من شيكاغو إلى عرش روما.. رجل عبر ثلاث قارات ليصبح بابا الفاتيكان
الجزائرالٱن _ حين أقلعت الطائرة البابوية من مطار هواري بومدين، تاركةً وراءها سماء الجزائر العاصمة الرمادية برذاذها المعتاد خلال شهر أفريل، كانت الأرض لا تزال رطبة تحت المطر الذي رافق الزيارة. لم يكن بابا الفاتيكان يغادر بلداً غريباً عنه، كان يغادر أرضاً زارها مرتين من قبل، وتسكن تاريخه الروحي، أرض القديس أوغستيس الذي أسّست تعاليمه رهبانيته وشكّلت فكره.
يشدّ ليون الرابع عشر الرحال الآن نحو ثلاث محطات إفريقية متتالية، وهي الكاميرون، وأنغولا، وغينيا الاستوائية، في رحلة تمتد أحد عشر يوماً وتتقاطع فيها قضايا السلام والهجرة والحوار بين الأديان. ومع توسع رقعة الرحلة وتشعّب مشاهدها، لعلّ هذا هو الوقت الأمثل للوقوف أمام سيرة هذا الرجل الآتي من شيكاغو بعقلية عالم الرياضيات وروح الراهب المتجوّل، الذي طاف ثلاث قارات قبل أن يستقر على أعلى كرسي في الكنيسة الكاثوليكية.
فمن هو هذا البابا الذي يُحيّر المراقبين ويُقلق واشنطن ويُدهش إفريقيا؟
طفل يُقيم قداساً فوق لوح الكيّ
كان روبرت برفوست، أصغر الإخوة الثلاثة في بيت عائلة متدينة من ضواحي شيكاغو، يأخذ لوح الكيّ من أمه، يُغطيه بمفرش أبيض، ويقف أمام أخويه يُحاكي طقوس الكنيسة. لم يكن لعباً عادياً، بل كان إعداداً مبكراً لمسار لم يتخلّ عنه يوماً.
وُلد في الرابع عشر من سبتمبر 1955، ونشأ في ضاحية دولتون المجاورة لشيكاغو. كان أبوه لويس معلماً، وأمه ميلدريد مارتينيز أمينةَ مكتبة. عائلة بسيطة من الطبقة العاملة، لكنها مُثقلة بالإيمان حتى الحافة؛ كان أفرادها يُشاركون في حياة الرعية منشدين وقرّائين وخدّاماً للمذبح.
في المدرسة الثانوية بأكاديمية “القديس أوغسطينوس”، أثبت برفوست أنه استثناء، فقد كان متفوقاً دراسياً، رئيساً لمجلس الطلاب، ومتميزاً في الخطابة والمناظرات. وكان الطلاب الجدد الخائفون من البُعد عن بيوتهم يجدون فيه ذلك الطالب الأكبر الذي يأخذ الصغار تحت جناحه. قائد فطري لا بالصوت العالي، بل بالحضور الهادئ الثقيل.
عالم رياضيات يختار مساراً آخر
الأرقام لا تكذب. تخرّج برفوست من جامعة فيلانوفا بشهادة علمية في الرياضيات عام 1977، والرياضيات علمٌ يُنمّي عقلاً يبحث عن الحقيقة الدقيقة والبرهان الصارم.
ثم حوّل برفوست بوصلته نحو اللاهوت، فالتحق بالاتحاد اللاهوتي الكاثوليكي في شيكاغو، ثم حصل على إجازة في القانون الكنسي من الجامعة البابائية في روما.
رياضيات ثم لاهوت ثم قانون، كأن الرجل يبني نفسه طبقةً فوق طبقة، بدقة مهندس وصبر راهب. وهو يتكلم بطلاقة خمس لغات، ما يجعل من بيت التقاء أصول والديه الفرنسية والإيطالية والإسبانية مختبراً مبكراً للتنوع الذي سيصبح لاحقاً سمته الأبرز.
الرجل الذي أحبّ البيرو أكثر من شيكاغو
عام 1985، أرسلته رهبانيته إلى منطقة تشولوكاناس النائية في شمال البيرو. لم يكن يعلم أن هذه الأرض الجافة ستصبح وطنه الثاني، أو ربما الأول.
عمل في البيرو قرابة عقدين متقطعين، درّس فيها القانون الكنسي وعلم الآباء والأخلاق اللاهوتية، لكنه لم يكتفِ بالتدريس. كان العاملون في مجال الخدمات الاجتماعية يصفونه بأنه الأسقف الذي يلبس الخوذة والحذاء المطاطي وينزل إلى الناس، قريباً في غاية التواضع من الجميع؛ من أعلى المسؤولين إلى أبسط الناس في الأحياء الفقيرة.
البيرو منحته جنسيتها لاحقاً، فأصبح أول بابا يحمل في آنٍ واحد جنسيتين: الأمريكية والبيروفية. لكن وراء هذا الرقم قصة حب حقيقي لشعب يعيش في هشاشة دائمة.
المعركة الخفية: مواجهة جماعة قوية في الظلام
هنا تبدأ الأسرار الحقيقية. لم يكن برفوست مجرد راهب طيّب يجوب الأرياف. في البيرو، وجد نفسه في قلب معركة كنسية شرسة ضد جماعة دينية نافذة وعتيدة تُعرف بـ”سوداليتيوم كريستيانا فيتا”.
كان برفوست وعدد من الأساقفة البيروفيين يُشكّلون قوة استقرار خلال الاضطرابات السياسية والصراعات الكنسية، ولعب دوراً محورياً في لجنة حقيقة كشفت الفساد والانتهاكات داخل هذه الجماعة، التي أمر البابا فرانسيس بحلّها رسمياً في أفريل 2025.
لكن الأمر لم يمرّ دون ثمن. بعد انتخابه بابا، ظهرت اتهامات بالإساءة وُجّهت إليه في البيرو، غير أن إحدى المدّعيات أعلنت لاحقاً أنها لم تكن واثقة من نوايا المحامي الذي تبنّى قضيتها، والذي كان يرتبط بالجماعة ذاتها التي كشفها برفوست. حرب الظل، إذاً، ضربت الرجل الذي حاربها.
القوة الهادئة التي تُعيد توجيه الاجتماعات
حين استدعاه البابا فرانسيس عام 2023 رئيساً لديكاستيري الأساقفة (الدائرة التي تختار أساقفة العالم كله) أذهل موظفيه بقدرته على الاستماع بانتباه دقيق وإبقاء الاجتماعات في مسارها الصحيح. وكان المراقبون يلحظون كيف يُصحّح المسار أحياناً دون أن يُدرك أصحاب الكلام الطويل أن أحداً أعاد توجيههم أصلاً.
رجل اختار اسمه باحتساب دقيق
قبل انتخابه في الثامن من ماي 2025 (في اليوم الثاني من المجمع الكردينالي، بعد أربعة أدوار من التصويت)، اختار اسم “ليون الرابع عشر” لا عشوائياً، بل إشارةً واضحة إلى البابا ليون الثالث عشر الذي طوّر التعليم الاجتماعي الكاثوليكي في خضم الثورة الصناعية الثانية.
ويرى برفوست أن اللحظة الراهنة تستدعي استلهام الدرس نفسه، عصر ثورة صناعية جديدة يقودها الذكاء الاصطناعي والروبوتات، وتحتاج قيماً تُعيد الإنسان إلى مركزها.
حين ظهر على شرفة كنيسة القديس بطرس لأول مرة أمام مئة وخمسين ألفاً في الساحة، ارتدى الرداء البابوي التقليدي الذي كان سلفه فرانسيس قد رفض ارتداءه يوم انتخابه. إشارة خفية لكنها بليغة، فهذا رجل يحترم التقليد دون أن يكون أسيره.
بابا يُزعج واشنطن
منذ بداية توليه المنصب، لم يتردد في الجهر بمواقفه السياسية والإنسانية. تحدث عن ضرورة احترام حقوق المهاجرين، وانتقد بصراحة ما وصفه بمعاملة لاإنسانية في مراكز الاحتجاز الأمريكية.
وذهب أبعد من ذلك حين صرّح أن من يعارض الإجهاض لكنه يوافق على انتهاك كرامة المهاجرين يصعب تصنيفه مدافعاً حقيقياً عن الحياة.
كما برزت مواقفه في ملف الشرق الأوسط؛ إذ يرفض توظيف الدين لتبرير الحرب، في موقف يتقاطع مع انتقاد الخطاب الأمريكي الرسمي الذي يُضفي أحياناً طابعاً دينياً على التدخل العسكري.
بابا أمريكي يُزعج السياسة الأمريكية، فهذه مفارقة لا تخلو من شاعرية.
في الجزائر: عودة إلى منبع الروح
للجزائر مكانة خاصة في تاريخ برفوست قبل أن يصبح بابا. فهي أرض عنابة (مدينة هيبون القديمة)، حيث أقام القديس أوغستين أسقفاً طوال خمسة وثلاثين عاماً، وأوغستين أو أوغسطينوس هو مؤسس الرهبانية التي ينتمي إليها ليون الرابع عشر.
زار برفوست الجزائر مرتين قبل البابوية، عامَي 2001 و2013، ما يجعل هذه الزيارة البابوية التاريخية الأولى للبلاد عودةً إلى ما هو مألوف لا اكتشافاً لما هو مجهول.
في اليوم الثاني لزيارته، وقف بين الحجارة الرومانية العتيقة في موقع هيبون الأثري، والأمطار تجلد المكان. رتّل كورال معهد عنابة للموسيقى تراتيل مستوحاة من كتابات أوغسطينوس باللاتينية والأمازيغية والعربية في آنٍ واحد، كأن القارات تتنفس معاً بصوت واحد. ووقف البابا في صمت طويل قبل المغادرة.
وأمام السلك الدبلوماسي الجزائري، قدّم نفسه بالفرنسية، اللغة التي تحمل في هذه الأرض تاريخاً مُوجعاً من الاستعمار، قائلاً إنه جاء “حاجّاً للسلام، متلهفاً للقاء الشعب الجزائري النبيل.”
اختيار الفرنسية في هذا السياق بالذات كان شجاعةً من نوع خاص، لأنها تجرّأت على الجرح بدل تجاهله.
الرحلة تتواصل نحو إفريقيا العميقة
بعد مغادرة الجزائر، تنتظره الكاميرون التي تشهد منذ 2017 حرب انفصال دامية في مناطقها الناطقة بالإنجليزية، وقد خلّفت أكثر من ستة آلاف قتيل وستمائة ألف نازح.
في مدينة بامندا، سيترأس لقاء مصالحة نادر يجمع في مشهد واحد، رئيساً قبلياً تقليدياً، ومعتدلاً بروتستانتياً، وإماماً مسلماً، وراهبة كاثوليكية. ثم تنتظره أنغولا وغينيا الاستوائية لإتمام رسالة الرحلة.
ومن المتوقع أن يُصلّي في ميناء دوالا بحضور ستمائة ألف شخص (أكبر تجمع في رحلته كلها).
روبرت برفوست الذي وُلد في شيكاغو وعاش طفولته يُحاكي طقوسَ الكنيسة فوق لوح الكيّ، وتعلّم الرياضيات قبل أن يتعلم اللاهوت، وأحبّ البيرو وخاض معاركها الصامتة، وصعد إلى أعلى كرسي في الكنيسة الكاثوليكية، لا يزال يمشي.
ووراءه في سماء الجزائر تتلاشى آثار طائرته، فيما يشقّ طريقه نحو قلب إفريقيا بعقل الرياضياتي وروح الرحّال.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة