آخر الأخبار

جميلة بوحيرد لا تُحاكَم في إدلب ولا في الرقة .. ولا في غيرهما

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

جميلة بوحيرد لا تُحاكَم في إدلب ولا في الرقة .. ولا في غيرهما

الجزائرالٱن _ ثمة لحظات يكشف فيها التاريخ عن عجزنا عن استيعابه. وما جرى في سوريا ـ مرتين، في إدلب ثم في الرقة ـ حين شُطب اسم جميلة بوحيرد عن واجهات المدارس، ليس حكماً على امرأة، بل هو حكم على أولئك الذين أصدروه. فالمرأة التي جلست على كرسي الإعدام في سجون الاحتلال الفرنسي وهي في العشرين من عمرها، لا يملك أحد ـ كائناً من كان ـ أن يُقاضيها أمام لجان مدرسية في شمال سوريا.

سابقة إدلب.. حين بدأ المسلسل

لم تكن الرقة البداية. ففي عام 2020، كانت إدلب قد فتحت هذا الملف حين قررت مديرية تربيتها استبدال اسم مدرسة “جميلة بوحيرد” باسم سورية قُتلت خلال المعارك. والحجة التي ساقها أصحاب المبادرة آنذاك كانت واحدة، وهي أنّ بوحيرد وقفت مع النظام السوري. وقد لقي القرار ترحيباً في أوساط بعينها، فأُغلق الملف، وظنّ أصحابه أنهم أحسنوا صنعاً. لكن ما بدأ في إدلب لم يتوقف عندها.

الرقة 2026.. حين أصبح المحو منهجاً

في مارس الماضي، أصدرت مديرية التربية والتعليم في محافظة الرقة قراراً يقضي بتغيير أسماء عشرات المدارس دفعةً واحدة، تحت شعار “تعزيز الهوية الوطنية وتجاوز آثار المرحلة السابقة”.

وضمّت القائمة اسم جميلة بوحيرد مع أسماء أخرى، لتحلّ محلّها أسماء دينية أو قيمية عامة. شملت القائمة استبدال أسماء رموز مرتبطة بحزب البعث والإدارة الذاتية، بالإضافة إلى شخصيات وطنية وعربية كصالح العلي والمناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد، بأسماء دينية أو قيمية من قبيل “الإمام الشافعي” و”المستقبل” و”المجد” وغيرها.

هنا لم يعد الأمر قراراً فردياً طارئاً كما في إدلب، بل تحوّل إلى منهج ممنهج وموجّه، تصدره وزارة وتنفّذه مديريات، وكأن محو الذاكرة المشتركة أصبح سياسة تعليمية رسمية.

وفي أول رد فعل مباشر، انتقدت الناشطة منى الدريج القرار، واصفةً إياه بـ”تجهيل وتفصيل للهوية على مقاس الحكم الجديد”، بدلاً من التركيز على النهضة التعليمية وتأهيل الأجيال، مستنكرةً شمول رموز وطنية كجميلة بوحيرد ضمن قرارات التغيير بوصفه “جهلاً تاريخياً فاضحاً”، ومتسائلةً ساخرةً: “هل يعتقدون أن جميلة بوحيرد كانت من شهداء حرب تشرين مع حافظ الأسد”

الجريمة التي لم تُرتكب

يقول المتحمسون لهذا القرار إن بوحيرد زارت بشار الأسد ودعمت نظامه، ويبنون على هذه التهمة حكماً نهائياً يمحو عقوداً من النضال. غير أن في هذه الرواية خللاً جوهرياً يُفسد المنطق برمّته، فالزيارة التي يستشهدون بها جرت عام 2009، أي قبل عامين كاملين مما أصبح يُعرف بالثورة السورية.

في عام 2009، لم يكن ثمة ثورة ولا مقاومة ولا جيش حر. كان بشار الأسد رئيساً تعترف به الأمم المتحدة وتستقبله عواصم أوروبا وتصافحه قيادات العرب والعجم. وكانت زيارة بوحيرد لدمشق دعوةً رسمية من دولة ذات سيادة معترف بها دولياً، تكريماً لمناضلة جزائرية من أبرز رموز الكفاح ضد الاستعمار. فأيّ ذنب في ذلك؟ وبأي ميزان يُحاسَب المرء على ماضٍ لم يقع بعد؟

إن كان معيار الإدانة هو التصافح مع الأسد عام 2009، فعلينا أن نُعيد محاكمة نصف قادة العالم الذين زاروا دمشق في تلك الحقبة، ونشطب أسماءهم من الشوارع والمطارات والمدارس. لكن الحقيقة أن المسألة ليست مبدأً، بل انتقائية تكشف عن خلل في التفكير قبل أن تكشف عن حكم أخلاقي.

من هي جميلة بوحيرد؟

قبل أن يتجرأ أحد على محو اسمها، يجدر أن يتذكر ما تعنيه. في عام 1957، حين كانت الجزائر تنزف تحت آلة الاستعمار الفرنسي، أُلقي القبض على شابة جزائرية لم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها، أُصيبت برصاص المستعمر قبل اعتقالها، وجُرّت أمام المحاكم العسكرية الفرنسية.

عُذِّبت، وصدر بحقها حكم بالإعدام. ولم يتراجع المحتل عن حكمه إلا حين ارتجّت له ضمائر أحرار العالم. أمضت خمس سنوات خلف القضبان لم تكسر فيها حرفاً واحداً. وحين خرجت عام 1962 مع استقلال الجزائر، كانت قد تحولت إلى رمز يتجاوز الجغرافيا، يعرفها الفلسطيني كما يعرفها المصري، والسوري قبل أن يُقرر أبناؤه شطب اسمها.

الهوية لا تُبنى بمحو الآخرين

المقلق في هذه الحادثة ليس قراراً إدارياً طائشاً وحسب، بل نمط تفكير أعمق يعتقد أن بناء هوية جديدة يستلزم هدم ذاكرة الأمس.

وقد لفت بعض المعلمين والمهتمين بالشأن التربوي إلى أن هذه التغييرات قد تنعكس سلباً على القطاع التعليمي من خلال التأثير على البيئة المدرسية وهوية المؤسسات التعليمية، وربما على مضمون العملية التربوية مستقبلاً، في حال رافقها تعديلات في المناهج أو أساليب التدريس، ما يُثير مخاوف من توجيه الفكر التعليمي نحو نمط محدد على حساب التنوع والانفتاح.

وقد لخّص أحد المعترضين الساخرين على قرار الرقة الجوهرَ حين قال: “بدلاً من صرف آلاف الدولارات على لوحات أسماء جديدة، اشترِ مقاعد للطلاب أو عيّن معلماً يُعيل أسرته. تغيير الاسم ليس إنجازاً، بل استخفاف.”

اسم “جميلة” أكبر من أن يُمحى

جميلة بوحيرد لا تحتاج إلى لوحة على جدار مدرسة كي تبقى حية. فهي حاضرة في حياتها، وستبقى كذلك بعد وفاتها، حاضرة في ذاكرة كل جزائري نشأ على حكايتها، وفي وجدان كل عربي لا يزال يؤمن بأن للكفاح ضد الاستعمار قيمة لا تنتهي صلاحيتها. اسمها محفور في التاريخ بعمق يعجز عنه أي قرار إداري مهما كانت صلاحيات من أصدره.

غير أن ما يستحق التأمل فعلاً هو ما تقوله هذه الحادثة عنّا نحن العرب، حين نتسابق إلى محاكمة رموزنا بأثر رجعي، ونُطبّق عليهم معايير لم تكن موجودة حين تصرفوا، ونُسقط من ذاكرتنا كل ما يُعقّد روايتنا المُبسَّطة عن الخير والشر. هذا ليس وعياً تاريخياً، بل انتقائية تخدم اللحظة السياسية لا الحقيقة.

وفي النهاية، ثمة فارق جوهري بين من يبني مستقبله ومن يشغل وقته بمحاكمة الماضين. جميلة بوحيرد، التي جلست أمام المقصلة ولم ترمش، لن يُصغّرها اسم يُشطب من لوحة خشبية في الرقة. لكنّ من أصدر ذلك القرار قد جعل نفسه صغيرا أمام التاريخ برمّته.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا