شرعت وزارة الدفاع الوطني في إطلاق أول عملية ميدانية لتنظيف أحد أخطر مواقع التفجيرات النووية التي نفذتها فرنسا الاستعمارية في صحراء الجنوب مطلع ستينيات القرن الماضي.
وانطلقت العملية في منطقة إن ايكر بولاية تمنراست، وتحديدًا في موقع تاوريرت تان افلا، حيث وقع التفجير النووي الشهير المعروف باسم بريل سنة 1962، وفق ما ورد في تقارير وكالة الأنباء الجزائرية وملفات أرشيفية نشرتها صحيفة لوموند الفرنسية حول التجارب النووية في الصحراء الجزائرية.
وفي السياق ذاته، تؤكد المعطيات التاريخية أن تجربة بريل كانت من أخطر التفجيرات تحت الأرض، بعدما تسربت كميات من الغازات والمواد المشعة إلى السطح نتيجة فشل تقني في احتواء الانفجار. وتشير تقارير منشورة في صحيفة لوفيغارو الفرنسية وملفات أرشيف وزارة الدفاع الفرنسية إلى أن قوة الانفجار بلغت ما يعادل 150 ألف طن من مادة تي إن تي، ما تسبب في تلوث طويل الأمد بالتربة والصخور، مع تسجيل وجود عناصر مشعة مثل السيزيوم 137 والبلوتونيوم.
من جهة أخرى، باشرت فرق جزائرية متخصصة عملية جمع النفايات الملوثة وتخزينها داخل حاويات إسمنتية مخصصة وفق معايير أمنية دقيقة، في خطوة وصفت بأنها الأولى من نوعها فوق هذا الموقع تحديدًا. وتعتمد العملية على خبرات وطنية وتجهيزات محلية، بعد عقود من الدراسات والمتابعة، في ظل غياب خرائط دقيقة ومعلومات أرشيفية كاملة من الجانب الفرنسي، وهو ما عقد مهمة تحديد النقاط الأكثر خطورة في محيط التفجيرات.
وفي هذا الإطار، يعيد هذا التحرك الرسمي فتح ملف ثقيل طالما طالبت الجزائر بتسويته بشفافية وعدالة. فقد بدأت فرنسا أولى تجاربها النووية في رقان يوم 13 فيفري 1960 تحت اسم اليربوع الأزرق، تبعتها تفجيرات أخرى حملت أسماء اليربوع الأبيض والأحمر والأخضر، حسب وثائق تاريخية أوردها المركز الفرنسي للأرشيف العسكري. ولم تستهدف تلك التفجيرات فقط الأرض، بل خلفت أضرارًا بشرية وبيئية ما تزال آثارها قائمة في الجنوب الجزائري.
كما يرى مختصون في القانون الدولي أن هذه التجارب تشكل جريمة تاريخية في حق الإنسان والبيئة، نظرًا لإجرائها في أرض مستعمرة ومن دون مراعاة لسلامة السكان المحليين. وتؤكد شهادات ناجين نقلتها تقارير إعلامية فرنسية وجزائرية أن العديد من العمال والسكان تعرضوا لإشعاعات مباشرة دون حماية كافية.
في النهاية تبدو عملية التنظيف الحالية أكثر من مجرد إجراء تقني، فهي رسالة سيادية تؤكد أن الجزائر ماضية في مواجهة الإرث السام للاستعمار الفرنسي، ومطالبة بكشف الحقيقة كاملة وتعويض الضحايا، حتى لا تبقى صحراء الجنوب شاهدة صامتة على واحدة من أخطر جرائم القرن العشرين.
المصدر:
الإخبارية