آخر الأخبار

تصافح في التلفزيون وتطعن في الإذاعة: باريس تُبرهن مجدداً أنها شريك لا يُؤتمن

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

تصافح في التلفزيون وتطعن في الإذاعة: باريس تُبرهن مجدداً أنها شريك لا يُؤتمن

الجزائرالٱن _ لم يكن أمس الجمعة يوماً عادياً في مسار العلاقات الجزائرية الفرنسية، بل كان يوماً كشف بجلاء ما تحاول باريس إخفاءه خلف خطاب التهدئة الدبلوماسية، فهي دولة تتكلم بصوتين متناقضين، ولا تعرف أيهما يعبِّر عنها حقاً.

ففي الوقت الذي كان فيه وزير الداخلية لوران نونيز يُطلّ على المشاهدين عبر قناة «بي إف إم تي في» ليُبشِّر باستئناف التعاون مع الجزائر في الأمن والقضاء والهجرة، كان وكيل النيابة لدى القطب الوطني لمكافحة الإرهاب أوليفيي كريستن يُدلي لإذاعة «فرانس أنفو» بما هو أشد وطأة، إذ كشف عن ثماني قضايا مفتوحة لدى النيابة الوطنية المتخصصة، قال إنها تتعلق بما وصفه بـ«إرهاب الدولة»، مُدرِجاً الجزائر إلى جانب روسيا وإيران، وموضحاً أن خمساً من هذه القضايا «ترتبط أساساً بروسيا والجزائر». وزاد كريستن أن هذه الدول «لا تُنفِّذ بالضرورة عمليات مباشرة ضد المواطنين الفرنسيين، بل تستهدف معارضيها الموجودين على أراضيها»، في توصيف يحمل من الثقل القانوني والسياسي ما يكفي لتفجير أي مسار تقارب.

دولة تتحدث بأكثر من لسان

السؤال الذي تطرحه هذه الفضيحة ليس عن الجزائر، بل عن فرنسا نفسها، من يقرر فيها؟ هل يُعبِّر عنها الوزير الذي يمد يد التعاون، أم القاضي الذي يُشهر ملفات الاتهام؟ هل السياسة الخارجية الفرنسية تجاه الجزائر تُصاغ في «الإليزي» وأروقة الحكومة، أم في مكاتب القطب القضائي المتخصص؟

هذا التناقض ليس وليد يوم واحد، فتاريخ العلاقة بين البلدين مليء بلحظات شبيهة، حيث تُطلق الحكومة الفرنسية إشارات انفراج لا تلبث أن تُجهضها جهات أخرى داخل المنظومة الفرنسية ذاتها، سواء أكانت قضائية أم استخباراتية أم إعلامية. وفي كل مرة يقترب فيها البلدان من تسوية خلاف، يطفو ما يُعيدهما إلى نقطة الصفر، في توقيت يبدو مُحكَماً أكثر مما يبدو مصادفة.

التهدئة كذبة متكررة

نونيز أعلن بثقة أن زيارته للجزائر في فيفري الماضي أثمرت، وأن العلاقة دخلت مرحلة جديدة. لكن ما معنى هذا الإعلان إذا كان القضاء الفرنسي يسير في الاتجاه المعاكس تماماً؟ وما قيمة التنسيق الأمني الذي يتحدث عنه الوزير إذا كان مدعٍ عام يُدرج الجزائر في اليوم ذاته ضمن تحقيقات من أثقل ما يُوجَّه إلى الدول ذات السيادة؟

الأخطر من التصريح في حد ذاته هو ما يكشفه عن عمق الارتباك الفرنسي. فباريس التي تخسر نفوذها في إفريقيا، وتتراجع أمام شركاء الجزائر الجدد من إيطاليا إلى إسبانيا فالبرتغال وصولاً إلى دول البلقان، باتت تُدرك أن الجزائر لم تعد المحطة الاستعمارية القديمة التي تتحكم في إيقاعها.

ومع ذلك، لا تزال جهات داخل دولتها العميقة تتصرف بعقلية لم تُغادر القرن الماضي.

شرخ لا يُخفيه الدبلوماسيون

ما جرى الجمعة الماضي لم يكن زلة لسان ولا سوء تقدير من مسؤول قضائي، بل هو تعبير صريح عن شرخ بنيوي داخل الدولة الفرنسية، شرخ بين من يرى أن المصلحة الفرنسية تقتضي التعامل مع الجزائر بوصفها شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه، وبين من لا يزال يتعامل معها بأدوات الضغط والاتهام والاستهداف.

وتصريحات كريستن ليست معزولة عن هذا السياق، فهي تأتي في خضم جدل متصاعد داخل فرنسا حول ملفات بعينها، وفي لحظة يبدو فيها القضاء الفرنسي أكثر استعداداً من الحكومة لرفع منسوب التوتر مع الجزائر.

الجزائر التزمت الصمت، لكنه صمت من يعرف جيداً كيف يقرأ ما بين السطور. فالرسالة الفرنسية وصلت كاملة، ومفادها أن باريس لم تحسم بعد خيارها، هل تريد شريكاً أم خصماً؟ وما دامت هذه المعادلة معلقة، فإن كل إعلان تقارب لن يكون أكثر من حبر على ورق.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا