● مقال رأي | حين تتكلم الإرادة السياسية: وقفة مع وزير شاب في مواجهة البيروقراطية
الجزائرالٱن _ في زيارة ميدانية لولاية البليدة، وقف وزير الفلاحة ياسين وليد أمام مشهد بسيط في ظاهره، عميق في دلالاته. فلاح جزائري يحمل اعتماداً وشهادة، يمارس مهنته على أرض بلاده، ويطلب علفاً لمواشيه، فيُرد عليه بأنه لا يملك بطاقة فلاح. ليس لأنه ليس فلاحاً، بل لأن بطاقته مسجلة في ولاية أخرى، ولأن إصدار بطاقة جديدة يستلزم رقماً من الغرفة الوطنية، ولأن هذا لا يمكن أن يتم اليوم، ولأن… ولأن…
هكذا تتكاثر الحجج البيروقراطية وتتراكم، لا لتحل مشكلة، بل لتبرر عجزاً وتكرس جموداً.
وأمام هذا الجدار الإداري الصلب، كان يمكن للوزير أن يبتسم ويمضي، كما يفعل كثيرون. لكنه لم يفعل.
● حجج المسؤول الفلاحي لم تقنع الوزير
حين استفسر الوزير عن تفاصيل القضية، برّر المسؤول المحلي موقفه بأن الفلاح الذي تكون بطاقته مسجلة خارج الولاية لا يحق له الحصول على بطاقة فلاح محلية، بل يُكتفى بمنحه شهادة.
منطق إداري جامد لا يرى الإنسان أمامه، بل يرى الملف والخانة والرقم.
● هنا تدخّل الوزير بحسم ووضوح
لاحظ أن هذا الفلاح كان حاضراً في الزيارة الرسمية ومدعواً إليها، وهو ما يعني في حد ذاته اعترافاً ضمنياً بصفته.
فكيف يُرفض طلبه للحصول على علف مواشيه؟ وصف الوزير الحالة بما هي عليه دون مجاملة ولا مداورة: بيروقراطية.
وقال بصوت مسموع تلك العبارة الصادقة والمؤلمة في آنٍ واحد: “ البيروقراطية في الجزائر هبلتنا”.
كلمة لم تصدر عن مستثمر، بل عن رجل يعمل من الداخل ويعرف الواقع ويأبى القبول به.
ثم توجه للفلاح مباشرة وطلب منه تقديم شهادته للمسؤول، مؤكداً أنه سيحصل على بطاقة الفلاح قبل نهاية اليوم.
وحين أخبره الفلاح أن الوثيقة موجودة في سيارته، لم يتردد الوزير لحظة وطلب منه إحضارها فوراً، معلناً أنه سيتصل شخصياً في وقت لاحق للتأكد من حصوله على البطاقة.
● العقبة التقنية لن تكون مبرراً
غير أن المسؤول المحلي ، وتحت أنظار الوزير مباشرة، أعلن أن إصدار البطاقة في نفس اليوم أمر مستحيل.
وبرّر ذلك بأن الإجراء يستلزم أولاً أن يكون للفلاح رقم في الغرفة الوطنية للفلاحة.
جدار جديد خلف الجدار الأول.
وكان يمكن لهذه العقبة أن تنهي الأمر وتُسدل الستار، لكن الوزير أعاد رسم المشهد من جديد.
لم يقبل الحجة ولم يتراجع.
أعلن بكل وضوح أنه سيتصل حالاً بالغرفة الوطنية لاستخراج الرقم المطلوب بنفسه، مزيلاً بذلك آخر ذريعة كان يمكن أن تحول دون إنصاف هذا الفلاح.
وأطلق حكمه الذي لا يقبل التأويل: “عدم حصول هذا الفلاح على بطاقته في نفس اليوم سيكون فشلاً ذريعاً لوزارة الفلاحة بأكملها”.
لم يُحمّل المسؤول المحلي وحده، بل أخذ المسؤولية على عاتق وزارته كلها، وهذا في حد ذاته دليل على وعي حقيقي بمعنى القيادة.
● الجزائر الجديدة تبنى في هذه اللحظات
الفلاح الذي ركض إلى سيارته وأحضر وثيقته فوراً حين طُلب منه ذلك، يجسّد الإنسان الجزائري المستعد دائماً للعمل والإنتاج، والذي لا ينقصه سوى دولة تزيل العوائق من طريقه بدل أن تضعها.
وما جرى في البليدة ليس مجرد قصة فلاح ونخالة وبطاقة إدارية، بل هو مشهد مصغّر يعكس صراعاً حقيقياً تخوضه الجزائر اليوم بين إرادة التغيير وثقل الموروث البيروقراطي.
الجزائر الجديدة التي يقودها الرئيس تبون لا تتشكّل فقط في الخطابات الكبرى والمشاريع العملاقة، بل تتشكّل أيضاً في تلك اللحظة حين يقف وزير شاب في الميدان ويرفض أن تُغلق في وجه فلاح بسيط باب حقه بسبب رقم ناقص في سجل إداري.
ومهمة وزراء هذا الجيل هي بالضبط هذه: أن يكونوا جسراً حقيقياً بين إرادة الدولة وحاجة المواطن، وأن يحوّلوا الزيارات الميدانية من استعراض إلى فعل يُغيّر واقعاً ويُعيد ثقة المواطن بدولته.
وحين يقول وزير شاب أمام الجميع إن ما يجري فشل ذريع لا يمكن القبول به، فهو لا يتكلم فقط عن بطاقة فلاح، بل يتكلم عن رؤية دولة ووعد لجيل.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة