آخر الأخبار

لأول مرة .. امرأة على رأس معهد العالم العربي بباريس

شارك
بواسطة شعيب ز
مصدر الصورة
الكاتب: شعيب ز

● لأول مرة .. امرأة على رأس معهد العالم العربي بباريس

الجزائرالٱن _ في خطوة مفاجئة تعكس التشابك بين الدبلوماسية والثقافة في فرنسا، انتهى عهد جاك لانغ على رأس معهد العالم العربي بباريس بعد ثلاثة عشر عاماً، ليُفتح الباب لصفحة جديدة بوجه نسائي لأول مرة في تاريخ هذه المؤسسة.

فبعد عشرة أيام من استقالة لانغ في السابع من فيفري 2026، التي جاءت إثر الكشف عن علاقاته الموثقة بالمجرم الجنسي الأمريكي جيفري إبستين، اجتمع مجلس إدارة المعهد في دورة استثنائية طارئة بتاريخ 17 فيفري 2026.

واقترح وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو اسم آن-كلير لوجندر على مجلس الإدارة المؤلف من سبعة سفراء عرب وعدد مماثل من الشخصيات التي يختارها الكي دورسي (وزارة الخارجية). وقد صوّت المجلس بالإجماع على تعيينها رئيسةً، لتصبح بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب في قرابة أربعين عاماً من عمر المؤسسة.

● من هي لوجندر؟

وُلدت آن-كلير لوجندر (46 عاماً) في مدينة بريست بمنطقة بريتانيا الفرنسية. تجمع في سيرتها الأكاديمية تخصصات نادراً ما تجتمع في دبلوماسي واحد:

فهي خريجة معهد العلوم السياسية (Sciences Po Paris) العريق، وحاملة شهادة في الآداب الحديثة من جامعة السوربون، فضلاً عن إجادتها للغة العربية التي تعلمتها في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية (INALCO).

هذا التكوين المزدوج ـ الأكاديمي والميدانيـ يُفسر نظرة المراقبين إليها بوصفها نادرة الجمع بين عمق الثقافة وبراغماتية الميدان.

● المسار الدبلوماسي المتخصص

بدأت لوجندر مسيرتها الدبلوماسية عام 2005 في السفارة الفرنسية باليمن، لتغوص منذ البداية في قلب أعقد المناطق في العالم. ثم انتقلت إلى وزارة الخارجية حيث تخصصت في ملف العلاقات الثنائية الفرنسية-الجزائرية، قبل أن يُكلَّف بها بين عامَي 2010 و2013 بتمثيل فرنسا لدى الأمم المتحدة في نيويورك، ولا سيما في ملفات الشرق الأوسط الحساسة على طاولة مجلس الأمن الدولي.

عادت بعدها إلى قلب صنع القرار الفرنسي مستشارةً لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط في مكتب وزير الخارجية آنذاك لوران فابيوس، ثم قنصلةً عامة في نيويورك (2016)، فسفيرةً للجمهورية الفرنسية لدى الكويت (2020)

● ناطقةً بالقيم الدبلوماسية الفرنسية

بين عامَي 2021 و2023، تقلّدت مهمة الناطقة الرسمية باسم وزارة الخارجية الفرنسية ومديرة الاتصال، وهو منصب وضعها في دائرة الضوء الإعلامية الدولية. وكان من أبرز خطابها آنذاك تأكيدها أن «إيمانويل ماكرون يريد دبلوماسية نضالية»، مما كشف عن التوجه الذي حملته لاحقاً في عملها.

● مستشارةً في قصر الإليزي

في ديسمبر 2023، وفي خضم التصعيد الحاد في الصراع الفلسطيني-الصهيوني، اختارها الرئيس ماكرون مستشارةً لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط في الخلية الدبلوماسية للإليزي، تحت إشراف المستشار إيمانويل بون.

جاء هذا التعيين في لحظة بالغة الحساسية، إذ كانت السياسة الخارجية الفرنسية في المنطقة تتعرض لانتقادات حادة، حتى داخل سلك الدبلوماسية الفرنسي ذاته.

● المسار المهني

2005 – 2006 دبلوماسية في السفارة الفرنسية باليمن — بداية المسار الميداني في المنطقة العربية

2007 – 2009 وزارة الخارجية — ملف العلاقات الثنائية الفرنسية الجزائرية

2010 – 2013 البعثة الدائمة لفرنسا لدى الأمم المتحدة بنيويورك — ملفات الشرق الأوسط في مجلس الأمن

2013 – 2015 مستشارة لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط في مكتب وزير الخارجية لوران فابيوس

2016 – 2019 قنصلة عامة لفرنسا في نيويورك

2020 – 2021 سفيرة فرنسا لدى الكويت

2021 – 2023 ناطقة باسم وزارة الخارجية الفرنسية ومديرة الاتصال

ديسمبر 2023 – فيفري 2026 مستشارة الرئيس ماكرون لشؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط

17 فيفري 2026 رئيسة معهد العالم العربي بباريس — أول امرأة تتقلد هذا المنصب

● ملفات تضعها في قلب الحدث

1 ـ الملف الفلسطيني: اضطلعت لوجندر بدور محوري في إدارة الموقف الفرنسي الصعب من الحرب على غزة، في وقت كانت تتناقض فيه الرسائل وتتباين التوجهات داخل الدبلوماسية الفرنسية. وقد دفعت باتجاه وقف إطلاق النار وتوسيع المساعدات الإنسانية.

2ـ اتفاقية وقف إطلاق النار في لبنان: كان لها دور بارز في دفع مسار التفاوض نحو وقف إطلاق النار بين حزب الله والكيان الصهيوني في نوفمبر 2024، حيث أصبحت فرنسا جزءاً من آلية الإشراف على الهدنة إلى جانب الولايات المتحدة.

3 ـ العلاقات الفرنسية-الجزائرية: في مارس 2025، توجهت إلى الجزائر حاملةً رسالة تهدئة ومحاولةً إعادة إحياء الحوار مع الرئيس عبد المجيد تبون، في مرحلة بالغة التوتر بين البلدين. وعلى الرغم من صعوبة المهمة، فإن سيرتها تُظهر أنها الوجه الذي يُبعث إلى أصعب الملفات وأشدها تعقيداً.

● لمحة عن معهد العالم العربي

تأسس معهد العالم العربي عام 1980 إثر اتفاقية شراكة بين فرنسا و22 دولة عربية، وافتُتح رسمياً عام 1987 في عهد الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران. ويجمع المعهد بين وظائف المتحف والمكتبة ومركز اللغات والتبادل الثقافي، ويُشكّل أداةً رئيسية في الدبلوماسية الثقافية الفرنسية. استقبل المعهد عام 2023 نحو 750,000 زائر.

وبعد ثلاثة عشر عاماً أعاد فيها جاك لانغ الحياة لهذه المؤسسة التي كانت تعاني من الركود، باتت تواجه اليوم تحدياً حوكمياً حاداً دفعه للاستقالة. وفي هذا السياق، يصف وزير الخارجية الفرنسي المهمة المقبلة بأنها «إصلاح طموح وهيكلي» في أفق الذكرى الأربعين للمؤسسة.

● رهانات المرحلة المقبلة

أعلنت لوجندر فور انتخابها أن أولويتها هي «إعادة الهدوء» للمؤسسة و«استعادة ثقة الجمهور»، وهو خطاب يُشير إلى إدراكها حجم الإضرار بصورة المعهد جراء فضيحة سلفها.

وعلى المستوى المؤسسي، يعتزم الكي دورسي تعديل النظام الأساسي للمعهد ليحدد سن الرئيس عند التعيين بأربعة وستين عاماً، ويحصر عدد الولايات المتتالية، ويُنشئ لجنة للحوكمة والأخلاقيات، ويُرسّخ قواعد صارمة لمكافحة تضارب المصالح.

وهي إصلاحات تضع لوجندر في موقع قائدة مرحلة تجديد حقيقي لا مجرد رأس جديدة على جسد قديم.

أما على صعيد المهمة الثقافية والدبلوماسية، فتُرسّخ وزارة الخارجية تطلعها إلى أن تُسهم لوجندر في «إشعاع المعهد خارج أسواره» وتجديد حواره مع المجتمعات العربية المعاصرة، مما يُعيد تعريف المعهد بوصفه مساحة تبادل حي لا مجرد موضع عرض.

يمثل تعيين آن-كلير لوجندر نقطة تحول مزدوجة: شخصية بحجمها الدبلوماسي النادر تحمل المعهد الى صلب الحوار بين الضفتين، وسابقة تاريخية تفتح لأول مرة ابواب اعرق مؤسسات الحوار الثقافي الفرنسي-العربي لامراة.

في زمن تتشابك فيه التحولات الاقليمية وتتصاعد الحساسيات المتبادلة، قد لا يكون اختيارها مصادفة، بل رهانا مدروسا.

شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا