عندما أقرأ ما يكتب في جدوى المشاريع الكبرى، خاصة مشروع السكة الحديدية بشار تندوف نحو غار جبيلات وايضا استغلال المنجم، أشعر أن النقاش يُطرح أحيانًا بعاطفة أو انطباع، لا بالأرقام والوقائع.
غار جبيلات ليس مجرد اسم في الجنوب، نحن نتحدث هنا عن منجم يحتوي على حوالي 3.5 مليار طن من خام الحديد. بهذا الحجم، السؤال ليس: هل ننجز المشروع أم لا؟ بل كيف نستغل هذه الثروة بطريقة ذكية وفعالة؟ أي شخص له أدنى معرفة بالاقتصاد أو اللوجستيك يعرف أن البنية التحتية تأتي أولاً.
لا يمكنك استخراج ملايين الأطنان سنوياً ثم نقلها بالشاحنات عبر آلاف الكيلومترات. هذا مكلف، غير عملي، وخطير على المدى الطويل. في كل دول العالم، عندما يتعلق الأمر بالمواد الخام الثقيلة، السكك الحديدية هي الحل الطبيعي: أقل تكلفة، أكثر أمانًا، وأكثر استدامة.
هناك نقطة مهمة اخرى، السكة الحديدية نحو الجنوب لها قيمة استراتيجية واقتصادية حتى لو تركنا استغلال المنجم جانبا، نحن نتحدث عن ربط مناطق واسعة من الوطن كانت معزولة لوجستياً، فتح أسواق جديدة، تسهيل التبادل التجاري، نقل الركاب، وخلق فرص استثمارية على امتداد الخط.
البنية التحتية ليست مجرد وسيلة لخدمة مشروع واحد، بل هي في حد ذاتها محرك تنمية مستقل، انظر إلى كل الدول التي طورت مناطقها النائية، ستجد أن السكك الحديدية كانت دائماً الخطوة الأولى، حتى قبل معرفة كل الموارد التي ستُستغل لاحقاً كان هذا في سيبيريا الروسية وفي الغرب الامريكي.
ربط الشمال بالجنوب ليس فقط هدف سياسي، هو ربط اقتصادي حقيقي، هذا الخط الحديدي لن ينقل الحديد فقط، بل سينقل الناس، السلع، والخدمات. سيخلق حياة اقتصادية على امتداده: محطات، ورشات، خدمات، تجارة، واستثمارات محلية، بهذه الطريقة، الجنوب الكبير لا يبقى معزولًا، بل يصبح جزءًا فعليًا من الدورة الاقتصادية للبلاد، حتى من الزاوية الأمنية، وجود بنية تحتية قوية في الجنوب ليس تفصيلًا.
التنمية الدائمة أقوى من أي انتشار ظرفي، .عندما تكون هناك حركة اقتصادية، وظائف، واستقرار سكاني، تصبح المراقبة أسهل والحضور السيادي أقوى.
الدول الحديثة لا تحمي حدودها فقط بالسلاح، بل بالتنمية والحضور الاقتصادي المستمر. اقتصاديًا، الأمر واضح جدًا.
الجزائر تستورد كميات كبيرة من الحديد والفولاذ بالعملة الصعبة، استغلال غار جبيلات يعني تقليص هذه الواردات، خلق قيمة مضافة محلية، ثم التوجه لاحقًا للتصدير خاصة اذا تم تحويله، هذا يعني وظائف مباشرة وغير مباشرة، وصناعات مرتبطة بالنقل، التحويل، والخدمات. هذا النوع من المشاريع لا يعطي عائدًا واحدًا، بل عوائد متراكمة عبر سنوات.
أخيرا على المستوى الدولي، مشاريع بهذا الحجم تعطي إشارة واضحة، هذه دولة تخطط، تستثمر، وتنفذ رغم صعوبة الجغرافيا، وهذا بالضبط ما يبحث عنه المستثمر الجاد: رؤية طويلة المدى وقدرة على الإنجاز.. مبروك للجزائر.
المصدر:
البلاد