رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية الشيخ سفيان زيان مهاجري لـ”الجزائر الآن”: “زيارة البابا للجزائر.. حدث حضاري لا يُقرأ بعين واحدة”
الجزائرالٱن _ حين تطأ قدما بابا الفاتيكان أرض الجزائر للمرة الأولى في التاريخ، فإن الحدث يتجاوز بطبيعته حدود الطقوس الدبلوماسية وبروتوكولات الاستقبال، ليطرح أسئلة أعمق تمسّ هوية هذا البلد وموقعه من الحوار الحضاري الكبير.
بلد يحمل في ترابه إرث القديس أوغستين، ويرفع بيده راية الإسلام، ويحمل في ذاكرته درس الأمير عبد القادر في دمشق، وشجاعة بن غبريط في باريس، لا يمكنه أن يكون مجرد مضيف عابر لهذه الزيارة.
للوقوف عند أبعاد هذا الحدث دينيًا ودبلوماسيًا وحضاريًا، استضافت “الجزائر الآن” الشيخ سفيان زيان مهاجري، رئيس الهيئة الأوروبية للمراكز الإسلامية، الذي قرأ الزيارة بعين الفقيه المتزن والمفكر المنفتح، فميّز بين ما يثير الحساسية وما يستحق الاستثمار، وبين ما هو ثابت في الهوية وما هو قابل للحوار مع الآخر.
ـ الجزائر بلد مسلم مئة بالمئة، والبابا يزورها للمرة الأولى في التاريخ، هل هذا حدث ديني أم دبلوماسي، وكيف يجب أن نتعامل معه كمسلمين؟
ـ في مستهل هذا الحوار، يسعدني أن أعبّر عن تقديري لموقع “الجزائر الآن”، الذي نجح في ترسيخ حضوره كمنصة إعلامية رقمية جادة، تواكب القضايا الوطنية والدولية برؤية مهنية متزنة. بما يعكس مصداقية المنبر وقدرته على إدارة نقاشات عميقة ومسؤولة.
أما عن الزيارة، فهي في تقديري حدث مركّب لا يمكن حصره في بُعد واحد؛ إذ تتقاطع فيه الرمزية الدينية مع الدلالة الدبلوماسية، ضمن سياق أوسع يتعلق بالحوار بين الحضارات.
والجزائر، بهويتها الإسلامية الراسخة، لا تتعامل مع مثل هذه المحطات من موقع التردد، بل من موقع الثقة، وهو ما يفرض تعاطيًا راشدًا يقوم على الانفتاح الواعي دون تفريط في الثوابت، وعلى تقديم الإسلام بوصفه رسالة عالمية للسلام والعدل.
ـ الكنيسة لا تزال تعتبر التبشير جزءاً من رسالتها، هل في هذه الزيارة بُعد تبشيري ولو رمزي؟ خاصة أن هناك من يبدي تحفظا من الاحتفاء بزيارة البابا إلى بلد مسلم، وما موقفكم من هذه التحفظات؟
ـ صحيح أن التبشير جزء من المرجعية الكنسية، لكن من الضروري التمييز بين الإطار العقدي والإطار الدبلوماسي.
فالزيارات الرسمية من هذا المستوى تتم ضمن ضوابط واضحة تحكمها سيادة الدولة، ولا يمكن إسقاط التصورات النظرية عليها بشكل مباشر.
أما التحفظات، فهي تعبير مفهوم عن الحرص على الهوية، غير أنها تحتاج إلى قدر من الاتزان؛ لأن المجتمعات الواثقة من نفسها لا تخشى الحوار، بل تُحسن توجيهه وتُسهم في صياغته.
ـ البابا ليو الرابع عشر يعتبر القديس أوغستين معلمه الروحي الأول، وسيزور ضريحه في عنابة، كيف تنظرون إلى هذه الشخصية من زاوية إسلامية: هل هو “جزائري” بالمعنى الحضاري قبل الإسلام، أم أن المسلمين الجزائريين لا يعنيهم هذا الأمر؟
ـ القديس أوغستين هو جزء من الذاكرة الحضارية لهذه البلاد.
ونحن، من منظور إسلامي، لا نتعامل مع التاريخ بمنطق الإقصاء، بل بمنطق الاستيعاب الواعي؛ نُميّز بين العقيدة والتاريخ، ونقرأ الشخصيات في سياقها الحضاري، دون أن يترتب على ذلك أي لبس في الثوابت.
ـ القديس أوغستين هو رمز روحي مركزي للكاثوليكية العالمية، هل يمنح الجزائر هذا ورقة ناعمة في علاقاتها مع الغرب لم تُوظَّف بما يكفي حتى الآن؟
ـ نعم، يمكن لهذا الإرث أن يشكّل عنصر قوة ناعمة مهم.
فالجزائر تمتلك عمقًا حضاريًا يؤهلها لتكون نقطة التقاء بين الشرق والغرب، غير أن هذا الرصيد يحتاج إلى تفعيل استراتيجي يحوّله من مجرد ذاكرة تاريخية إلى حضور ثقافي مؤثر في المشهد الدولي.
ـ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيزور الفاتيكان، وحسب آخر الأخبار فإنه سيطلب من البابا التوسط عند الرئيس تبون لإطلاق سراح الصحافي الفرنسي المسجون بالجزائر، كيف ترى هذه الخطوة؟ وهل تتوقع استجابة من الرئيس الجزائري؟
ـ أي تحرك من هذا النوع، سواء عبر إيمانويل ماكرون أو غيره، يبقى محكومًا بمبدأ السيادة الوطنية.
فالجزائر دولة مؤسسات، وقضاؤها مستقل، ولا تُدار قضاياها الداخلية عبر وساطات خارجية، مع بقاء قنوات الحوار الدبلوماسي مفتوحة في إطار الاحترام المتبادل.
ـ ما الذي تأملون أن تُخرج به الجزائر من هذه الزيارة، على الصعيد الديني والدبلوماسي والرمزي؟
ـ نأمل أن تُشكّل هذه الزيارة محطة لتعزيز موقع الجزائر كفاعل حضاري متوازن، لكن الأهم هو أن نُحسن استحضار رصيدنا التاريخي ونحن ننخرط في هذا المسار.
فقد سطّر الأمير عبد القادر الجزائري في دمشق سنة 1860 واحدة من أعظم المواقف الإنسانية في التاريخ الحديث، حين اندلعت فتنة طائفية دامية، فهبّ لحماية آلاف المسيحيين، وفتح لهم بيته وأحياءه، وسخّر رجاله للدفاع عنهم، رافضًا تسليمهم للمعتدين.
وقد أنقذ ما بين عشرة آلاف إلى خمسة عشر ألف إنسان، في موقف تجاوز الانتماء الديني إلى أفق إنساني رحب، نال بسببه إشادة عالمية واسعة وتكريمًا من دول كبرى، ولا يزال يُستحضر إلى اليوم كنموذج رائد في حماية المدنيين وترسيخ قيم التعايش، ويُستدل به في الأدبيات الدولية كمرجعية أخلاقية في حماية الأقليات زمن الأزمات.
وامتدادًا لهذا النهج، قاد سي قدور بن غبريط خلال الحرب العالمية الثانية مبادرة إنسانية شجاعة من داخل مسجد باريس الكبير، تمكّن من خلالها من إنقاذ مئات اليهود – بتقديرات تصل إلى نحو 1600 شخص – عبر إيوائهم ومنحهم وثائق حالت دون اعتقالهم أو ترحيلهم، في مخاطرة جسيمة كانت عقوبتها الإعدام. ومن بين هؤلاء الفنان سليم الهلالي، في شهادة تاريخية موثقة أشار إليها المؤرخ بنيامين ستورا، بما يعكس عمق القيم الإسلامية في حماية الإنسان وصون كرامته، وتجسيدًا عمليًا لثقافة التعايش والسلم الأهلي.
وفي السياق المعاصر، يأتي هذا الامتداد في اللقاء الذي جمعنا بقداسة البابا البابا فرنسيس بتاريخ 8 ديسمبر 2023، حيث عبّرنا عن تقديرنا لجهوده في مواجهة الإسلاموفوبيا، ودعوته إلى تحقيق الهدنة في غزة، وسلّمناه رسالة إنسانية بشأن أطفال غزة، وهو ما تُرجم لاحقًا في مبادرة استقبالهم في الفاتيكان، رغم ما أثارته من ضغوط إعلامية، في مشهد يؤكد أن الضمير الإنساني لا يزال قادرًا على تجاوز الحسابات الضيقة.
إن هذه الاستمرارية – من الأمير عبد القادر إلى بن غبريط، ومن التاريخ إلى الحاضر – تؤكد أن الجزائر ليست مجرد طرف في الحوار، بل صاحبة رسالة حضارية متجذّرة في حماية الإنسان، وصون كرامته، وتعزيز التعايش بين الشعوب والحضارات.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة