهد العالمي للنمو الأخضر بالجزائر — بعد انضمامها الرسمي له — لتؤكد أن الجزائر تصيغ اليوم مقاربة سيادية تجمع بين ريادتها الدبلوماسية التقليدية وتطلعاتها الاقتصادية المستقبلية.
ثم إن تكريم رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لبان كي مون بوسام برتبة “أثير” يعكس عمق التقدير الجزائري للجهود الأممية.
وفي ذات الوقت، يبعث برسالة سياسية قوية مفادها أن الجزائر شريك موثوق في صياغة الأمن العالمي بمفهومه الشامل والجديد.
ومابين حتمية مجابهة التغيرات المناخية وفرص اقتناص ريادة أسواق الطاقة النظيفة كالهيدروجين الأخضر، تجد الدبلوماسية الجزائرية نفسها في تموقع استراتيجي مثالي.
يربط ما بين الدفاع عن مصالح قارتها الإفريقية وعمقها العربي، وبين بناء شراكات متكافئة مع القوى الاقتصادية الكبرى.
ولم يعد التحول الأخضر بالنسبة للجزائر مجرد التزام بيئي طوعي، بل أضحى خياراً جيوسياسياً واقتصادياً حتمياً يؤسس لمرحلة ما بعد النفط، ويحمي السيادة الوطنية.
ويضمن موقعاً متقدماً للبلاد في خريطة التوازنات الدولية الجديدة التي لن تقاس بثرواتها الباطنية فحسب، بل بقدرتها على تحويل الاستدامة إلى أمن قومي وثروة دائمة للأجيال القادمة.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة