الجزائر بين قديس وأمير
الجزائرالٱن _ حين تُعلن الجزائر عن نفسها للعالم، لا تحتاج إلى تقديم نفسها بعبارات الترحيب المعتادة، فأرضها تتكلم قبل أصحابها، وتاريخها يسبق ضيوفها. وحين يُقدَّر لبابا الفاتيكان ليون الرابع عشر أن تطأ قدماه التراب الجزائري في زيارة هي الأولى من نوعها في التاريخ، فإن الجزائر لا تستقبله بيدين فارغتين، بل تفتح له خزانة ثرية من الإنسانية فيها ما يُدهش الأحرار ويُربك من اعتادوا النظر إلى هذه الأرض من الجهة الضيقة.
رمزان يقفان في استقبال البابا قبل أن يُصافحه أيٌّ من المسؤولين؛ قديس وُلد على هذه الأرض في القرن الرابع الميلادي فأضاء الفكر المسيحي قرونًا، وأمير وُلد في القرن التاسع عشر في قيطنة معسكر فأنقذ المسيحيين في دمشق بسيفه وضميره معًا. أوغستين وعبد القادر، زمنان مختلفان وأرض واحدة، غير أن ما بينهما من خيط الإنسانية أقوى وأمتن مما قد يبدو لأول وهلة.
ابن الدموع: الجزائري الذي أسَّس الفكر المسيحي الغربي
في الثالث عشر من نوفمبر عام 354 ميلادي، أبصر الضوء في طاغاست، الواقعة اليوم في سوق أهراس بالشرق الجزائري، طفل من أصل نوميدي أمازيغي، من أمٍّ مسيحية اسمها مونيكا وأب وثني اعتنق المسيحية على فراش الموت. هذا الطفل سيصير يومًا القديس أوغستين.
لم تكن حياته سيرة مستقيمة صاعدة نحو القداسة، بل كانت رحلة مضطربة من التيه والبحث والسقوط والنهوض. في شبابه عاش حياة استمتاعية، وفي قرطاج أقام علاقة مع امرأة استمرت خمس عشرة سنة وأنجب منها ابنًا. درس البيان والفلسفة، وتقلَّب بين المانوية والأفلاطونية الحديثة، باحثًا عن إجابة لسؤال لا يهدأ في قلبه: من أين يأتي الشر وكيف يمكن تجاوزه؟
دفعه طموحه صوب روما فأنشأ فيها مدرسة للبيان، ثم فاز بمنصب أستاذ في ميلانو، وهناك بدأ يختلف إلى الكنيسة الكاثوليكية يستمع إلى عظات أسقف المدينة أمبروسيوس. في حديقة ميلانو التي غيَّرت مجرى تاريخ الفكر، سمع أوغستين صوتًا يردد “خذ واقرأ”، فتناول رسائل القديس بولس وفتحها اتفاقًا، فانقشع الضباب وتحوَّل.
عُيِّن أسقفًا مساعدًا في هيبون (عنابة) ثم أسقفًا لها حتى وفاته عام 430، يكتب ويعلِّم ويجادل، تاركًا للإنسانية أكثر من مائتي رسالة وخمسمائة موعظة ومائة وثلاثة عشر مقالًا، كلها باللغة اللاتينية، إذ جعل من لسان روما أداةً لعقل إفريقي يتأمل في الله والزمن والحرية.
يُعتبر أوغستين أحد آباء الكنيسة اللاتينية الأربعة، وكان له تأثير عميق في صياغة العقيدة المسيحية الغربية، إذ جمع بين العقلانية الفلسفية المتأثرة بأفلاطون وأفكار المسيحية، فصاغ رؤية لاهوتية وفلسفية شاملة ظلت مرجعًا لقرون طويلة.
ما يستحق التأمل أن الرجل الذي أرسى دعائم اللاهوت الغربي لم يكن رومانيًا ولا يونانيًا، بل كان ابن أمازيغية بكت عليه ثلاثين عامًا حتى عادت إليها بصيرته. يُلقَّب أوغستين “بابن الدموع” نسبةً إلى دموع أمه مونيكا التي ذرفتها طويلًا راجيةً عودته إلى الإيمان. ودموع أمٍّ أمازيغية على ابنها التائه هي دموع هذه الأرض نفسها على كل من ينسى طريقه ثم يعود.
ومات أوغستين وهو يسمع دقَّات الوندال على أسوار هيبون، فكان آخر ما سمعه في هذه الدنيا صوت الحضارة تتصدَّع، وآخر ما كتبه كان عن مدينة الله التي لا تنهار.
فارس دمشق: حين حمى المقاوم من كان يقاومهم
بعد أربعة عشر قرنًا على وفاة أوغستين في هيبو، وُلد عبد القادر في قرية قيطنة بولاية معسكر عام 1808 ابن لشيخ الطريقة القادرية الصوفية. درس في زاوية والده محيي الدين الحسني، فحفظ القرآن وتفسيره والحديث والمتون، ثم سافر إلى وهران حيث تعلَّم التاريخ والفلسفة والرياضيات والأدب العربي وعلم الفلك والطب، جامعًا بين العلم والفروسية منذ سنٍّ مبكرة.
حين وطئ الاحتلال الفرنسي أرض الجزائر صيف 1830، كان عبد القادر فتًى في الثانية والعشرين، لكنه حمل على عاتقه ما لم يطقه الرجال الكبار.
انضم إلى صفوف المقاومة وانخرط في مواجهة مفتوحة مع المستعمرين خمسة عشر عامًا، انتهت بأسره في فرنسا حتى عام 1852 حين أطلق نابليون الثالث سراحه.
