●916 مليار دولار تعيد تعريف قوة الجزائر: قراءة استراتيجية في تصنيف صندوق النقد الدولي وفق تعادل القوة الشرائية
الجزائر الآن – في سياق التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، لم يعد قياس قوة الاقتصادات الوطنية محصوراً في الأرقام الاسمية المرتبطة بأسعار الصرف، بل باتت مؤشرات أكثر تركيباً، على غرار معيار تعادل القوة الشرائية (PPP)، تعكس بصورة أدق الحجم الحقيقي للنشاط الاقتصادي وقدرته الداخلية على توليد القيمة.
وفي هذا الإطار، يكتسي تصنيف صندوق النقد الدولي للاقتصاد الجزائري ضمن أكبر الاقتصادات العربية، بحجم يناهز 916 مليار دولار وفق هذا المعيار، دلالة تتجاوز البعد الرقمي، لتطرح تساؤلات حول طبيعة التحول الذي يشهده النموذج الاقتصادي الوطني، ومدى قدرته على إعادة التموقع ضمن التوازنات الإقليمية والدولية.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية إضافية بالنظر إلى تزامنها مع ديناميكيات داخلية، أبرزها تسارع نمو القطاعات غير النفطية، وإعادة هيكلة بعض المجالات الاستراتيجية، خاصة في قطاع المناجم، إلى جانب تحسن عدد من المؤشرات الكلية المرتبطة بالنمو، التضخم، والطلب الداخلي.
وفي هذا الصدد،يقدم الوزير المنتدب الأسبق المكلف بالإحصائيات والاستشراف ، ورئيس المؤسسة الجزائرية صناعة الغذ والخبير والمحلل الإقتصادي الدكتور بشير مصيطفى، قراءة أعمق لصحيفة “الجزائر الآن”ليس فقط عرضا للأرقام، بل كمحاولة لتفسير ملامح مرحلة اقتصادية جديدة تتشكل تدريجياً في الجزائر، في ظل رهانات تنويع مصادر الدخل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي
الدكتور بشير مصيطفى: يحلل الصعود الاقتصادي للجزائر: مؤشرات تعادل القوة الشرائية تكشف الحجم الحقيقي لثروة البلاد
في قراءة تحليلية دقيقة لأحدث تقارير الهيئات المالية الدولية، فكك الدكتور بشير مصيطفى، الوزير المنتدب الأسبق والخبير الاقتصادي، الأرقام الأخيرة الصادرة عن صندوق النقد الدولي، والتي وضعت الاقتصاد الجزائري في مراتب متقدمة إقليمياً وعربياً.
ومؤكدا بأن بلوغ الناتج المحلي الإجمالي للجزائر حاجز 916 مليار دولار وفق معيار “تعادل القوة الشرائية” (PPP) ليس مجرد رقم عابر، بل هو انعكاس لقوة الدينار الشرائية داخل السوق الوطنية بعيداً عن تقلبات أسعار الصرف الرسمية.
●صدارة إقليمية وحضور وازن في المنطقة العربية
أوضح رئيس المؤسسة الجزائرية صناعة الغذ بأن الجزائر، ومن خلال حجم إنتاج داخلي خام بلغ 287 مليار دولار في عام 2025 وفق قياس المحاسبة الوطنية، تمكنت من حجز مكانة ريادية؛ فهي تحتل اليوم المرتبة الأولى في منطقة شمال أفريقيا والثالثة قارياً، والرابعة عربياً.
واعتبر أن اقتراب هذا الرقم من عتبة تريليون دولار (بقياس القدرة الشرائية) يبرز “القوة الكامنة” للاقتصاد الجزائري، مشيراً إلى أن القيمة السوقية الحقيقية للدينار تمنح الاقتصاد الوطني وزناً يتجاوز بكثير الأرقام النقدية المجردة.
●استقرار الاقتصاد الكلي: أرقام البطالة والتضخم في منحى تنازلي
وبعيداً عن لغة النمو الخام، استدل الخبير الاقتصادي بجملة من المؤشرات التي تعزز هذا التصنيف الدولي، واصفاً إياها بدعائم الاستقرار الكلي:
معدل النمو: استقر عند 3.8%، وهو رقم يعكس حركية اقتصادية مستمرة.
التحكم في التضخم:نجاح الجزائر في كبح التضخم ليصل إلى 2.7% بنهاية 2025، ما ساهم مباشرة في حماية القدرة الشرائية.
المديونية الخارجية: تظل الجزائر من الدول القليلة التي تمتلك مديونية شبه منعدمة 0.8 مليار دولار، ما يمنحها سيادة كاملة في قرارها الاقتصادي.
سوق الشغل: تراجع نسبة البطالة إلى 9.7%بفضل المشاريع التنموية الكبرى.
● الفلاحة والمناجم.. القاطرة الجديدة للنمو خارج المحروقات
وفي تشخيصه للقطاعات التي صنعت الفارق، أكد مصيطفى أن الجزائر تشهد تحولاً هيكلياً؛ حيث أصبحت القطاعات خارج المحروقات مثل الفلاحة، المناجم، والأشغال العمومية الكبرى تنمو بوتيرة أسرع من قطاع الطاقة نفسه.
وأبرز أهمية التوجه الاستراتيجي نحو استغلال الثروات المنجمية، خاصة مع تصنيف الجزائر ضمن الدول العشر الأولى عالمياً في احتياطيات الذهب، الحديد، الزنك، والفوسفات، مشيراً إلى أن استحداث وزارة للمناجم والصناعات المنجمية مؤخراً هو خطوة عملية لتحويل هذه الاحتياطيات إلى ثروة نقدية وقيمة مضافة.
● عقود الغاز الجديدة وتحسن القدرة الشرائية للعائلات
أشار الخبير الإقتصادي إلى أن نظرة الهيئات الدولية الإيجابية للجزائر تستند إلى معطيات استشرافية متينة، لعل أبرزها:
1. تعافي الطلب الداخلي: توقعات بتحسن القدرة الشرائية للعائلات نتيجة سياسة رفع الأجور والتحكم في الأسعار، مما يحفز الاستثمار المحلي.
2. تعاظم المداخيل الطاقوية: زيادة احتياطي الصرف لدى بنك الجزائر مدفوعاً بعقود غازية طويلة المدى، خاصة مع توسع خط “ميدغاز” والتقدم المحرز في أنبوب الغاز العابر للصحراء الذي سيربط نيجيريا بأوروبا عبر الجزائر.
وخلص المحلل الاقتصادي إلى أن هذه العوامل مجتمعة تؤكد أن الجزائر بصدد بناء نموذج اقتصادي مستقر وقادر على المنافسة في الأسواق الدولية، مدعوماً ببنية تحتية قوية وموارد طبيعية بدأت تجد طريقها للتثمين الفعلي.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة