بولس يجدد وصف لقاءاته بالجزائر بـ”المثمرة”: رسائل واضحة حول متانة الشراكة مع واشنطن
الجزائرالٱن_ أجرى وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، بمدينة أنطاليا التركية، محادثات ثنائية مع مسعد بولس، المستشار الرفيع للرئيس الأمريكي دونالد ترامب المكلف بإفريقيا والشؤون العربية والشرق الأوسط.
جاء ذلك على هامش الطبعة الخامسة لمنتدى أنطاليا الدبلوماسي، الذي افتتحه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وبحسب البيان الرسمي لوزارة الخارجية الجزائرية، تبادل الطرفان وجهات النظر حول الأوضاع في ليبيا والسودان وملف الصحراء الغربية، فيما بحثا سُبُل تعزيز الشراكة التجارية والأمنية بين البلدين.
وعقب اللقاء، صرّح بولس بأن الاجتماع كان «مثمراً»، وأشاد بما وصلت إليه الشراكة بين البلدين في المجالين التجاري والأمني.
وليست المرة الأولى التي يُطلق فيها هذه الأوصاف على لقاءاته مع المسؤولين الجزائريينن وهذا التكرار بالذات هو ما يستحق التأمل.
زيارات متكررة للجزائر وملفات متوسعة
لم يكن لقاء أنطاليا حدثاً مفاجئاً في مسار علاقات الجزائر مع الإدارة الأمريكية الحالية.
ففي 27 جويلية 2025، زار بولس الجزائر العاصمة على رأس وفد رفيع ضمّ نائب مساعد وزير الخارجية لشؤون شمال إفريقيا جوشوا هاريس والسفيرة الأمريكية وقتها إليزابيث مور أوبان.
في يوم واحد، أجرى ثلاثة لقاءات: مع الرئيس تبون، ثم مع الوزير عطاف، ثم مع وزير الطاقة عرقاب.
وسبق أن وصف بولس تلك الزيارة بأنها كانت «مثمرة جداً»، ولفت إلى «إمكانات هائلة» للتعاون بين البلدين.
وفي لقاء أنطاليا أمس، عاد بولس ليُصرّح بأنه أجرى مع عطاف اجتماعاً مثمراً بهدف “تعزيز شراكتنا التجارية والأمنية”
حيث “أشدنا بالتقدم المحقق في مناقشات الموارد الغازية غير التقليدية، واستكشفنا الفرص المتاحة للشركات الأمريكية لدعم قطاع المعادن الاستراتيجية في البلاد”.
صفة “المثمر” تتكرر ( في جويلية 2025 وفي أفريل 2026) والمسؤول نفسه يعود. في الدبلوماسية، هذا التكرار ليس مجاملة، بل مؤشر على أن ثمة ما يدفع إلى الاستمرار.
اتفاقية عسكرية تاريخية تسبق الكلام
حين يتحدث بولس عن «الشراكة الأمنية»، فهو يُشير إلى اتفاقية موقّعة وليس إلى تطلعات.
ففي 22 جانفي 2025، وقّع الجنرال مايكل لانغلي، قائد القيادة الإفريقية الأمريكية، مع قائد الأركان الفريق سعيد شنقريحة، مذكرة تفاهم للتعاون الدفاعي وصفها مسؤولون أمريكيون بأنها «أول اتفاقية من نوعها بين البلدين في التاريخ».
مضيفين أنها تمثل «تحولاً استراتيجياً كبيراً». وهي اتفاقية تفتح الباب أمام تبادل الاستخبارات البحرية ومبيعات الأسلحة والتعاون في مكافحة الإرهاب بمنطقة الساحل.
وحين سُئل السفير الجزائري في واشنطن صبري بوقادوم عن سقف هذا التعاون، أجاب بوضوح: «السماء هي الحد».
وأضاف أن «ميزة الجزائر للولايات المتحدة تكمن في العامل البشري، فالاستخبارات الحقيقية تحتاج إلى من يفهم المجتمعات والقبائل والتفاعلات المحلية». هذا الوصف يُحدد بدقة ما تمتلكه الجزائر ولا تملكه سواها في المنطقة.
جزائرية تفرض الحضور الأمريكي
ما قاله بولس أمس عن «الموارد الغازية غير التقليدية» و«المعادن الاستراتيجية» ليس حديثاً عاماً.
فالولايات المتحدة تخوض منذ سنوات سباقاً مع الصين على تأمين سلاسل إمداد المعادن النادرة الضرورية للصناعات الدفاعية والتكنولوجية.
والجزائر، بما تمتلكه من احتياطيات معدنية ضخمة وموقع جغرافي في قلب القارة الإفريقية، باتت لاعباً لا يمكن تجاوزه في هذه المعادلة.
وفي جويلية 2025، اجتمع بولس بوزير الطاقة عرقاب الذي عرض عليه استراتيجية الجزائر لزيادة الإنتاج وتطوير الطاقة النظيفة والهيدروجين.
مع دعوة صريحة للمستثمرين الأمريكيين للدخول في شراكات في قطاع المعادن الاستراتيجية.
وسبق أن صرّح السفير بوقادوم بأن «الجزائر مستعدة لمناقشة اتفاقية بشأن مواردها الطبيعية والمعدنية» مع واشنطن. هذا العرض لا تُقدمه دولة في موضع ضعف، بل دولة تعرف قيمة ما تملكه.
خلاف في ملف لا يعني أزمة في العلاقة
لا تخلو هذه العلاقة من توترات موثّقة. حيث يعتبر ملف الصحراء الغربية نقطة خلاف حقيقية وليست مصطنعة، فواشنطن تدعم مخطط الحكم الذاتي المغربي المزعوم أساساً للتسوية.
والجزائر ترفض ذلك. وقد تضمّنت محادثات أنطاليا أمس هذا الملف صراحةً وفق البيانات الرسمية لوزارة الخارجية الجزائرية.
غير أن الخلاف في ملف واحد لا يُلغي الشراكة في ملفات أشمل. الجزائر لا غنى عنها لأي تسوية في ليبيا التي تتشارك معها أطول حدودها، ولا يقوم أي استقرار في منطقة الساحل دون تنسيقها.
وقد سبق أن أكد مراكز البحث الاستراتيجية الأمريكية أنه «لا يمكن لأي نهج أمريكي في ليبيا أو الساحل أن ينجح دون تنسيق الجزائر». هذا الاعتراف يُفسر لماذا يواصل بولس زياراته ولقاءاته بعطاف حتى حين يختلفان.
الدول التي تتعامل مع بعضها كخصوم لا توقّع مذكرات تفاهم عسكرية، ولا يصف مسؤولوها لقاءاتهم بـ«المثمرة» في كل مناسبة.
ما يقوله مسار العلاقة أكثر مما تقوله أي رواية
لقاء أنطاليا ليس حدثاً منفرداً. إنه حلقة في سلسلة، اتفاقية عسكرية في جانفي 2025، وزيارة رفيعة في جويلية 2025، ومحادثات مدريد وواشنطن في فيفري 2026، ولقاء أنطاليا في أفريل 2026.
والقاسم المشترك في كل هذه المحطات هو أن الطرف الأمريكي يأتي بأجندة، ويعود بإشادة، ويُخطط للمرة التالية.
من يبحث في هذا السجل عن أزمة في العلاقات أو فتور دبلوماسي لن يجد ما يدعم روايته. ما سيجده هو شراكة براغماتية ناضجة بين دولتين تعرف كل منهما ما تريده من الأخرى، وتواصل بناء جسورها حتى حين تختلف، لأن المصالح المشتركة أكبر من أي ملف خلافي.
المسؤول الأمريكي الذي يعود مراراً ويصف كل لقاء بـ«المثمر» لا يفعل ذلك تجاملاً، بل لأن الواقع يُلزمه. وهذا الواقع اسمه الجزائر.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة