آخر الأخبار

أوروبا تسعى لفك الارتباط مع واشنطن.. ما دور الجزائر؟

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

أوروبا تسعى لفك الارتباط مع واشنطن.. ما دور الجزائر؟

الجزائرالٱن _ لم تعد العلاقة الأطلسية تسير على ما كانت عليه. شيء ما تصدّع في البنية التحتية للثقة بين القارة الأوروبية وحليفتها الأمريكية، وباتت عواصم أوروبية عديدة تتحسس طريقها نحو استقلال استراتيجي لم تجرؤ على المجاهرة به لعقود. في هذا المشهد المتحول، تبرز الجزائر وراء الضجيج الدبلوماسي لاعبةً أساسية في خريطة تعيد أوروبا رسمها بعيداً عن واشنطن.

حين تصبح التهديدات مفتاح التغيير

منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض، والتوتر يعلو في العلاقة الأوروبية الأمريكية؛ فتهديداته المتكررة لحلفاء الناتو بوقف الحماية الأمنية ما لم يرفعوا إنفاقهم الدفاعي عمّقت الشكوك حول استمرارية الالتزام الأمريكي، ودفعت الأوروبيين إلى التفكير بجدية في بناء منظومة دفاعية أكثر استقلالاً.

مصدر الصورة

ولم تكن قضية غرينلاند بعيدة عن هذا السياق، إذ قرأ فيها الأوروبيون نزعة توسعية لا تشبه خطاب الحلفاء، بل تستحضر منطق الأقوياء في معاملة الضعفاء.

وفي هذا الإطار، رصد المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات جملةً من المؤشرات الدالة على أن القارة تسير بخطى متسارعة نحو الاستقلال الاستراتيجي، إذ باتت حكومات القارة وشركاتها تتسابق على تقليص اعتمادها على التكنولوجيا الأمريكية والمعدات العسكرية وموارد الطاقة القادمة من الضفة الغربية للأطلسي.

وعاد في هذا السياق مفهوم الاستقلال الاستراتيجي إلى الواجهة بوصفه ضرورة لا خياراً نظرياً، يشمل تنويع مصادر الطاقة وصياغة سياسة خارجية أكثر استقلالية، غير أن هذا المسار لا يزال يواجه تحديات جوهرية أبرزها الانقسامات الداخلية الأوروبية واستمرار الارتهان للناتو.

الطاقة.. حيث تتكشف الهشاشة الحقيقية

في صلب المعادلة الأوروبية يقبع ملف الطاقة، وهو ما يكشف حدّة الهشاشة الحقيقية للقارة.

فبعد أن أدركت أوروبا أن الاعتماد على موردين اثنين فقط يشكل خطراً استراتيجياً على أمنها الطاقوي، وبعد أن لجأت إلى الجزائر للتعويض عن الغاز الروسي إثر غزو أوكرانيا عام 2022، باتت تطبّق المنطق ذاته على النفط، منوّعةً مورّديها بعيداً عن منطقة الشرق الأوسط المضطربة.

مصدر الصورة

وقد جاءت الأرقام لتعكس هذا التوجه؛ إذ واصلت الجزائر تسجيل نمو متصاعد في صادراتها من الغاز الطبيعي المسال، حيث ارتفعت الشحنات في مارس 2026 بنسبة تجاوزت الأربعين بالمئة مقارنةً بالشهر السابق، في ظل تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط التي عزّزت الدور الاستراتيجي للجزائر بوصفها مصدراً موثوقاً للطاقة.

وكان مفوض الطاقة في الاتحاد الأوروبي قد نبّه صراحةً إلى أن تصريحات ترامب بشأن غرينلاند تمثل جرس إنذار لبروكسل، مؤكداً أنه لم يعد بالإمكان النظر إلى الطاقة بمعزل عن التوجهات الجيوسياسية، وأن المفوضية تعمل على تعميق المحادثات مع الجزائر وقطر وكندا بوصفهم موردين بديلين.

الجزائر .. من مورد إلى محور

ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد صفقات غاز. فالجزائر لا تقف أمام فرصة اقتصادية عابرة، بل أمام لحظة تاريخية تلاقت فيها عوامل داخلية كالموارد الضخمة والموقع الجغرافي المتميز، مع ظروف دولية مواتية تتمثل في أزمة الطاقة وإعادة تموضع أوروبا.

مصدر الصورة

ولعل أبرز تحول نوعي في هذا المسار هو مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي لن يجعل الجزائر مجرد مُصدر للطاقة، بل سيحولها إلى محور عبور استراتيجي يربط موارد غرب إفريقيا بالأسواق الأوروبية.

وتمتد الشراكة إلى أفق أبعد؛ إذ تشمل مشاريع الهيدروجين الأخضر، في إطار استراتيجية تضع الجزائر في موقع تأمين عشرة بالمئة من احتياجات القارة من الهيدروجين في آفاق عام 2040، ونقله عبر الممر الجنوبي الرابط بين الجزائر وتونس والنمسا وإيطاليا.

موجة زيارات لا تُخطئ القراءة

المؤشر الأوضح على الرهان الأوروبي المتنامي على الجزائر هو حركة الدبلوماسيين أنفسهم. روما جاءت تطلب إمدادات غاز إضافية.

مدريد أرسلت وزير خارجيتها لتعميق الحوار مع نظيره الجزائري. بلغراد حلّت بوفد رفيع في خضم مرحلة تبحث فيها عن موطئ قدم بعيداً عن التبعيات التقليدية.

وبروكسل تُعيد الحديث عن محطة الغاز المسال في زيبروغ حلقةً في سلسلة شراكة تستحق أن ترقى إلى مستواها الحقيقي.

وهو ما يعكس حساباً استراتيجياً دقيقاً؛ فالقرب الجغرافي يُقلل من مخاطر النقل، والاستقرار النسبي للمشهد السياسي الجزائري يمنح أوروبا شريكاً موثوقاً، فيما تمتلك الجزائر احتياطيات ضخمة لم تُستغل بعد، مما يفتح أمامها إمكانية مضاعفة الصادرات في المدى المنظور.

خريطة تُعاد رسمها

لا تعكس الأزمة الحالية في العلاقة الأطلسية مجرد خلاف ظرفي، بل تشير إلى تحول أعمق في طبيعة هذه العلاقة؛ فالقارة الأوروبية تنتقل تدريجياً من التبعية الاستراتيجية نحو موقع أكثر استقلالاً.

في هذا السياق بالذات تجد الجزائر نفسها في موقع لم تكن لتبلغه لولا صلابة مواقفها وثبات خياراتها السيادية على امتداد عقود. هي لا تنتظر مَنّ أحد، لكنها تُجيب حين يُطرق بابها، من موقع من يعرف قيمة ما يملك.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا