باشر رئيس الغرفة الجزائية الأولى لدى مجلس قضاء الجزائر، في محاكمة أكثر من 50 متهما، إطارات وموظفين سابقين بوزارة الثقافة، أغلبهم مدراء بالديوان الوطني لحقوق المؤلف وأيضا مديرين بالديوان الوطني للثقافة والإعلام.
وبرمجت المحاكمة على خلفية ضلوعهم في وقائع فساد إرتكبها المتهمون خلال الفترة الممتدة بين 2007 و2013، أثناء تنظيم خمس تظاهرات ثقافية كبرى بالجزائر في الفترة التي كانت فيها خليدة تومي على رأس قطاع الثقافة.
لتضع جزءا من ميزانية الديوان الوطني لحقوق المؤلف، قدرت بـ1 مليار و892 مليون سنتيم تحت تصّرفها بقرار وزاري مشترك مع وزير المالية، مخالفة بذلك لقانون تنظيم الصفقات العمومية.
وخلال نفس الفترة أصدرت الوزيرة بنفسها ” 15 مقرّرا منه مقرر رقم 62 سنة 2007، لأجل سحب الأموال والتصرّف فيها لفائدة التظاهرة الثقافية، كما صرفت 20 بالمائة سنة 2006 ضمن تحضيرات الإفتتاح فقط.
بينما تمّت صفقات أخرى بالتراضي البسيط، على سبيل الإستعجال، لاقتراب موعد افتتاح التظاهرة وعدم اكتمال الأشغال- حسب تبريرات بعض المتهمين- كما تمّ الوقوف على تجاوزات خطيرة تمّ بموجبها اختيار مورّدين مؤسسات خاصة وفنادق ومطاعم فاخرة دون اللجوء إلى لجنة اختيار العروض.
لتكون حصة الأسد لهم في صرف الأموال، والتفرّد بالمشاريع، مثل المورّدة ” ب.فايزة” لجلب المعدّات التقنية، و” المورّد ” عمر.ز”، و” ل.العربي” والمورّد “أ.عثمان” بضفته المورّد الوحيد لكراء السيارات، بينما تفرّد مطعم جرجرة وفندق الأورية الذهبية وفندق في إطعام الوافدين العرب والأجانب وإيوائهم.
وفي ملف الحال مثل أمام القضاء 22 متهما، أشرفوا على تنظيم وتسيير التظاهرات الثقافية بالعاصمة، بينما تغيب بعضهم عن الجلسة، ومن ضمن المسؤولين البارزين مدير الإستشراف ومدير الوكالة للأشغال الكبرى المتهم ” عبد الحميد سراي” والمتهم ” ت.لخضر” المدير العام للديوان الوطني للثقافة والإعلام، إلى جانب مدير ديوان رياض الفتح سابقا المتهم المدعو ” فلاحي لخضر” وزميله مدير عام بالنيابة المتهم المدعو “ق. عمر” إلى جانب مدير الديوان الوطني لحقوق المؤلّف ” ت.حكيم” والمسؤولة عن المحاسبة وقتها بالديوان الوطني للثقافة والإعلام المسماة ” ب.حورية” والمدعو ” ت.طارق” مدير الإدارة العامة بنفس الديوان، والموظف بمصلحة الوسائل مكلف بالدراسة العامة، المتهم المدعو” م.عبد الحميد”.
وبموجبه تمّ متابعة المتهمين جميعهم بتهم تضمّنها قانون مكافحة الفساد منها جنحة إبرام صفقة مخالفة للأحكام التشريعية والتنظيمية بغرض منح إمتيازات غير مبرّرة وإساءة إستغلال الوظيفة.
” تقارير مالية تكشف المستور”
وكشفت تقارير مالية وردت مكتب قاضي التحقيق بمحكمة سيدي امحمد، عن فائض مالي قدّر حسب الخبرة ب 1 مليون و165 ألف دج، لم يقم المسؤولين بالوزارة بتحويله إلى حساب الخزينة العمومية، رُغم أن قسط من الميزانية تم صرفها خارج حساب وزارة الثقافة.
مثل الأموال التي صُرفت من الديوان الوطني لحقوق المؤلف بتعليمة من الوزيرة ” تومي”، بصفتها لها الحق في تجاوز المراقب المالي.
هذه التعليمة التي كانت خارج اجتماع مجلس الإدارة، مما استنزف أموال الخزينة، كون الميزانية تلك خصصتها الدولة لطباعة الكتب، وهي الجزئية التي جعلت المسؤولة الأولى عن القطاع محلّ إدانة.
“تصريحات المتهمين بين الإعتراف والإنكار”
حيث كشفت مجريات المحاكمة تفاصيل جديدة، فصح عنها المتهمون أثناء استجوابهم، منها تصريحات المتهم “ت.حكيم” مدير ديوان حقوق المؤلف أن الفواتير التي خرجت من مكتبه تمّت بتفويض من الوزارة، كاشفا أن الميزانية المقدرة ب 1 مليار و892 مليون دج، تدخل ضمن برنامج ميزانية الديوان، لطباعة الكتب، حيث أقر معلقا ” كنّا نُخلصو من ميزانيتنا للحضور في الموعد..”.
موضحا أن المبلغ حُوّل تدريجيا،على 3 أقساط، دون عقد مجلس الإدارة، بل تمّ بتعليمية كتابية من الوزيرة ” تومي” قبل أن يواجهه القاضي بالحقائق التي أثبتتها الخبرة والتي أكدت أنه ما كان للوزيرة أن تتصرّف في الأموال إطلاقا.
بينما أقرّ المتهم “ب. ت.لخضر” المدير العام للديوان الوطني للثقافة والإعلام أنه كان يتصرّف في الإقتطاعات المالية، كونه له حق التصرف في الجانب التقني والثقافي لأي تظاهرة، وخلالها لم تكن الإقتطاعات محددة، بسبب صعوبة الفوترة قبل ايواء واطعام الوفود، لتباين العدد.
وأضاف المتهم أن الفائض المالي قدر بحوال 9 ملايير ،منها تكاليف الخيمة العملاقة، لكن لم يتم إرجاعه للخزينة بل بقي لفائدة الديوان، موضحا أن الفنانة لطيفة العرفاوي تقاضت الأموال متأخرة بسبب مشاكل في البنك.
وبالمقابل أنكر المتهم ” ب.وحيد” رئيس الإدارة بالدويوان الوطني للثقافة والإعلام من 1999إلى 2007، التهم المتابع بها، وصرح للمجلس أنه كان مكلفا بفحص التجهيزات التقنية والتأكد من مدى ملائمتها، مثل الصوت والإضاءة، ولم تكن له يد في اختيار المورّدين كما ورد في الخبرة المالية، وقال المتهم أنه مارس مهامه في اطار البرنامج الثقافي المسطّر،معلقا بالقول ” لدينا الخبرة لكن التجهيزات كانت تنقصنا بكثير”.
مواصلا أنه تم إيجار العتاد التقني من بعض الموردين وفق سجل تجاري، وعقد إيجار دون أن يذكر القيمة المالية، وقال أنه حرر الفواتير المالية وأمضاها تحت مراقبة المتصرف الإداري المتهم ” م.مصطفى” هذا الأخير اعترف أنه حرر فاتورتين اثنتين بمبالغ قدرت ب 5 ملايين دج و8 ملايين دج وتم تحريرها مجزّأة ضمن النشاط الثاني للأسبوع الثقافي.
وخلالها ذكّر القاضي أن التجاوز الذي ارتكبه كلا المتهمين هو المصادقة على الفواتير بتفويض من ” خليدة تومي” بعد رفضها من طرف المراقب المالي قبلا.
من جهته نفى المتهم “فلاحي لخضر” مدير ديوان رياض الفتح سابقا التهم المنسوبة إليه، وصرّح أن المتهم “ت.عبد الحميد” كان يعمل معه كمدير إدارة وهو مستكلف بالإتصال، وبخصوص 5563 ألف دج، تمّ صرفه بأمر من الوزيرة بعد فتح حساب خاص للتظاهرة،حيث تم تغطية هذا المبلغ من حساب التظاهرة، وأن محافظ الحسابات لم يطلّع وقتها على الفواتير، معلقا ” الوزيرة تجاوزت هذا الشخص” ، نافيا في نفس الوقت ما جاء في تقرير الخبرة المالية أن المبلغ صُرف من حساب الديوان.
وقال المتهم أنه طلب من خليدة تومي أن تتقدم بطلب من الوزير الأول أنذاك، مقدما المتهم وثيقة للمجلس تثبت صحة أقواله.
كما أوضح أن الوزيرة أصدرت 13 مقررا أوله في شهر جويلية 2007، وأن المبالغ كلها سحبت من البنك وفق ميزانية محددة.
أما المتهم “سراي عبد الحميد” فنفى الإتهامات الموجهة إليه وأكد أنه كان مكلف بطابع الإستعجال، وأنهم باشروا الأشغال بمبنى متحف الفنون بطلب من الوزيرة، مستندا إلى رسالة وردت مصالحهم من وزارة المالية وقتها، معلقا أن المشروع كان متأخرا جدا ب12 شهرا، حيث مان من المفترض أن تكتمل اشغال ترميم البناية في أوائل 2007.
موضحا أن الإعتماد المالي ورد متأخرا بعد سنيتن، الأمر الذي جعلهم يباشرون الأشغال دون اعتماد مالي، حيث تسلمت المشروع شركة صينية وشركة فرنسية، كما أن الجانب المالي يتجاوزه كونه من صلاحيات الإدارة والمراقب المالي.
أما المتهمة “ب.حورية” الإطار بالديوان الوطني للثقافة والإعلام فقد اعترفت انها أصدرت أوامر بالدفع بصفتها مسؤولة عن المحاسبة، ليوضح لها القاضي أن المبالغ المالية تجاوزت الطلبيات العادية للمورّدين، بفارق يصل إلى 5 ملايين دج، وكان عليها أن تمتنع، خاصة وأنه لم تبرم أي صفقات في إطارها القانوني .
للإشارة طالب الوكيل القضائي للخزينة العمومية تعويضا ماليا قدره 50 مليار سنتيم جبرا بالأضرار اللاحقة، بينما حدد القاضي حدد القاضي تاريخ النطق بالحكم 8 أفريل المقبل بعدما التمست النيابة العامة بالجلسة تشديد العقوبة في حق المتهمين.
المصدر:
النهار