خمسة عشر عامًا من الجهاد المسلَّح ضد العدوان جعلت منه رمزًا لا تمحوه الهزيمة، إذ الهزيمة العسكرية لا تمس الروح حين تكون الروح أصلب من الحديد.
في عام 1855 استقرَّ به المقام في دمشق، وفيها أخذ مكانةً بين الوجهاء والعلماء، وقام بالتدريس في المسجد الأموي، وتفرَّغ للعلم والتصوف والفلسفة والكتابة والشعر.
كان المنفى قد حوَّل المحارب إلى حكيم، والقائد إلى معلِّم، غير أن الحكيم لم يفقد شيئًا من بأس القائد حين أطلَّت الحاجة.
في صيف 1860 اشتعلت دمشق. اندلعت المذبحة في التاسع من جويلية وامتدت أسبوعًا كاملًا دون أن تحرِّك الدولة العثمانية ساكنًا، وهاجمت مجموعات من الغوغاء الأحياء المسيحية فدمَّرت الكنائس والقنصليات الأجنبية، وقُتل ما لا يقل عن خمسة آلاف مسيحي.
في تلك اللحظة الحاسمة التي تُقاس فيها سرائر الرجال، خرج عبد القادر.
وقف أمام الجموع الغاضبة التي وصلت إلى قصره شاهرًا سيفه وصائحًا: “أهكذا ترضون نبيكم محمد؟ لن تنالوا من مسيحيٍّ واحد هنا فجميعهم إخوتي.” سلَّح أكثر من ألف جندي من خيرة الشباب الجزائري لحماية المسيحيين، وأنقذ ما يقارب خمسة عشر ألف نسمة ووضعهم تحت حمايته في قصريه “دمر” المطلِّ على وادي بردى و”العمارة” القريب من الجامع الأموي.
المفارقة التي تكتب نفسها؛ رجل قاوم فرنسا خمسة عشر عامًا بالسيف والدم والجبال، هو نفسه الذي أنقذ رعايا أجانب كثيرون منهم فرنسيون.
لم يسأل عن جنسية من لجأ إليه، ولم ينظر إلى الماضي حين كان الحاضر يستدعي العدل. لم يمنعه الاختلاف الديني بينه وبين المسيحيين من إيوائهم حين استجاروا به، ولم يرَ في هذا الاختلاف سببًا لأن يوصد أبوابه في وجوههم.
في خريف 1861 وصل مندوب الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن إلى دمشق حاملًا مسدسين حربيين هديةً للأمير اعترافًا بدوره في حماية مسيحيي المدينة.
وكانت ملكة بريطانيا فيكتوريا قد سبقته بإرسال سيف مرصَّع، وقلَّده بابا الفاتيكان وسامًا، وحصل على وسام الشرف من إمبراطور فرنسا نابليون الثالث. الرجل الذي حارب فرنسا تلقَّى وسامًا من إمبراطورها. الرجل الذي جاهد في سبيل دينه حظي بتقدير الفاتيكان. التاريخ الحقيقي يُنتج هذه المفارقات الجميلة.
أرض واحدة، روحان، رسالة لا تنتهي
ما الذي يجمع أوغستين وعبد القادر سوى الأرض الجزائرية التي فجَّرت كليهما إلى العالم؟ كثير.
كلاهما ابتُلي بالاختلاف في عصره؛ أوغستين بين الوثنية والمسيحية والمانوية والأفلاطونية، وعبد القادر بين المقاومة والفلسفة والتصوف والسياسة. وكلاهما وجد في الروح سكنًا لا في السلطة. وكلاهما تجاوز في حياته ما كان يُتوقَّع منه، فالمحارب اختار الحكمة، والتائه اختار القداسة.
لكن الأهم من كل ذلك أنهما أقاما شاهدًا على أن هذه الأرض لم تُنتج أبطالًا محاربين فقط، بل أنتجت بنّائي المعنى الإنساني. أوغستين بنى المعنى بالكلمة، وعبد القادر بناه بالموقف. وكلا البناءين من أصلب ما عرفت الإنسانية.
حين يُقدَّر لبابا الفاتيكان أن يطأ عنابة، فهو لا يزور مدينة جزائرية وفقط، بل يُتمُّ حجًّا إلى بدايات تفكيره هو نفسه، لأن الرهبنة الأوغستينية التي ينتمي إليها ليون الرابع عشر قامت على كتب كُتبت على هذه الأرض.
وحين يتذكر العالم كيف أنقذ أمير جزائري آلاف المسيحيين في دمشق، فإنه يقرأ فصلًا من كتاب لم يكتبه المؤرخون بل كتبه الضمير.
الجزائر لا تُقدِّم نفسها اليوم بحاجة إلى شهادة أحد. هي من منح الفكر الغربي قديسَه الأكبر، ومن منح الإنسانية درسًا في التسامح حين كان العالم يحترق. بين أوغستين الذي وُلد هنا ومات هنا وعبد القادر الذي ولد هنا وجاهد هنا، تمتد جزائر لا تُقرأ في خطٍّ واحد، بل في طبقات متراكبة من المعنى والعمق، هي من يجعل هذه الزيارة البابوية حدثًا تاريخيًا لا مجرد مناسبة بروتوكولية.
وليس صدفةً أن الأرض التي أنجبت “مدينة الله” قد رسَّخت على أرض دمشق معنًى مختلفًا للمدينة؛ ليست تلك التي يحكمها الخوف، بل تلك التي يحميها الضمير.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة