●الجزائر وصربيا تؤسسان لمرحلة جديدة من الشراكة الاقتصادية متعددة الأبعاد
الجزائر الآن -في خطوة تعكس تحوّلاً نوعياً في مسار العلاقات الثنائية، أشرف الوزير الأول، سيفي غريب، رفقة نظيره الصربي جورو ماتسوت، اليوم الثلاثاء بالعاصمة، على مراسم توقيع حزمة من اتفاقيات التعاون الاستراتيجية، بما يؤشر على إرادة سياسية مشتركة للانتقال بالعلاقات الجزائرية–الصربية من بعدها التاريخي إلى شراكة اقتصادية مهيكلة وقابلة للنمو.
●اتفاقيات متعددة القطاعات لترسيخ التعاون الهيكلي
وشملت الاتفاقيات الموقعة مجالات حيوية ذات بعد تنموي واستراتيجي، على غرار المالية، والبريد والمواصلات السلكية واللاسلكية، إلى جانب الثقافة والسياحة.
وتندرج هذه الخطوة ضمن مسعى مشترك لإرساء أرضية قانونية وتنظيمية مرنة تسمح بتكثيف تبادل الخبرات، وتشجيع الاستثمارات، وإطلاق مشاريع مشتركة ذات قيمة مضافة.
●محور الجزائر-بلغراد”: قراءة في أبعاد زيارة الوزير الأول الصربي ودلالات التحول في العلاقات مع أوروبا
يرى المختصين للشأن الإستراتيجي والديبلوماسي بأن الزيارة الرسمية التي يقوم بها اليوم الوزير الأول الصربي، جورو ماتسوت، إلى الجزائر،تعد محطة فارقة تتجاوز في دلالاتها الأطر البروتوكولية، لتؤسس لمرحلة جديدة من “الندية السيادية” والتعاون الاستراتيجي المبني على إرث تاريخي مشترك ورهانات جيوسياسية معقدة.
●الوزير الأول: الإرث التاريخي رافعة لشراكة اقتصادية حديثة
وفي كلمته بالمناسبة، شدد الوزير الأول على أن العلاقات الجزائرية–الصربية تستند إلى رصيد تاريخي متين، مستحضراً مواقف يوغوسلافيا السابقة الداعمة لثورة التحرير الجزائرية، وهو ما يمنح العلاقات الثنائية بعداً سياسياً وأخلاقياً يعزز فرص تطويرها في السياق الدولي الراهن.
●اسماعيل خلف الله:عمق تاريخي وجذور في “عدم الانحياز”
وفي ذات السياق فقد أكد الأكاديمي والمحلل الاستراتيجي إسماعيل خلف الله في قراءة تحليلية لـ “الجزائر الآن”، بأن قوة العلاقات الجزائرية – الصربية الحالية تستمد زخمها من ثبات المواقف الدبلوماسية التاريخية.
فالعلاقة بين الجزائر وجمهورية يوغوسلافيا سابقاً (صربيا حالياً) تجذرت من خلال نضال مشترك داخل حركة عدم الانحياز ودعم قضايا تحرر الشعوب.
مبرزا بأن هذا الرصيد التاريخي يمثل اليوم “القاعدة الصلبة” التي ينطلق منها البلدان لترسيخ سيادتهما في عالم متعدد الأقطاب.
●نموذج شراكة جديد: التحرر من قيود “الاتفاق الأوروبي”
من جانب آخر، يرى المحلل الاستراتيجي إسماعيل خلف الله بأن “محور الجزائر-بلغراد” يمثل البداية الفعلية لإعادة صياغة علاقات الجزائر مع القارة العجوز.
ويركز هذا التوجه على التخلص التدريجي من بنود إتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي التي وُصفت بالمجحفة والماسة بالسيادة الوطنية.
وتسعى الجزائر من خلال تعزيز الاتفاقيات الثنائية مع شركاء مثل صربيا إلى:
● حماية النسيج الصناعي الوطني: بعيداً عن الشروط القاسية للاتفاقيات الجماعية.
● تكريس السيادة الوطنية: بجعل المصلحة العليا للبلاد فوق كل اعتبار في التبادل التجاري.
● الندية في التعامل: بناء تحالفات قائمة على تبادل المنافع والخبرات في قطاعات حيوية كالمالية، الفلاحة، والرقمنة.
●آفاق واعدة وتموضع استراتيجي
إن الانتعاشة المتوقعة في العلاقات بين الجزائر وبلغراد، المدعومة بالتوقيع على حزمة من الاتفاقيات القطاعية، تفتح الباب أمام الجزائر لتنويع شركائها الدوليين.
