● أكاديمي فلسطيني: الجزائر لم تدعم فلسطين سياسيًا فقط بل ثوريًا
الجزائرالٱن _ يؤكد الدكتور الفلسطيني صالح الشقباوي، في مقال تحليلي، أن العلاقة بين الجزائر وفلسطين لا يمكن اختزالها في إطار التضامن السياسي التقليدي، بل هي علاقة عميقة الجذور ذات بعد تحرري وجودي، تشكلت في سياق الثورة الجزائرية، وانتقلت لاحقًا إلى الوعي الفلسطيني بوصفها نموذجًا ثوريًا وأخلاقيًا متكاملًا.
ويرى الشقباوي أن انتصار الثورة الجزائرية سنة 1962 لم يكن حدثًا وطنيًا معزولًا، بل لحظة مفصلية أعادت تعريف مفهوم الثورة باعتباره مشروعًا إنسانيًا عابرًا للحدود، وكان الفلسطينيون، وفي مقدمتهم رواد حركة “فتح”، أول من استوعب جوهر هذه التجربة واستلهم معانيها.
● الجزائر بعد الاستقلال: الثورة كمشروع إنساني ممتد
ويشير الأكاديمي والمحلل السياسي الفلسطيني إلى أن جبهة التحرير الوطني الجزائرية، بعد الاستقلال، لم تتعامل مع الثورة كحدث منتهٍ، بل كمسار متواصل، وهو ما انعكس بوضوح في الموقف الجزائري من القضية الفلسطينية، الذي تأسس على ثلاث ركائز مركزية:
ـ اعتبار فلسطين امتدادًا طبيعيًا للثورة الجزائرية.
ـ اعتبار تحرير فلسطين واجبًا أخلاقيًا وثوريًا.
ـ الإيمان بأن الثورة لا تتجزأ، وأن استكمال تحرير الجزائر لا يتحقق دون تحرير فلسطين.
وانطلاقًا من هذا التصور، لم يكن الدعم الجزائري لحركة “فتح” دعمًا سياسيًا ظرفيًا، بل انخراطًا وجوديًا في مشروع التحرر الفلسطيني.
● هواري بومدين .. التأسيس العملي لانطلاقة فتح
يتوقف الشقباوي عند الدور المحوري الذي لعبه الرئيس الراحل هواري بومدين، حين كان رئيسًا لأركان الجيش الجزائري، مؤكدًا أنه أدرك مبكرًا أن الشعب الفلسطيني يعيش مرحلة ما قبل الثورة، على غرار ما عاشه الجزائريون قبل اندلاع ثورة نوفمبر 1954.
وفي هذا الإطار، يشير إلى أن الدعم الجزائري شمل أبعادًا متعددة:
الدعم العسكري: تمثّل في إصدار أوامر مباشرة لضباط الجيش الجزائري في سوريا ولبنان وليبيا وتونس بفتح مستودعات السلاح وتسليمها لرواد “فتح”، إضافة إلى تزويد الحركة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة دون شروط سياسية، ونقل خبرات حرب العصابات والعمل الفدائي السري.
الدعم المالي: حيث قُدم دعم مالي مباشر مكّن “فتح” من بناء نواتها التنظيمية الأولى، وتمويل عمليات التدريب والتسليح، وتأمين شبكاتها السرية، والمساهمة في تأسيس مؤسسة شهداء فلسطين.
الدعم السياسي والمعنوي: ويشمل منح الشرعية الثورية لحركة “فتح” قبل الاعتراف العربي الرسمي بها، والتعامل مع ياسر عرفات وقيادة الحركة كممثلين شرعيين للشعب الفلسطيني، وصولًا إلى الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلًا شرعيًا ووحيدًا للشعب الفلسطيني سنة 1973 خلال قمة الرباط، وهي اللحظة التي يستحضرها الشقباوي بوصفها محطة حاسمة في تثبيت هذا المسار.
● نصائح ما قبل الرصاصة الأولى
ويكشف الشقباوي أن قيادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية قدمت جملة من النصائح المفصلية لقيادة “فتح” قبل انطلاق العمل المسلح، أبرزها ضرورة البدء بالثورة بشكل مستقل دون انتظار إجماع عربي، وبناء التنظيم قبل إطلاق الرصاصة الأولى، والتحذير من التبعية، والتأكيد على أن تكون الجماهير الشعبية الحاضنة الحقيقية للثورة.
ويشير إلى أن ياسر عرفات التزم بهذه التوجيهات، فجاءت انطلاقة الكفاح المسلح سنة 1965 بقرار فلسطيني مستقل.
● فتح والتجربة الجزائرية .. استلهام لا استنساخ
يوضح الشقباوي أن حركة “فتح” لم تنسخ التجربة الجزائرية حرفيًا، بل استوعبت روحها التحررية، حيث أعادت تكييف الكفاح المسلح بما يتلاءم مع خصوصية الجغرافيا الفلسطينية، وطورت مفهوم العمل الفدائي العابر للحدود، وجمعت بين البندقية والعمل السياسي في آن واحد.
ويعتبر أن هذا التوازن يعكس فهم ياسر عرفات لطبيعة الثورة باعتبارها فعلًا حيًا متحولًا، لا نموذجًا جامدًا.
● الأثر الفلسفي الجزائري في وعي ياسر عرفات
على المستوى الفكري، يرى الشقباوي أن التجربة الجزائرية أثرت بعمق في وعي ياسر عرفات، خاصة من خلال ثلاث أفكار مركزية:
ـ اعتبار التحرر فعلًا وجوديًا كما طرحه فرانز فانون.
ـ النظر إلى العنف الثوري كضرورة تاريخية.
ـ التأكيد على أن الهوية تُستعاد بالفعل لا بالخطاب.
وبهذا، أعاد عرفات تعريف الفلسطيني من لاجئ ينتظر الحل إلى فاعل تاريخي يصنع مصيره.
● من بومدين إلى تبون: استمرارية الموقف الجزائري
ويرى الشقباوي أن الرئيس عبد المجيد تبون يجسد الامتداد الطبيعي للموقف الجزائري التاريخي من فلسطين، من خلال دعمه الثابت لحركة “فتح”، واعترافه بدورها القيادي في المشروع الوطني الفلسطيني، إضافة إلى رعاية المصالحة الفلسطينية واستضافة الحوارات بين الفصائل، والعمل على إنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية.
● فلسطين في الجزائر: إجماع الدولة والشعب
ويؤكد الشقباوي أن الجزائر تتميز عن غيرها بغياب أي تناقض بين الموقف الرسمي والموقف الشعبي تجاه فلسطين، حيث تحضر القضية الفلسطينية في وجدان الشعب، وفي خطاب الدولة، وفي المناهج التعليمية، وفي الثقافة والذاكرة الجماعية، وهو ما يمنح الموقف الجزائري شرعية أخلاقية وتاريخية خاصة.
ويخلص الدكتور صالح الشقباوي إلى أن العلاقة بين الجزائر وفلسطين ليست علاقة مصالح ظرفية، بل علاقة دم وثورة ومصير مشترك. ويؤكد أن الجزائر شكلت العمق الثوري الأول لانطلاقة حركة “فتح”، ليس فقط عبر السلاح والمال، بل من خلال الوعي والشرعية والفلسفة التحررية، معتبرًا أن الجزائر، كما حررت أرضها بالبندقية، أسهمت في إعادة الفلسطيني إلى موقع الفاعل في التاريخ، لا الضحية.
المصدر:
الجزائر الآن
مصدر الصورة