مليون أورو لشراء رواية لم تكتب.. بولوري والرهان على صنصال سلاحًا ضد الجزائر
الجزائرالٱن _ في عالم السياسة، لا توجد صفقات نشر بمليون أورو تُبرم بدوافع أدبية. وحين يتحرك فينسان بولوري، رجل الأعمال الفرنسي الذي حوّل إمبراطوريته الإعلامية إلى آلة حرب يمينية متطرفة، لشراء رواية كاتب مجهول الاسم كان يقبع في السجن ـ متخطيًا دار غاليمار، ليستقر به المقام في دار غراسيه التابعة لمجموعته لبولوري ـ فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس: ما قيمة هذا الكتاب أدبيًا؟ بل: ماذا يريد بولوري أن يشتري بالضبط؟ والجواب بات واضحًا: رواية صنصال القادمة عن فترة سجنه في الجزائر ستكون السلاح، وإمبراطورية بولوري الإعلامية ستكون المدفع .
كاتب لم يعرفه أحد حتى دخل السجن
قبل نوفمبر 2024، كان بوعلام صنصال اسمًا يكاد يغيب عن الإشارة في الأوساط الأدبية الفرنسية. رواياته تملأ رفوف المكتبات دون أن تملأ المقاعد في الندوات. أما رواية “2084” التي بيع منها 350 ألف نسخة بعد الإفراج عنه، فلم تصل إلى هذه الأرقام بسبب جودتها الأدبية.
بل لأن أصحاب الأجندات وجدوا في صاحبها ما يبحثون عنه، فقد أصبح وجهًا يمكن تسويقه بوصفه “ضحية”. شهرة صنصال لم تُبنَ داخل الصالونات الأدبية، بل صُنعت في أروقة السياسة، وخرجت من باب السجن لا من باب الموهبة .
رجل أدلى بتصريحات تشكك في الوحدة الترابية الجزائرية ـ وهي تصريحات خدمت بشكل لافت أجندات مغربية وفرنسية ودوائر أخرى معادية للجزائر ـ حوكم بعدالة وفق القانون الجزائري.
وصدر بحقه حكم بالسجن خمس سنوات. ولم يُفرَج عنه استجابةً للضغوط الفرنسية التي رفضتها الجزائر بحزم، بل بعد التماس إنساني قدّمه الرئيس الألماني لاعتبارات صحية، فأجابته الجزائر كما يليق بدولة ذات سيادة تتصرف بإرادتها لا بإملاءات غيرها. وهذا بالذات ما أغاظ باريس أكثر من أي شيء آخر .
بولوري .. ليس ناشرًا بل تاجر حرب
لفهم ما يجري، لا بد من فهم طبيعة الرجل الذي يقف خلف هذه الصفقة. فينسان بولوري ليس ناشرًا يبحث عن قصة جيدة.
هو رجل بنى خلال عقد واحد أضخم إمبراطورية إعلامية عرفتها فرنسا في تاريخها الحديث، قناة CNews التي تُوصف بـ”فوكس نيوز الفرنسية”، وراديو Europe 1 ، وصحيفة Journal du Dimanche ، ومجلة Paris Match ، ومجموعة هاشيت ليفر التي تضم دورًا عريقة من بينها غراسيه. منظومة متكاملة لا تبيع الأخبار، بل تصنع الأفكار وتشكّل الرأي العام .
في كل استحواذ أجراه بولوري، كان المشهد يتكرر، إضرابات طويلة للصحفيين رفضًا لتدخله في الخط التحريري، وتهميش الأصوات المعتدلة، وفتح المنابر أمام خطاب اليمين المتطرف. (سي نيوز) لم تعد مجرد قناة إخبارية، بل صارت محطة وصفتها منظمة مراسلون بلا حدود بأنها “تهديد غير مسبوق للديمقراطية”.
وهو ذاته الرجل الذي صنع نجومية إيريك زمور، محرك الكراهية الذي قال ذات مرة على الهواء إن الجزائر قبل 1830 كانت “بؤسًا وملاريا “.
فهل يُعقل أن يدفع هذا الرجل مليون أورو لرواية كاتب لم يكن أحد يسمع به، بدوافع أدبية خالصة؟
المزاد الذي كشف كل شيء
ما كشفه موقع “بلاست” الاستقصائي الفرنسي يقول كل شيء بوضوح، حين عُرضت رواية صنصال عن سجنه في السوق، انطلق مزاد لم يشهد تاريخ النشر الفرنسي مثيله.
بدأ بعرض استثنائي من دار غاليمار بمئة ألف أورو، ثم تدخّل نيكولا ساركوزي شخصيًا وسيطًا لصالح بولوري، فارتفع الرقم، حتى حُسمت الصفقة لصالح دار غراسيه بمليون أورو. ليس لأن الرواية تستحق ذلك أدبيًا، بل لأن ما تحمله أيديولوجيًا يُقدَّر بأكثر. وقد أقرّ الموقع ذاته بصراحة بأن هذه الدوافع سياسية وإيديولوجية أكثر منها تجارية، وأن المبيعات لن تعوّض يومًا ما استُثمر فيها .
صنصال من جهته وُصف بأنه تصرف “بذكاء استراتيجي” وترك المزايدة تتصاعد. وهذا وحده يُسقط صورة “الأديب البريء” التي يُراد تسويقها، ويكشف أن رجلًا يضع نفسه في خدمة أجندات معادية لبلد نشأ فيه وتشرّب ثقافته وقضى فيه معظم حياته يُحسن التفاوض والمساومة .
الجزائر في مرمى إمبراطورية الكراهية
ليست هذه المرة الأولى التي تكون فيها الجزائر هدفًا لمنظومة بولوري الإعلامية. (سي نيوز) هي ذاتها القناة التي منحت زمور منبرًا فحوّله إلى نجم سياسي، وهي التي تُغذّي يوميًا خطابًا يُصوّر المهاجرين المغاربيين خطرًا وجوديًا على الجمهورية.
والآن تُكمل هذه المنظومة دائرتها بشراء رواية تحمل شهادة من الداخل، رواية “السجين” الذي سيحكي ما شاء أن يحكيه لجمهور تشكّلت أذهانه مسبقًا بسنوات من خطاب زمور والتهويل من الجزائر .
الفكرة بسيطة ومحكمة، إعطاء الكاتب وجهًا إنسانيًا ومعاناة مُصوَّرة، ثم بثّها عبر منظومة إعلامية متكاملة تملك القدرة على تحويل أي رأي إلى يقين .
رواية لم تُكتب بعد لكن نهايتها معلومة
حين يدفع بولوري مليون أورو لرواية، فهو لا يشتري ورقًا وحبرًا. هو يشتري سلاحًا في حرب طويلة تشنّها دوائر لم تستسغ يومًا أن تكون الجزائر دولة سيادية لا تُساوَم ولا تُشترى.
وحين ترفض الجزائر الضغط الفرنسي وتستجيب للوساطة الألمانية، فهي لا تُذعن بل تُحكّم إرادتها. وحين تصدر بحق من يمسّ وحدتها أحكام قضائية، فهي لا تُعاقب على الرأي بل تحمي وجودها .
ما يجمع بولوري وصنصال ليس الأدب. إنه رهان مشترك على أن الجزائر قابلة للتشويه. وقد أثبتت الجزائر مرارًا أن هذا الرهان خاسر.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة