لم تعد وهران، المدينة التي طالما تغنّى بها الجزائريون باعتبارها “الباهية”، مجرد حاضرة تاريخية أو ميناء اقتصادي مهم، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة نموذجًا حضريًا جديدًا يعكس تحوّلًا عميقًا في ملامح المدن الساحلية الجزائرية. فبين الكورنيشات الحديثة، والمقاهي المفتوحة على زرقة المتوسط، والفنادق التي ترتفع على طول الساحل، بدأت وهران تشبه بشكل لافت مدنًا إسبانية متوسطية مثل أليكانتي وملقا، سواء في الشكل أو في أسلوب الحياة.
هذا التحول لم يكن عابرًا، بل هو نتيجة مسار طويل من التهيئة العمرانية والاستثمار السياحي، رافقه تغيّر في الذوق العام ونمط العيش، ليصنع مدينة جديدة بروح متوسطية مشتركة.
من مدينة تاريخية إلى واجهة سياحية
عرفت وهران عبر تاريخها تأثيرات متعددة، من الأندلسيين إلى العثمانيين ثم الإسبان والفرنسيين، وهو ما منحها طابعًا معماريًا وثقافيًا متنوعًا. غير أن التحول الأبرز بدأ يتجسد بوضوح في العقد الأخير، حيث توجهت المدينة نحو إعادة اكتشاف علاقتها بالبحر، ليس فقط كمجال اقتصادي، بل كفضاء للعيش والترفيه.
الواجهة البحرية التي كانت في السابق محدودة الاستغلال، تحولت اليوم إلى نقطة جذب رئيسية، حيث تنتشر المطاعم والمقاهي، وتُهيأ الفضاءات للمشي والاستجمام، في مشهد يذكّر بزوايا عديدة من السواحل الإسبانية.
الفنادق… بوابة التحول
أحد أبرز ملامح هذا التشابه هو الطفرة الكبيرة في قطاع الفنادق. فقد شهدت وهران توسعًا ملحوظًا في عدد المنشآت الفندقية، خاصة تلك المصنفة ضمن الفئات العليا.
فنادق فاخرة بإطلالات مباشرة على البحر، وتصاميم عصرية، وخدمات سياحية متكاملة، أصبحت جزءًا من المشهد اليومي للمدينة. هذه الفنادق لم تعد تستهدف رجال الأعمال فقط، بل أصبحت تستقطب أيضًا السياح الباحثين عن تجربة متوسطية متكاملة، وهو ما جعل الإقامة في وهران أقرب إلى الإقامة في مدينة أوروبية ساحلية.
كما أن تنظيم تظاهرات دولية واحتضان فعاليات كبرى ساهم في تسريع هذا التوجه، ودفع نحو تحسين جودة الخدمات وتطوير البنية التحتية السياحية.
المقاهي والمطاعم… قلب الحياة الجديدة
إذا كان للفنادق دور في رسم ملامح التحول، فإن المقاهي والمطاعم كانت الروح التي أعطته الحياة.
في وهران اليوم، لم يعد الذهاب إلى المقهى مجرد عادة يومية، بل تجربة اجتماعية وثقافية. المقاهي المطلة على البحر، والكراسي المصطفة في الهواء الطلق، والأضواء التي تنعكس على الأمواج عند الغروب، كلها تفاصيل تجعل من المدينة فضاءً نابضًا بالحياة، يشبه إلى حد بعيد الأجواء الإسبانية.
أما المطاعم، فقد شهدت بدورها تنوعًا لافتًا، حيث لم تعد تقتصر على المطبخ المحلي، بل انفتحت على المطبخ المتوسطي والعالمي، من الأطباق البحرية إلى البيتزا والباستا، في انسجام يعكس روح الانفتاح التي تعيشها المدينة.
هذا التنوع خلق منافسة إيجابية، دفعت نحو تحسين الجودة والاهتمام بالتفاصيل، سواء في التقديم أو في تصميم الفضاءات.
الكورنيش… مسرح الحياة اليومية
الكورنيش الوهراني، الممتد على طول الساحل، أصبح اليوم أحد أبرز رموز هذا التحول.
ففي ساعات المساء، يتحول إلى مسرح مفتوح، حيث يلتقي السكان والزوار، بين نزهة عائلية وجلسة مع الأصدقاء أو حتى ممارسة الرياضة.
هذا الفضاء، الذي يجمع بين البساطة والتنظيم، يعكس بشكل واضح التأثير المتوسطي المشترك، حيث تصبح الحياة اليومية مرتبطة بالبحر، كما هو الحال في مدن إسبانية عديدة.
أسلوب الحياة… التحول الأعمق
ورغم أهمية البنية التحتية والمشاريع، فإن التحول الحقيقي في وهران يكمن في تغيّر أسلوب الحياة.
فقد أصبحت المدينة أكثر انفتاحًا على:
هذا التغير الاجتماعي هو ما يجعل التشابه مع السواحل الإسبانية يتجاوز الشكل، ليصل إلى الجوهر.
بين التشابه والخصوصية
ورغم هذا التقارب الواضح، فإن وهران لا تفقد هويتها.
فالمدينة لا تزال تحتفظ بخصوصيتها الجزائرية، سواء في موسيقى الراي التي تنبعث من الأزقة، أو في اللهجة المحلية، أو في الطابع الاجتماعي للعلاقات.
هذا المزج بين المحلي والمتوسطي هو ما يمنح وهران تميزها الحقيقي، ويجعلها ليست مجرد نسخة من مدن أخرى، بل تجربة فريدة بذاتها.
مستقبل مدينة متوسطية واعدة
كل المؤشرات توحي بأن وهران ماضية في هذا المسار، مع مشاريع جديدة تهدف إلى تعزيز مكانتها كقطب سياحي في غرب المتوسط.
وإذا استمر هذا النسق من التطوير، مع الحفاظ على الهوية المحلية، فقد تتحول وهران في المستقبل القريب إلى واحدة من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة، تنافس مدنًا متوسطية عريقة.
وهران اليوم ليست فقط مدينة جميلة، بل قصة تحول حضري واجتماعي.
مدينة أعادت اكتشاف بحرها، واستثمرت في فضاءاتها، ونجحت في خلق أسلوب حياة جديد يجعلها أقرب إلى السواحل الإسبانية، دون أن تتخلى عن روحها الجزائرية. إنها “الباهية” التي لم تعد فقط تُرى… بل تُعاش.
المصدر:
البلاد