آخر الأخبار

لعشاب مريم لـ“الجزائر الآن”: المحكمة الدستورية تحوّلت إلى حارس الدستور وكابح حقيقي لتجاوز السلطة في الجزائر

شارك
بواسطة بلقور محمد
:صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي الوطني والدولي .
مصدر الصورة
الكاتب: بلقور محمد

●لعشاب مريم لـ“الجزائر الآن”: المحكمة الدستورية تحوّلت إلى حارس الدستور وكابح حقيقي لتجاوز السلطة في الجزائر

الجزائر الآن _ في لحظة إقليمية ودولية تتزايد فيها اختبارات الشرعية ومصداقية المؤسسات، تطرح الجزائر نموذجًا يسعى للانتقال من دولة تُدار بالنصوص إلى دولة يُحكم فيها بالدستور كمرجعية حية وفاعلة.

ضمن هذا السياق، تكتسب تصريحات رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بشأن تكريس السيادة المطلقة للدستور وتعزيز دور المحكمة الدستورية دلالات تتجاوز بعدها القانوني.

لتؤشر إلى تحوّل استراتيجي في هندسة الحكم، يقوم على إعادة ضبط توازن السلطات، وتوسيع مجال حماية الحقوق، وإدماج المواطن كفاعل مباشر في الرقابة الدستورية، لا مجرد متلقٍ لنتائجها

●تجديد العهد ببناء “الجزائر الجديدة”
و قد أوضح الرئيس تبون أن انعقاد هذا الملتقى القانوني يمثل تجديداً للعهد الذي قطعه أمام الشعب الجزائري لبناء دولة تضمن كرامة الجميع ولا يُظلم فيها أحد.
ومشيرا وفي ذات المناسبة إلى أن هذا المسار يستمد روحه من بيان أول نوفمبر 1954، الذي وضع الأسس الأولى للدولة الجزائرية كدولة ديمقراطية اجتماعية.

و مؤكداً بأن حماية الحقوق الأساسية قد باتت “عقيدة راسخة” تسري في عمل كافة المؤسسات الجمهورية.

مصدر الصورة
●المحكمة الدستورية في الجزائر: من الرقابة السياسية إلى الضمانة القضائية لسمو الدستور
و في هذا الموضوع قالت البروفيسور لعشاب مريم، أستاذة القانون الدستوري بجامعة علي لونيسي البليدة 2 في تصريح لصحيفة “ الجزائر الآن” الإلكترونية بأن التحول من “المجلس الدستوري” إلى “المحكمة الدستورية” بموجب تعديل 2020 يمثل نقلة نوعية وجذرية في الفلسفة القانونية للدولة الجزائرية.

وأوضحت أن هذا التغيير ليس مجرد تعديل في المسمى، بل هو تكريس للطبيعة القضائية المستقلة التي تضمن حماية الحقوق والحريات.

مصدر الصورة

●المحكمة الدستورية ركيزة الاستقرار المؤسساتي

وفي سياق الإصلاحات الكبرى للجزائر فقد وصف الرئيس تبون المحكمة الدستورية بأنها “عمود الاستقرار المؤسساتي” وقلب الممارسة الديمقراطية الحقة.

وذكر بأن التعديلات الدستورية المتتالية، بدءاً من منعرج نوفمبر 2020 وصولاً إلى التعديلات الجزئية الأخيرة.

قد جاءت لتعالج القصور المسجل في الممارسة الميدانية، وضمان مواءمة النصوص القانونية مع تطلعات المجتمع وتفادي التأويلات التي قد تعيق فعالية المؤسسات.

●المحكمة الدستورية.. “كابح” فعلي ضد تجاوز السلطات

ومن جهتها فقد أبرزت الخبيرة لعشاب مريم بأن المحكمة الدستورية تؤذي دور “الحارس الأمين” الذي يضمن عدم توغل السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وبحسب تحليلها القانوني، فإن اختصاصات المحكمة لم تعد تقتصر على مراقبة القوانين فحسب.

بل امتدت لتشمل مراجعة اللوائح والقرارات التنفيذية، مما يمنع أي استبداد أو تجاوز للصلاحيات، ويحقق توازناً حقيقياً ما بين السلطات تحت سقف الدستور.

مصدر الصورة

●المواطن شريك في الرقابة الدستورية

وبخصوص آلية الرقابة، أكد الرئيس تبون بأن المنظومة القانونية في الجزائر لا تتعامل مع الرقابة الدستورية كأداة تقنية جافة، بل كضمانة لسيادة القانون.

وأبرز الرئيس أهمية آلية الدفع بعدم الدستورية التي تسمح للمواطن بأن يكون شريكاً فعالاً في حماية الدستور، حيث تم تبسيط إجراءاتها لتمكين كل ذي حق من الوصول إلى القضاء الدستوري بيسر وأمان.

●الدفع بعدم الدستورية: سلاح المواطن لتطهير المنظومة القانونية

وبدورها فقد فقد اعتبرت الخبيرة في القانون الدستوري العام بأن آلية “الدفع بعدم الدستورية” هي المكسب الأبرز للمواطن في التعديل الأخير؛ حيث تحولت من نصوص نظرية إلى ممارسة يومية
فالهدف منها هو تمكين المتقاضي من الطعن في أي نص قانوني يمس بحقوقه الأساسية أثناء سير الدعوى ولها الأثر القانوني والدستوري.

بحيث أنها هي من تساهم في “تطهير” المنظومة التشريعية من النصوص المعيبة والمتناقضة مع المبادئ الدستورية، مما يعزز انسجام القوانين من خلال تفعيل دور آلية “الدفع بعدم الدستورية

●رؤية دولية لحماية القيم الإنسانية

وعلى الصعيد الدولي، فقد شدد رئيس الجمهورية على أن صون الحقوق والحريات يمثل “قيماً إنسانية مشتركة” تتجاوز الحدود الجغرافية.

ودعا إلى تعزيز التعاون الدولي لتطوير ضمانات الحماية القانونية في ظل التحولات العميقة والتحديات المتسارعة التي يشهدها العالم.

ومؤكداً فخر الجزائر بمشاركة تجربتها الوطنية وانفتاحها على النظم القانونية المقارنة.

●ضمانات الاستقلالية: الحصانة والتحرر المالي
وفي ذات المنوال فقد كشفت لعشاب مريم بأن عمل القاضي الدستوري في الجزائر قد بات يرتكز على استقلالية فردية ومؤسسية مطلقة، محصنة بـ:

●الحصانة القضائية: التي تُعد درعاً لحماية الوظيفة لا الامتياز الشخصي.
●الاستقلال المالي: ضمان رواتب مجزية للقضاة لمنع أي تأثيرات أو إغراءات مادية قد تمس بنزاهة الأحكام.
● عدم القابلية للعزل: لتمكين القاضي من الفصل في النزاعات بضمير حي ودون خوف من ضغوط السلطة.

مصدر الصورة

●إجراءات صارمة لضمان “جدية” الطعون

وتضيف بأنه ووفقاً للقانون 22-19، فإن ممارسة الدفع بعدم الدستورية تخضع لشروط شكلية وموضوعية دقيقة لضمان عدم استخدامها كوسيلة للمماطلة، ومن أبرزها:
●تقديم مذكرة مكتوبة ومنفصلة ومسببة أمام الجهات القضائية.
●أن يكون النص المطعون فيه هو أساس النزاع أو المتابعة.
● إثبات جدية الدفع عبر تقديم حجج قانونية منطقية تقنع القاضي بوجود مخالفة دستورية.

●نحو بصمة جزائرية في القانون الدستوري المقارن
وخلصت القراءة التحليلية للبروفيسور لعشاب مريم على أن التجربة الجزائرية، رغم استفادتها من النماذج الدولية في الرقابة الدستورية.

فإنها تسعى لتقديم بصمة خاصة من خلال تأصيل حماية الحقوق في السياق الثقافي والقانوني الوطني، مما يرسخ دولة الحق والقانون ويضمن حجية مطلقة لأحكام المحكمة الدستورية الملزمة للجميع.

نحو ريادة جزائرية دستورية وتكريس للأمان القانوني

إنّ الحركية الدستورية التي تشهدها الجزائر اليوم، وما رافقها من تحول بنيوي في وظيفة المحكمة الدستورية، لا تُمثل مجرد إصلاحات ظرفية، بل هي “هندسة إستراتيجية” تهدف إلى تحقيق الأمان القانوني للمواطن والمؤسسات على حد سواء.
لقد أثبتت المعطيات الراهنة أن انتقال الجزائر إلى نموذج الرقابة القضائية الكاملة هو خيار سيادي يضع الدولة في مصاف الأنظمة الديمقراطية العريقة التي تجعل من الدستور “كائناً حياً” يتفاعل مع احتياجات المجتمع وتحديات العصر.

إن الرهان القادم يتجاوز صياغة النصوص إلى ترسيخ الثقافة الدستورية؛ فالمواطن الذي بات شريكاً في الرقابة عبر آلية “الدفع بعدم الدستورية” هو الضامن الحقيقي لاستدامة هذه الإصلاحات.

وفي ظل الإرادة السياسية الصارمة التي عبر عنها رئيس الجمهورية، والتحصين القانوني الذي تدعو إليه الكفاءات الأكاديمية، تبرز الجزائر اليوم كنموذج رائد في المنطقة.

يسعى لصياغة “بصمة جزائرية” فريدة في القانون الدستوري المقارن؛ بصمة توائم بين الكونية الإنسانية للحقوق والحريات، وبين الخصوصية الوطنية المنبثقة من روح بيان أول نوفمبر.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا