● نونيز يرضخ لواقعية الجزائر:
● كيف تحوّلت الشروط الفرنسية المتعالية إلى مجرد ضجيج داخلي؟
الجزائرالٱن _ في أقل من أسبوع واحد، انتقل وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز من رجل يضع شروطاً مسبقة لزيارة الجزائر، إلى وزير يحجز تذكرة السفر إلى الجزائر دون أن تتحقق أيٌّ من تلك الشروط. هذا ما تكشفه الوقائع المتسلسلة، وهي وقائع تفضح استراتيجية فرنسية باتت مكشوفة: إطلاق التصريحات العالية النبرة للاستهلاك الداخلي، ثم التراجع بصمت في الميدان.
● الشروط التي أُعلنت بصوت عالٍ
في مطلع فيفري 2026، وقبل أيام فقط من موعد الزيارة المرتقبة، وقف وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز أمام الكاميرات ليُعلن بحزم أن زيارته إلى الجزائر مشروطة بأمرين لا تنازل عنهما:
1 ـ الإفراج الفوري عن الصحفي الفرنسي كريستوف غليز، المحتجز في الجزائر.
2 ـ استئناف الجزائر استقبال مواطنيها الصادرة بحقهم قرارات الطرد من فرنسا.
لم تكن هذه تصريحات عابرة في برنامج حواري. كانت مواقف معلنة أمام القنوات الفرنسية الكبرى، يُؤطّرها نونيز بوصفها “خطوطاً حمراء” لا يمكن تجاوزها، في خطاب يستهدف الرأي العام الداخلي المحتقن من ملف الهجرة، ويُوحي بأن فرنسا باتت لا تقبل المساومة في ملفاتها السيادية.
● الوقائع التي جاءت فاضحة
بعد أيام قليلة فحسب، وتحديداً في 13 فيفري 2026، كشفت قناة “العربية الحدث” استناداً إلى مصادرها أن نونيز سيزور الجزائر يومَي 16 و17 من الشهر ذاته، وهذا ما أكدته لاحقا مختلف وسائل الإعلام الفرنسية.
الزيارة باتت رسمية ومؤكدة، وعليه نطرح السؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي تغيّر؟
● الجواب الذي تكشفه الوقائع: لا شيء
كريستوف غليز لا يزال خلف القضبان في الجزائر. الجزائر لم تُعلن أي تغيير في موقفها من ملف الترحيل. لم يصدر أي بيان مشترك، ولا تسرّبت أي تفاهمات دبلوماسية تكشف عن تقدّم في المسارَين. وما جرى فعلياً ليس أكثر من اتصال هاتفي بين نونيز ونظيره الجزائري سعيد سعيود، أعلن على إثره عن الزيارة.
● كرونولوجيا موعد الزيارة الحدث
ـ ديسمبر 2025 التأجيل الأول للزيارة بسبب “غياب حد أدنى من التفاهمات السياسية”
ـ 15 جانفي 2026: التأجيل الثاني للزيارة لأسباب مماثلة
ـ مطلع فيفري 2026: نونيز يعلن علناً شرطَين مسبقَين: الإفراج عن غليز واستئناف الترحيل
ـ 13 فيفري 2026 إعلان الزيارة ليومَي 16-17 فيفري، دون تحقيق أي من الشرطين
● سابقة رويال التي يُريد نونيز إخفاءها
ما يجعل هذه المشهد أكثر إحراجاً لنونيز هو ما جرى قبل أسابيع قليلة. حين زارت سيغولين رويال، المترشحة الرئاسية السابقة، الجزائر في إطار مساعٍ لفتح قنوات التواصل، انبرى نونيز لانتقادها بشدة، واصفاً نهجها بأنه “استسلام” وتجاوز للخطوط الدبلوماسية.
والمفارقة اللاذعة أنه اليوم يُقدم على الخطوة ذاتها التي أدانها: يزور الجزائر دون شروط مُحققة، بعد أن هاجم رويال على وجه التحديد لأنها تُفاوض دون ضمانات مسبقة.
● لماذا يحتاج نونيز إلى الجزائر أكثر مما تحتاجه؟
لفهم سبب هذا التراجع المتسارع، لا بد من استيعاب طبيعة الاحتياج الفرنسي. نونيز نفسه اعترف علناً بأن فرنسا لم تعد تُقيم أي تبادل أمني مع الجزائر، واصفاً هذا الواقع بأنه “مشكلة كبيرة جداً”.
وهو ما يكشف أن العلاقات بين البلدين انتكست إلى درجة باتت معها باريس تفتقر إلى أي شريك أمني في المنطقة المغاربية يملك ثقل الجزائر وحضورها الاستخباراتي وعمق شبكاتها الأمنية في منطقة الساحل وشمال إفريقيا.
أضف إلى ذلك ملف الهجرة الذي يُقضّ مضجع الحكومة الفرنسية: فكل يوم تمر دون تعاون جزائري في هذا الملف يعني ضغطاً سياسياً داخلياً متصاعداً لا يستطيع نونيز تحمّل تكاليفه.
والمفارقة أن الضغط الفرنسي لاستئناف الترحيل ـ وهو الشرط الأول الذي أعلنه ـ ينقلب سلاحاً في يد الجزائر: فالجزائر تعلم أن باريس بحاجة ماسة إلى هذا الملف، وبالتالي لن تمنحه مجاناً.
● الجزائر وفن الصبر الدبلوماسي
لا تحتاج الجزائر إلى التعليق على ما يجري؛ الأحداث تتكلم عنها. منذ تصاعد التوتر الدبلوماسي الذي خلّفته أزمة تصريحات الرئيس ماكرون، انتهجت الجزائر سياسة مزدوجة: الصمود في مواقفها الثابتة، وإبقاء الباب موارباً دون التخلي عن ورقة الضغط.
ولم يمر وزيران فرنسيان للداخلية دون أن يُعلنا نية الزيارة ثم يُؤجلاها، بينما لم تُبدِ الجزائر أي قلق ظاهر.
والنتيجة اليوم تؤكد المنطق الجزائري: إذا أردت الحوار، فأنت من يتحرك نحوي. وهذا بالضبط ما سيحدث حين تحطّ طائرة نونيز في مطار هواري بومدين.
● دبلوماسية الضجيج الفارغ
ما جرى يكشف عن نمط راسخ في الأداء الدبلوماسي الفرنسي تجاه الجزائر: تصريحات متعالية للاستهلاك الداخلي، ثم تراجع هادئ أمام صمود جزائري ثابت.
كان الوزير يُعلن شروطه أمام الكاميرات لأنه يخاطب الناخب الفرنسي، لا لأنه يؤمن فعلاً بإمكانية فرضها. وحين اصطدم بصخرة الموقف الجزائري، آثر الواقعية ساكتاً على شروطه.
المشكلة أن هذه الاستراتيجية لها ثمن مزدوج: فهي تُفقد فرنسا مصداقيتها في الجزائر، وتُفقد نونيز مصداقيته أمام الرأي العام الفرنسي الذي وُعد بـ”الحزم” وسيرى الـ”رضوخ”.
ومن يخسر في نهاية المطاف هو من رفع الصوت دون أن يملك أوراق الضغط الكافية.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة