يعيش قرابة مليوني جزائري واقعا صحيا قاسيا بسبب إصابتهم بأمراض نادرة ، ما يعادل 4.5% من إجمالي السكان، هذه النسبة المرتفعة تضع الجزائر أمام تحد صحي واقتصادي واجتماعي كبير، خاصة في ظل منظومة صحية تكافح لمواكبة التطورات العلاجية والتشخيصية الحديثة.
على الصعيد العالمي، تم تشخيص حوالي 7 آلاف مرض نادر يعاني منها 300 مليون شخص عبر العالم، ما يجعل هذه الفئة من الأمراض قضية صحية عامة لا تقل أهمية عن الأوبئة المعروفة، وتتطلب استجابة عاجلة ومنسقة على المستويين الوطني والدولي.
وفي يوم إعلامي استثنائي نظمته “NHS MediaCom” بالتعاون مع مخابر “Novuspharm”، اجتمع نخبة من الخبراء والأطباء الجزائريين لتقديم صورة شاملة ومفصلة عن واقع الأمراض النادرة في الجزائر، وقدم كل من البروفيسور عز الدين مكي، رئيس قسم طب الأطفال بمستشفى نفيسة حمود الجامعي سابقا، والبروفيسور فريد هدوم، رئيس قسم أمراض الكلى بمستشفى مصطفى باشا الجامعي، والبروفيسور سليم نكال، رئيس قسم أمراض الدم في مستشفى إسعد حسني الجامعي ببني مسوس، مداخلات غنية ومعمقة حول مختلف جوانب هذه الإشكالية الصحية المعقدة.
زواج الأقارب.. السبب الرئيس وراء انتشار الأمراض الوراثية
واستهل البروفيسور مكي مداخلته بلمحة عامة عن الأمراض النادرة في الجزائر، مركزا بشكل خاص على ظاهرة زواج الأقارب التي تبلغ نسبتها 23% وفقا للمكتب الوطني للإحصاء، هذه النسبة المرتفعة تفسر إلى حد كبير انتشار الأمراض الوراثية في المجتمع الجزائري، حيث أكد مكي أن 80% من الأمراض النادرة ذات أصل وراثي.
وأوضح الطبيب أن أطباء الأطفال يشكلون الخط الأول والأهم في عملية التشخيص المبكر، نظرا لأن 75% من أعراض الأمراض النادرة تظهر قبل سن العامين، أي لدى الأطفال الرضع، والأخطر من ذلك أن 35% من هذه الأمراض تكون مميتة قبل بلوغ الطفل عامه الأول، بينما 25% منها تؤدي إلى إعاقة شديدة تؤثر على جودة حياة الطفل وعائلته طوال العمر.
وكشف مكي عن حقيقة صادمة: فقط 4% من الأمراض النادرة تم تطوير علاج لها، ما يعني أن الغالبية العظمى من هذه الأمراض تصنف ضمن “الأمراض اليتيمة”، أي الأمراض التي لا تتوفر لها علاجات محددة، ما يجعل المرضى وعائلاتهم في مواجهة مباشرة مع المجهول والألم اليومي.
أمثلة واقعية عن أمراض نادرة منتشرة في الجزائر
وقدم البروفيسور الجزائري أمثلة محددة عن أشهر الأمراض النادرة المنتشرة في الجزائر ومنها التليف الكيسي مرض وراثي يصيب الجهاز التنفسي والهضمي، والهيموفيليا يصيب تخثر الدم، وجفاف الجلد المصطبغ أو ما يعرف بـ”أطفال القمر”، وهشاشة العظام الوراثية ويصيب تكوين العظام، واضطرابات نقص المناعة الأولية تصيب الجهاز المناعي ما يجعل المصابين عرضة للعدوى المتكررة والخطيرة.
التشخيص.. رحلة طويلة من المعاناة والتيه
وتناول البروفيسور الجزائري فريد هدوم واحدة من أكبر التحديات التي يواجهها المرضى وأطباؤهم: صعوبة وتعقيد التشخيص، وأكد أن الاستكشافات الجينية التي تعد الوسيلة الأكثر دقة لتشخيص الأمراض النادرة لا تزال غير متوفرة بشكل كاف في الجزائر، موضحا أن الأطباء الجزائريين يعتمدون حاليا بشكل أساس على ثلاثة أنواع من الفحوصات: السريري، الكيميائي والنسيجي.
ونتيجة لهذا القصور، يعاني المرضى مما يعرف بـ”التيه التشخيصي” أو “رحلة التشخيص الطويلة”، حيث يمكن أن تمر سنوات قبل أن يحصل المريض الجزائري على تشخيص صحيح، وخلال هذه الفترة قد يتلقى المريض علاجات خاطئة أو غير ملائمة، ويجبر العديد من العائلات الميسورة الحال على السفر إلى الخارج طلبا للتشخيص والعلاج، موضحا أن التشخيص قبل الولادة بدأ يتوفر حاليا في الجزائر.
إنجازات تنظيمية مهمة رغم التحديات المالية الضخمة
وانتقل البروفيسور سليم نكال إلى الحديث عن الإنجازات التنظيمية والتشريعية التي حققتها الجزائر في السنوات الأخيرة، وأبرز هذه الإنجازات هو توسيع قائمة الأمراض النادرة المعترف بها رسميا من 32 مرضا فقط إلى 109 مرض، وذلك بموجب مرسوم وزاري صادر في 6 نوفمبر 2024.
هذا التوسع الكبير في القائمة يعني أن آلاف المرضى الجزائريين أصبحوا الآن مؤهلين قانونيا للحصول على علاجات مجانية وعلى تكفل صحي شامل من الدولة، والأهم من ذلك أن هذه العلاجات توفر مجانا حتى للمرضى غير المؤمنّين اجتماعيا، ما يمثل خطوة مهمة نحو العدالة الصحية، وأوضح نكال أن القائمة الحالية لا تضم فقط 109 أمراض منفصلة، بل تتضمن أيضا “مجموعات أمراض” أو “عائلات مرضية”، بحيث أن كل بند قد يشمل 5 إلى 7 أمراض متقاربة، ما يعني أن العدد الفعلي للأمراض المعترف بها يصل إلى حوالي 159 مرض.
ومن بين الأمراض التي كانت غائبة عن القائمة الأولى للعام 2013 ثم أضيفت لاحقا: الهيموفيليا، الثلاسيميا، مرض غوشيه وأمراض نادرة أخرى، وأشار البروفيسور نكال إلى أن القائمة الأولى للعام 2013 كانت تتضمن أمراضا لا تعتبر نادرة بالمعنى الدقيق، مثل السكري، ما يعكس الارتباك الذي كان سائدا آنذاك في تحديد معايير الأمراض النادرة.
45 مليار دينار.. ميزانية ضخمة لكنها غير كافية
وكشف نكال أن الحكومة خصصت ميزانية ضخمة قدرها 45 مليار دينار جزائري للتكفل بالأمراض النادرة خلال سنة 2025، ما يعكس إدراك السلطات لخطورة الوضع والتزامها بتحسين التكفل بهذه الفئة من المرضى، لكن نكال حذر من أن هذه الميزانية تبقى غير كافية لتغطية التكلفة الحقيقية للعلاجات المبتكرة للأمراض النادرة والتي تعد من بين الأدوية الأغلى في العالم.
أسعار خيالية للعلاجات.. التحدي الأكبر
وقدم البروفيسور نكال أمثلة صادمة عن تكاليف العلاجات، العلاج الجيني للهيموفيليا حقنة واحدة تكلف 2.8 مليون دولار أمريكي. هذا العلاج، الذي تم تطويره مؤخرا، يمكنه أن يشفي المريض نهائيا من الهيموفيليا B، لكن سعره الخيالي يجعله بعيد المنال عن معظم الدول النامية، بما فيها الجزائر، وعقار Soliris أحد أغلى الأدوية في العالم، يستخدم لعلاج بعض أمراض الدم النادرة. تكلفته السنوية للمريض الواحد تتراوح بين 500 ألف دولار إلى مليون دولار.
وأشار البروفيسور نكال إلى أنه عالج مريضا من إحدى المؤسسات الكبرى بهذا الدواء، ما يعكس الأعباء المالية الهائلة التي تتحملها المنظومة الصحية، وأدوية الهيموفيليا التقليدية رغم أنها أقل تكلفة من العلاج الجيني، إلا أنها تبقى باهظة الثمن وتحتاج إلى استخدام مستمر مدى الحياة.
الخطة الوطنية.. طموح كبير ومحاور شاملة
وأمام هذه التحديات الهائلة، أعدت السلطات الصحية الجزائرية خطة وطنية شاملة للتكفل بالأمراض النادرة، تستند إلى قرار الأمم المتحدة للعام 2021 الذي يدعو الدول إلى دمج الأمراض النادرة في السياسات الصحية الوطنية، ونظرا لأن 80% من الأمراض النادرة وراثية و23% من الزيجات في الجزائر هي زيجات بين أقارب، فإن المشورة الجينية تصبح ضرورة ملحة، لكن تفعيل هذه المشورة يتطلب تعاونا بين قطاعات مختلفة، بما فيها وزارتا العدل والشؤون الدينية والبرلمان، وأكد مكي أن 96% من الأمراض النادرة لا تتوفر لها علاجات وتكون مميتة، ما يجعل الوقاية من خلال المشورة الجينية وتجنب زواج الأقارب استراتيجية حيوية.
التوعية والتحسيس الإعلامي
دعا المتدخلون وسائل الإعلام إلى القيام بدور أكبر في التوعية بالأمراض النادرة، وفي نقل معاناة المرضى وأسرهم إلى الرأي العام وصناع القرار، كما شددوا على الدور المحوري لجمعيات المرضى في تحسين التكفل بالأمراض النادرة.
تشجيع الإنتاج الوطني للأدوية
وأكد المتدخلون على أهمية تطوير صناعة دوائية وطنية قادرة على إنتاج بعض الأدوية المخصصة للأمراض النادرة محليا، هذا من شأنه أن يخفض التكاليف بشكل كبير ويضمن استدامة التوريد، حيث أشار البروفيسور الجزائري إلى تحسن ملحوظ في الوعي الطبي بالأمراض النادرة، خاصة منها التي كانت غير معروفة تقريبا قبل سنوات.
“Novuspharm” نموذجا
وفي ظل هذا السياق المعقد، يبرز دور شركات الأدوية الوطنية كعامل حاسم في تحقيق السيادة الصحية وتخفيض تكاليف العلاج، فشركة “Novuspharm” أصبحت رائدة في قطاع الأدوية بالجزائر، ونجحت في تحقيق توطين إنتاج 5 أدوية حيوية مماثلة لعلاج تسعة أمراض نادرة.
وتعمل “Novuspharm” وفق معايير الجودة والسلامة الدولية، ما يضمن أن الأدوية المنتجة محليا تطابق المعايير العالمية، وتطمح الشركة إلى توسيع نطاق إنتاجها لتغطية المزيد من احتياجات المرضى بالأمراض النادرة، وإلى تطبيق عملية صناعية متكاملة تشمل جميع مراحل الإنتاج.
المصدر:
الإخبارية