هذا التموضع الجديد يمنح الدبلوماسية الجزائرية أوراق ضغط قوية في أي مفاوضات مستقبلية مع التكتلات الكبرى، مستندة إلى استقرارها الداخلي، ثقلها الطاقوي، ووضوح رؤيتها الاستراتيجية.
●حوار سياسي واقتصادي لتعزيز الاندماج الثنائي
وقبيل مراسم التوقيع، أجرى الطرفان محادثات ثنائية معمقة بمقر الحكومة، أعقبتها جلسة عمل موسعة ضمّت وفدي البلدين، تم خلالها تقييم واقع التعاون واستشراف آفاق تطويره.
وتركّزت النقاشات حول آليات رفع حجم المبادلات التجارية، التي لا تزال دون مستوى الإمكانات الاقتصادية المتاحة، مع التأكيد على أهمية تفعيل قنوات التواصل بين الفاعلين الاقتصاديين.
●الجزائر.. صمام أمان الطاقة في ظل الأزمات الدولية
وفي نفس الموقف فقد أوضح خلف الله أن التوترات الراهنة، لاسيما في مضيق هرمز وتداعيات الصراعات الدولية، جعلت من الجزائر “الرقم الصعب” والموثوق في معادلة الطاقة الأوروبية.
ففي الوقت الذي تشهد فيه إمدادات الطاقة العالمية اضطراباً، تبرز الجزائر كخزان حيوي ومستقر، مما يعزز من مكانتها كقطب استقرار إقليمي وشريك استراتيجي لا يمكن تجاوزه في تأمين الأسواق الدولية.
●الجزائر – بلغراد ديناميكية استثمارية جديدة قائمة على المصالح المتبادلة
ركزت المحادثات الجزائرية – الصربية على ضرورة إرساء ديناميكية جديدة للشراكة الاقتصادية، تقوم على تشجيع الاستثمارات البينية، خاصة في القطاعات المنتجة والقادرة على خلق الثروة.
كما شددا على أهمية مرافقة المشاريع المتفق عليها ميدانياً، بما يضمن الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى مرحلة الإنجاز الفعلي.
●انتقادات ضمنية لضعف المبادلات ودعوة لتدارك الفجوة
وبمقاربة واقعية، أقرّ الوزير الأول سيفي غريب بأن مستوى المبادلات التجارية الحالية لا يعكس الإمكانيات الحقيقية للبلدين، داعياً رجال الأعمال الصرب إلى استكشاف الفرص التي يتيحها السوق الجزائري، خاصة في ظل الإصلاحات الاقتصادية التي باشرتها السلطات العمومية لتحسين مناخ الاستثمار.
●منظومة قانونية جديدة لجذب الاستثمار الأجنبي
وسلط سيفي غريب الضوء على الإطار التشريعي الجديد، وفي مقدمته قانون الاستثمار لسنة 2022، الذي يوفر ضمانات قانونية ومزايا تحفيزية للمستثمرين، مدعوماً بجملة من النصوص المتعلقة بالنقد والصرف والعقار الاقتصادي.
وأكد أن هذه المنظومة تسعى إلى تبسيط الإجراءات وتعزيز الشفافية، بما يجعل الجزائر وجهة استثمارية تنافسية على المستوى الإقليمي.
●موقع استراتيجي يفتح بوابة نحو إفريقيا
وفي سياق متصل، أبرز الوزير الأول الأهمية الجيو-اقتصادية للجزائر، باعتبارها بوابة نحو الأسواق الإفريقية، خاصة في ظل انخراطها في منطقة التبادل الحر القارية، ما يمنح الشركاء الصرب فرصاً واعدة للتوسع في القارة.
●تقارب سياسي حول قضايا الاستقرار الدولي
وعلى الصعيد السياسي، سجل الطرفان تقارباً لافتاً في الرؤى بشأن القضايا الدولية، مع التشديد على ضرورة احترام مبادئ الشرعية الدولية وتعزيز التنسيق داخل المحافل متعددة الأطراف، بما يسهم في دعم السلم والأمن الدوليين في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة.
يرى المختصين لتطورات العلاقات الثنائية محور الجزائر-بلغراد بأن هذه الزيارة الرسمية للوزير الأول الصربي تعكس تحوّلاً في طبيعة العلاقات الثنائية من مستوى التضامن التاريخي إلى منطق الشراكة البراغماتية القائمة على المصالح الاقتصادية.
غير أن نجاح هذه الديناميكية يبقى رهيناً بمدى قدرة الطرفين على ترجمة الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة، وتفعيل قنوات التمويل والاستثمار، بما يضمن تحقيق أثر اقتصادي مستدام.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة