آخر الأخبار

الجزائر تعيد هندسة التوازن في الساحل الإفريقي دبلوماسية احتوائية تقود عودة نيامي وترسّخ الجزائر فاعلًا إقليميًا ودوليًا محوريًا

شارك
بواسطة بلقور محمد
مصدر الصورة
الكاتب: بلقور محمد

● الجزائر تعيد هندسة التوازن في الساحل الإفريقي دبلوماسية احتوائية تقود عودة نيامي وترسّخ الجزائر فاعلًا إقليميًا ودوليًا محوريًا

● الخبراء يبرزون أهمية الزيارة الرسمية لرئيس دولة النيجر للجزائر

الجزائر الآن -يرى مراقبون للشأنين الاستراتيجي والسياسي أن زيارة الدولة التي يقوم بها رئيس جمهورية النيجر الفريق عبد الرحمن تياني، وبحضور وفد رسمي رفيع المستوى إلى الجزائر، بدعوة رسمية من نظيره الرئيس عبد المجيد تبون، من شأنها أن تعيد ترتيب العلاقات الثنائية بين الجزائر ونيامي، وأن تبعث من جديد الدفء في التيار الدبلوماسي بين الجارين.

ويبرز مراقبون أن الزيارة الرسمية التي يقوم بها رئيس جمهورية النيجر إلى الجزائر، والتي ستدوم يومين، تأتي في أعقاب مرحلة دقيقة اتسمت فيها العلاقات الدبلوماسية الجزائرية-النيجرية بفتور حاد، على خلفية اصطفاف نيامي العلني آنذاك إلى جانب مصالح الطغمة العسكرية الانقلابية في باماكو، لاسيما بعد حادثة إسقاط طائرة درون مالية اخترقت الأجواء الجزائرية في خطوة وُصفت بالعدائية والممنهجة.

مصدر الصورة

ويرى هؤلاء أن هذه الزيارة تشكل منعطفًا سياسيًا واستراتيجيًا يفتح المجال أمام مسار جديد قوامه الحوار المسؤول، وإعادة التنسيق، واستعادة منطق الشراكة وحسن الجوار، بما يعكس رغبة متبادلة في تجاوز تداعيات المرحلة السابقة وإعادة بناء العلاقات على أسس أكثر توازنًا واحترامًا للمصالح الجزائرية ولسيادتها الوطنية .

● الجيلالي شقرون عودة حتمية فرضتها الجغرافيا والسياسة والمصالح المشتركة

أكد الأكاديمي والمحلل السياسي البروفيسور الجيلالي شقرون، في قراءته الاستراتيجية لصحيفة الجزائر الآن الاليكترونية بشأن زيارة الدولة التي يقوم بها رئيس جمهورية النيجر إلى الجزائر بدعوة رسمية من نظيره الرئيس عبد المجيد تبون، تؤكد بأن عودة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين لم تكن خيارًا ظرفيًا، بل جاءت كـ«حتمية سياسية، وحتمية دبلوماسية، وحتمية استراتيجية» فرضتها التحولات الإقليمية والدولية الراهنة

مصدر الصورة

وأوضح أن الجزائر، في ظل التحولات التي يعرفها العالم، انتهجت دبلوماسية قائمة على احتواء دول القارة الإفريقية، وتقريب المسافات بينها، وترميم ما أفسدته السياسات والصراعات، وهي دبلوماسية وصفها بـ«الترميمية والتقريبية والأخوية».

● إسماعيل خلف الله: زيارة نيامي إلى الجزائر… عودة الوعي بأهمية الشراكة الأمنية والإقليمية

وفي ذات السياق فقد أبرز الأكاديمي والمحلل السياسي والاستراتيجي الدكتور إسماعيل خلف الله لصحيفة الجزائر الآن الاليكترونية ، في قراءته الاستراتيجية ،بأن زيارة الدولة التي يقوم بها رئيس جمهورية النيجر إلى الجزائر بدعوة رسمية من نظيره الرئيس عبد المجيد تبون، تعكس تحولًا نوعيًا في مقاربة نيامي لعلاقاتها الإقليمية، ولا سيما خاصة مع الجزائر، بعد مرحلة من الفتور كان لها أثر مباشر على أمن المنطقة واستقرارها.

مصدر الصورة

وموضحا وفي ذات الخصوص بأن تعثر العلاقات الدبلوماسية ما بين الجزائر ونيامي خلال الفترة الماضية انعكس سلبًا على الجانب الأمني، حيث عاشت المنطقة في ظل غياب التنسيق الجزائري تحت رحمة الجماعات المسلحة، وشبكات الجريمة المنظمة، وتنامي ظاهرة الهجرة غير الشرعية.

● دبلوماسية جزائرية ثابتة… عدم التدخل واحترام الشرعية الدولية

وفي ذات الشأن فقد كشف المحلل السياسي شقرون إلى أن القطيعة التي شهدتها العلاقات بين الجزائر والنيجر لم تكن بمعزل عن تدخلات خارجية سعت إلى تشويه صورة الجزائر لدى نيامي، عبر تصويرها كدولة تتدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو ما يتناقض – حسبه – مع جوهر السياسة الخارجية الجزائرية.

ومؤكدا بأن الجزائر تلتزم التزامًا صارمًا بمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، باعتباره خطًا أحمر ومحددًا دستوريًا، إضافة إلى احترامها المواثيق والأعراف الدولية التي أرستها المنظمات الدولية، وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة.

● غياب الجزائر… فراغ أمني استغلته الجماعات المسلحة

وفي سياق مغاير فقد كشف الدكتور اسماعيل خلف الله بأن السلطات في نيامي باتت اليوم على قناعة تامة بأن غياب الجزائر، وغياب التعاون الأمني معها، خلق فراغًا خطيرًا استغلته الجماعات المسلحة العابرة للحدود، وشبكات التهريب،

مصدر الصورة

مؤكدًا أن الجزائر كانت ولا تزال فاعلًا محوريًا في ضبط التحركات الأمنية، ومراقبة مسارات الهجرة، ومحاربة الجريمة المنظمة في الفضاء الساحلي.

وأضاف أن التجربة أثبتت أن الجزائر لعبت دورًا أساسيًا في التحكم في تحركات الجماعات المسلحة، سواء من حيث الأفراد أو شبكات الدعم، وهو ما جعل العودة إلى التنسيق معها خيارًا استراتيجيًا لا مفر منه.

● تحول استراتيجي تمليه الضرورات الأمنية والاقتصادية

ومن جهته وفي ذات الخصوص فقد كشف الأكاديمي الجيلالي شقرون إلى أن استئناف العلاقات الدبلوماسية ما بين الجزائر والنيجر يعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا، تفرضه الضرورات الأمنية من جهة، والضرورات الاقتصادية من جهة أخرى.

فالجانب الأمني – بحسبه – مرتبط بحماية أمن الحدود وأمن القارة الإفريقية ككل، حيث باتت الجزائر تضطلع بدور محوري في توجيه القارة الإفريقية نحو الاستقرار والسلم.

أما البعد الاقتصادي، فيرتبط بالتحولات الاقتصادية العالمية والأزمات الدولية المتلاحقة، التي ألقت بظلالها السلبية على العديد من الدول، ما يستدعي تعزيز التعاون الإقليمي لمواجهة التحديات المشتركة.

● تفكيك “تكتل دول الساحل”… مشروع وُلد ميتًا

وفي سياق ذو صلة فقد أبرز المحلل الاستراتيجي إسماعيل خلف الله في تحليله لما سُمي بـ“تكتل دول الساحل”، على أن هذا التكتل تشكّل بإيعاز من أطراف خارجية عملت على تضخيم الخلافات وتسميم العلاقات بين الجزائر وبعض دول الجوار الإفريقي، في محاولة لعزل الجزائر وإظهارها كطرف معادٍ لمحيطها الإقليمي.

وموضحا بأن هذا التكتل، الذي رُوّج له على أنه إطار يخدم مصالح شعوب المنطقة، جاء في الواقع ضد مصالحها، إذ لم ينجح في إيقاف نشاط الجماعات المسلحة، ولا في توفير الأمن للمواطنين، كما فشل في تحقيق أي دفع اقتصادي أو تنموي، ليبقى مجرد عنوان سياسي فارغ هدفه الأساسي نصب العداء للجزائر.

● الفراغ الأمني يثبت مركزية الدور الجزائري

وفي نفس السياق فقد أكد شقرون إلى أن تعثر العلاقات بين الجزائر ونيامي سابقًا كشف حجم الفراغ الأمني الذي خلّفه غياب التنسيق مع الجزائر، وهو ما جعل المنطقة عرضة للجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية.

وشدد على أن السلطات في نيامي باتت اليوم مقتنعة تمام القناعة بأن الجزائر لعبت دورًا محوريًا في مراقبة الهجرة، ومحاربة الجريمة العابرة للحدود، وضبط التحركات الأمنية للجماعات المسلحة، وهو ما يجعل الشراكة مع الجزائر خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه.

● زيارة نيامي… ضربة قاصمة للأجندات الخارجية

واعتبر خلف الله أن زيارة رئيس النيجر إلى الجزائر تمثل ضربة قاضية للورقة التي كانت تناور بها الأطراف الخارجية المعادية للجزائر، مؤكدًا أن هذه الأطراف معروفة بمواقفها العدائية تجاه الجزائر بسبب مواقفها الثابتة ضد الاستعمار، وضد اضطهاد الشعوب، ودعمها للقضيتين الفلسطينية والصحراوية، ورفضها لجرائم الإبادة والقتل.

وأضاف أن هذه الزيارة تشكل دليلًا عمليًا على فشل محاولات عزل الجزائر، وخروج نيامي من دائرة الضغط التي فُرضت عليها عبر هذا التكتل الموهوم، الذي لم يجلب سوى المزيد من الأزمات لشعوب المنطقة.

● الأزمات الدولية تدفع الجزائر إلى لعب دور الحامي الإقليمي

وفي ذات الشأن فقد أوضح شقرون ومن جهات إلى أن الحروب والأزمات الدولية، على غرار الحرب الروسية الأوكرانية، وعدم الاستقرار في دول مثل ليبيا وسوريا والعراق، إضافة إلى تطورات القضية الفلسطينية، كلها عوامل دفعت الجزائر إلى تكريس جهودها لحماية القارة الإفريقية وبلدانها.

وفي هذا السياق، شدد على أهمية تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي في دول الساحل، التي كانت تُصنَّف سابقًا كبيئة خصبة لتفريخ الإرهاب، في وقت أصبحت فيه القارة الإفريقية محل تنافس واستغلال من قوى دولية كبرى.

سباق النفوذ في إفريقيا… الجزائر تتحرك بحسابات متوازنة

وفي ذات الخصوص فقد تطرق شقرون إلى أن التحركات الدولية المتسارعة في إفريقيا، مشيرًا إلى المبادرات الاقتصادية الصينية، ومنها إعفاء واردات 35 دولة إفريقية من الرسوم الجمركية، في إطار سياسة احتواء اقتصادي واضح للقارة الإفريقية.

غير أنه أكد أن الجزائر تسعى إلى التحرك بشكل استباقي، سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا، للحفاظ على تماسك الدول الإفريقية، بعيدًا عن منطق الاستغلال، وبما يخدم مصالح شعوب القارة الإفريقية

● بداية مسار تصالحي يشمل بوركينا فاسو ومالي

وفي نفس الموقف فقد أشار المحلل السياسي إسماعيل خلف الله إلى أن زيارة الرئيس النيجري قد تكون توطئة لزيارات أخرى مرتقبة من قبل بوركينا فاسو ومالي، وهو ما يعكس قدرة الجزائر على احتواء الخلافات التي غذّتها أطراف خارجية، ونجاح دبلوماسيتها الاحتوائية في إعادة بناء الثقة.

ومبرزا إلى أن عودة الدفيء للقنوات الديبلوماسية ما بين الجزائر والنيجر ستقود حتمًا إلى عودة العلاقات مع بوركينا فاسو، كما ستضع سلطات الطغمة العسكرية الإنقلابية في باماكو تحت ضغط شعبي وإقليمي لإعادة تطبيع علاقاتها مع الجزائر، معتبرًا أن عودة مالي “أمر محتوم” وليس سوى مسألة وقت.

● منطقة الساحل الإفريقي… استقرارها مفتاح أمن القارة

ومن جهته فقد أشار شقرون إلى أن منطقة الساحل الإفريقي تعاني من هشاشة أمنية وسياسية واقتصادية، انعكست سلبًا على مجتمعاتها، حيث انتشر الفقر والجريمة المنظمة وتجارة السلاح والهجرة غير الشرعية.

وأكد أن الوجود الجزائري في هذه المنطقة لا يهدف إلى النفوذ، بل إلى الإسهام في الاستقرار، والقضاء على جذور الأزمات، ومرافقة الدول المعنية في مسارات التنمية، وعلى رأسها النيجر التي يمكن أن تتحول – بدعم جزائري – إلى دولة قوية اقتصاديًا وأمنيًا.

● أنبوب الصحراء… عودة مشروع استراتيجي لا بديل له

وفي البعد الاقتصادي-الاستراتيجي، شدد خلف الله على أن عودة العلاقات الجزائرية-النيجيرية تمثل في جوهرها عودة قوية لمشروع أنبوب الصحراء، الذي ينطلق من نيجيريا مرورًا بالنيجر وصولًا إلى الجزائر ثم أوروبا، معتبرًا أن هذه الزيارة إعلان عملي عن إعادة إحياء هذا المشروع الحيوي.

وأوضح أن محاولات التشويش على المشروع، خاصة من قبل النظام المغربي، تبقى رهانات فاشلة، نظرًا لغياب الشروط الأمنية في المسارات البديلة، ومرورها عبر دول تعاني من هشاشة أمنية مزمنة، ما يجعل المشروع الجزائري الخيار الأكثر واقعية وأمانًا.

● أنبوب الغاز العابر للصحراء… رهان اقتصادي وتنموي

وفي البعد الجيوسياسي، شدد شقرون على أن الواقع الجغرافي يفرض نفسه بقوة، خاصة فيما يتعلق بمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء نحو أوروبا، والذي ترى فيه الجزائر مشروعًا استراتيجيًا ضخمًا يعود بالفائدة على القارة الإفريقية ككل.

وأوضح أن العائدات الغازية من شأنها دعم مشاريع تنموية حيوية، خاصة في مجالات حيوية مثل المياه، وهو ما أكدت عليه اجتماعات الاتحاد الإفريقي الأخيرة التي ركزت على الأمن المائي كرافعة للتنمية.

● الدبلوماسية الجزائرية الاحتوائية…حينما يتحول الخلاف إلى تقارب

وفي هذا السياق، أبرز شقرون ما سماه بـ«الدبلوماسية الاحتوائية» التي تنتهجها الجزائر، والتي تقوم على تحويل العداء إلى مصالحة، والتوتر إلى تقارب، عبر الحوار الجاد والجلوس إلى طاولة التفاهم، بعيدًا عن الخطابات الصدامية العقيمة.

وشبه هذا الدور بالدور الأبوي الذي يحتوي أبناءه، معتبرًا أن الجزائر تمتلك تقاليد راسخة في تقريب وجهات النظر والاستماع إلى مختلف الأطراف، بما يعزز فرص الحلول السلمية.

● الجزائر… وسيط إقليمي متوازن ورهان على الأمن القومي

وختم الدكتور إسماعيل خلف الله تحليله بالتأكيد على أن هذه الخطوات تعكس إيمان الجزائر العميق بمفهوم الأمن القومي الشامل، الذي لا يتحقق إلا بالاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، مشيرًا إلى أن الجزائر تؤكد مرة أخرى موقعها كوسيط إقليمي متوازن يعتمد الحوار، وحسن الجوار، والمعالجة السلمية للنزاعات.

وأكد أن فشل محاولات عزل الجزائر لم يزدها إلا إصرارًا على انتهاج دبلوماسية عقلانية، رزينة، وإنسانية، قادرة على إدارة الملفات المعقدة بحكمة وتعقل، بما يعزز مكانتها الإقليمية والقارية والدولية.

● إفريقيا قارة واعدة… والجزائر رهان الاستقرار

وفي الإتجاه فقد كد شقرون أن القارة الإفريقية تظل قارة واعدة، تتنافس القوى الدولية على الاستثمار في خيراتها، مستشهدًا بمحاولات بعض القوى التقليدية العودة إلى المنطقة بعد تراجع نفوذها.

غير أن الجزائر – حسبه – تسعى إلى أن يكون هذا الانفتاح قائمًا على شراكات متوازنة، تخدم التنمية والاستقرار، خاصة مع دول الجوار، وفي مقدمتها النيجر، التي وصفها بالدولة الواعدة والغنية بإمكاناتها الطبيعية.

● الجزائر لا تعزل أحدًا… أبواب مفتوحة للحوار والتقارب

وختم شقرون بالتأكيد على أن الجزائر لا تقصي أي طرف، بل تفتح أبوابها لكل من يرغب في الانخراط في سياستها الإفريقية القائمة على التعاون وحسن الجوار.

وأوضح أن بعض الدول، مثل مالي، وجدت نفسها معزولة نتيجة خياراتها، إضافة إلى تدخل أطراف خارجية ساهمت في تأجيج الخلافات، غير أن هذا التقارب الجزائري-النيجري من شأنه أن يشجع دولًا أخرى على العودة إلى الجزائر، باعتبارها فاعلًا إقليميًا يسعى إلى التأثير السياسي والاستراتيجي والدبلوماسي، إقليميًا وقاريًا ودوليًا.

● الجزائر تعيد سفيرها إلى نيامي: استعادة المسار الدبلوماسي وترسيخ مقاربة الشراكة الاستراتيجية

يرى مختصون في العلاقات الدولية وشؤون الساحل الإفريقي أن قرار الجزائر إعادة سفيرها لدى النيجر إلى نيامي بأثر فوري، لا يمكن اختزاله في إجراء دبلوماسي تقليدي، بل يندرج ضمن رؤية سياسية أوسع تهدف إلى استعادة زمام المبادرة في محيط إقليمي بالغ الحساسية.

فبحسب هذا التقدير، تعكس الخطوة عودة الجزائر إلى تفعيل أدواتها الدبلوماسية الناعمة، القائمة على الحوار والاحتواء بدل منطق القطيعة والتصعيد.

ويؤكد محللون إستراتيجيون أن هذا القرار يجسد توجهاً سيادياً نابعاً من قناعة راسخة لدى صانع القرار الجزائري، بقيادة الرئيس عبد المجيد تبون، مفادها أن استقرار النيجر يشكل امتداداً مباشراً للأمن القومي الجزائري.

وأن معالجة التوترات في فضاء الساحل لا تكون إلا عبر قنوات الاتصال المفتوحة والدبلوماسية الفاعلة، لا سيما مع الدول المتاخمة جغرافياً.

ومن زاوية دبلوماسية، يعتبر مختصون أن عودة السفير أحمد سعدي إلى نيامي تمثل رسالة سياسية مزدوجة: الأولى موجهة إلى النيجر.

تؤكد استعداد الجزائر لفتح صفحة جديدة على أساس الاحترام المتبادل وحسن الجوار، والثانية موجهة إلى الإقليم، مفادها أن الجزائر متمسكة بدورها كفاعل توازني يسعى إلى تفكيك الأزمات لا تعميقها.

ويجمع هؤلاء على أن هذه الخطوة تؤسس لمرحلة جديدة في العلاقات الجزائرية–النيجرية، عنوانها الشراكة الإستراتيجية بدل إدارة الخلافات.

● الجزائر ونيامي: استئناف الشراكة وإحياء المشاريع الإستراتيجية

يرى مختصون في العلاقات الدولية أن استئناف السفيرين الجزائري والنيجري لمهامهما يشكّل خطوة محورية لإعادة الاعتبار للحوار السياسي الثنائي على أعلى المستويات، بما يسمح بإعادة تنشيط قنوات التشاور المنتظم وتنسيق المواقف حول القضايا الإقليمية الحساسة.

كما يُتوقع، وفق هذا التقدير، أن ينعكس هذا التطور إيجابًا على مسارات التعاون الاقتصادي والأمني، ويُسرّع وتيرة تجسيد المشاريع الاستراتيجية المشتركة التي تراهن عليها الجزائر والنيجر لخدمة الاندماج الإقليمي والقاري ولاسيما خاصة في مشاريع الأنبوب الغازي العابر للصحراء محور الجزائر ،النيجر،نيجيريا

● الدبلوماسية الجزائرية: انتقال من إدارة الأزمة إلى منطق الشراكة الإستراتيجية

وفي قراءة سياسية موازية، يعتبر محللون أن الدعوة الرسمية التي وجّهها الرئيس عبد المجيد تبون إلى نظيره النيجري عبد الرحمان تياني لزيارة الجزائر، تعكس عمق الانفتاح السياسي بين البلدين، وتؤشر إلى إرادة مشتركة للانتقال من مرحلة احتواء التوتر إلى أفق الشراكة السياسية المباشرة.

ويجمع هؤلاء على أن زيارة الدولة التي يقوم بها رئيس دولة النيجر للجزائر الفريق عبد الرحمان تياني، تشكل محطة مفصلية واعدة لإعادة ترتيب أولويات التعاون الثنائي ووضع خريطة طريق جديدة للعلاقات الثنائية مابين الجزائر ونيامي.

●خلفية التوتر: أزمة إقليمية وتداعيات محسوبة

ويذكّر مختصون في الشأن الأمني بأن التوتر الذي عرفته العلاقات في 7 أبريل 2025 جاء في سياق إقليمي معقّد، عقب إعلان النيجر ومالي وبوركينافاسو، ضمن “تحالف دول الساحل”، سحب سفرائها من الجزائر للتشاور، على خلفية اتهام مالي للجزائر بإسقاط طائرة مسيّرة.

وتؤكد القراءة الدبلوماسية أن رد الجزائر، القائم على مبدأ المعاملة بالمثل والندية في التعامل، عكس حرصها على حماية سيادتها الوطنية وآمنها القومي ، دون الانزلاق نحو قطيعة دائمة، مع التأكيد في الوقت ذاته على أن موقف نيامي كان تضامنيًا مع باماكو أكثر منه تعبيرًا عن خلاف ثنائي مباشر.

● مؤشرات الانفراج: مسار تراكمي لاستعادة الثقة

وبرأي متابعين، فإن بوادر الانفراج لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة مسار تراكمي بدأ في نوفمبر 2025، عندما بعث الرئيس النيجري رسالة تهنئة إلى نظيره الجزائري بمناسبة عيد الثورة.

كما شكّلت زيارة وزير المحروقات والمناجم محمد عرقاب إلى نيامي، في 26 جانفي الماضي، خطوة عملية أعادت الزخم الكبير للمسار ااديبلوماسي ما بين البلدين و للتعاون الاقتصادي.

لا سيما خاصة في ما يتعلق بمتابعة المشاريع النفطية المشتركة، وأعطت إشارات واضحة على استعادة منسوب الثقة بين الجانبين.

● الاقتصاد والجغرافيا: شراكة تفرضها المصالح المشتركة

من زاوية اقتصادية واستراتيجية، يشدد خبراء الطاقة والبنى التحتية على أن الروابط الجغرافية، المتمثلة في حدود برية تناهز 950 كلم، تجعل من التعاون بين الجزائر والنيجر خيارًا استراتيجيًا لا غنى عنه.

وتبرز في هذا السياق مشاريع كبرى، على غرار الطريق العابر للصحراء، ومشروع أنبوب الغاز الطبيعي العابر للصحراء، الذي يربط شمال نيجيريا بأوروبا مرورًا بالنيجر.

ويؤكد هؤلاء أن هذا المشروع، بطاقة نقل تصل إلى نحو 30 مليار متر مكعب سنويًا، لا يقتصر على أبعاده الاقتصادية، بل يمثل ورقة محورية في معادلات أمن الطاقة الإقليمي والدولي.

● عودة محسوبة برهانات استراتيجية واعدة

ويخلص المختصون إلى أن عودة السفير الجزائري إلى نيامي تمثل خطوة مدروسة تعكس نضج المقاربة الدبلوماسية الجزائرية، القائمة على احتواء الأزمات وبناء التوازنات عبر الحوار والشراكة.

وهي في الآن ذاته رسالة سياسية واضحة بأن الجزائر ماضية في ترسيخ دورها كفاعل محوري بارز في استقرار فضاء الساحل الإفريقي ، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أمن المنطقة وتنميتها مساران متلازمان لا يمكن فصلهما.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا