آخر الأخبار

عندما يصبح الاحتفال بانتصارات الخضر جريمة!

شارك
بواسطة محمد،قادري
صحفي جزائري مختص في الشأن السياسي الوطني و الدولي .
مصدر الصورة
الكاتب: محمد،قادري

عندما يصبح الاحتفال بانتصارات الخضر جريمة!

الجزائرالٱن _ تعكس مقالة الصحافية سيلين بينا في لوفيغارو نموذجاً متكرراً في الخطاب الإعلامي الفرنسي، الذي يسعى لتحويل ظاهرة اجتماعية عابرة إلى أزمة وجودية، واستخدام كرة القدم كمدخل لإعادة إنتاج خطاب الخوف من “الآخر”.

المقال يستحق قراءة نقدية تفكك منطقه وتكشف مغالطاته.

● الرياضة كمرآة انتقائية للولاء

يفترض المقال أن احتفال فرنسيين من أصول جزائرية بفوز المنتخب الجزائري دليل على فشل اندماجهم.

هذا المنطق ينهار أمام واقع بسيط، يؤكد أنّ الجاليات الأوروبية في فرنسا تحتفل بانتصارات منتخبات أصولها منذ عقود دون أن يُعتبر ذلك تهديداً للهوية الفرنسية.

البرتغاليون والإيطاليون والإسبان يرفعون أعلامهم في الشوارع الفرنسية، لكن أحداً لا يربط ذلك بـ”ضغط الهجرة” أو يشكك في ولائهم.

التمييز واضحن فعندما عندما يكون المحتفلون من أصول أوروبية، فهو تعبير ثقافي مشروع، وعندما يكون المحتفلون من أصول مغاربية، يتحول إلى مؤشر خطر. هذا الازدواج في المعايير ليس صدفة، بل جوهر الإشكالية.

● اختزال قضية الاندماج في معادلة كمية خاطئة

ربط المقال مباشرة بين “ضغط الهجرة” واستحالة الاندماج يعكس فهماً سطحياً للظاهرة. الاندماج ليس معادلة رياضية تتناسب عكسياً مع عدد الوافدين، بل عملية معقدة تتأثر بسياسات الدولة، والعدالة الاجتماعية، وجودة الخطاب العام.

كندا وألمانيا تستقبلان أعداداً كبيرة من المهاجرين وتحقق نسب اندماج أفضل بكثير. السبب؟ سياسات واضحة تعترف بالتنوع كقوة لا كتهديد، وخطاب إعلامي وسياسي لا يصنف المواطنين إلى درجات بناءً على أصولهم.

عندما يواجه شاب فرنسي من أصول جزائرية التمييز في التوظيف رغم كفاءته، وعندما يُرفض طلب سكنه بسبب اسمه، وعندما يقرأ يومياً مقالات تصفه بالدخيل، كيف نتوقع منه أن “يندمج” في مجتمع يرفضه؟

● الذاكرة الانتقائية للتاريخ

المقال يتجاهل عمداً السياق التاريخي للعلاقة الفرنسية-الجزائرية. 132 عاماً من الاستعمار، حرب تحرير دموية، ملايين الجزائريين الذين بنوا فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية ثم عوملوا كمواطنين من الدرجة الثانية – كل هذا محو من المعادلة.

الاحتفال بانتصارات المنتخب الجزائري بالنسبة للجيل الثاني والثالث ليس رفضاً لفرنسا، بل تمسكاً بجذور يشعرون أن المجتمع الفرنسي نفسه يذكرهم بها باستمرار عبر النظرة الدونية والتمييز الممنهج.

● تضخيم الهامشي وتجاهل الجوهري

بعض الحوادث المؤسفة التي تحدث أحياناً بعد المباريات تُستخدم لوصم مجموعة بأكملها. هذا المنطق نفسه، لو طُبق على أحداث الشغب التي تلي مباريات الأندية الفرنسية، أو سلوكيات المشجعين الفرنسيين في البطولات الدولية، لكان يجب أن نشكك في “اندماج” الفرنسيين أنفسهم.

الواقع أن الغالبية الساحقة من الفرنسيين من أصول جزائرية يحتفلون بسلمية، يعملون، يدفعون الضرائب، يساهمون في الاقتصاد والثقافة والرياضة. لكن هذه الصورة لا تصنع عناوين صحفية مثيرة، ولا تخدم أجندة سياسية معينة.

● مسؤولية الخطاب الإعلامي في صناعة الانقسام

المقالات من هذا النوع لا تحلل المشكلة، بل تساهم في تفاقمها. عندما يقرأ شاب فرنسي من أصول جزائرية أن وجوده ذاته يُعتبر “ضغطاً” وأن احتفاله بجذوره دليل على خطره، كيف نتوقع منه أن يشعر بالانتماء؟

الخطاب الذي يربط الهجرة بالجريمة، والتنوع بالخطر، والاحتفال الثقافي بالتهديد الأمني، هو خطاب يصنع الانقسام الذي يدعي محاربته. إنه نبوءة تحقق ذاتها: نعامل مجموعة كغرباء، ثم نتهمها بعدم الاندماج.

● الطريق المسدود

المقال يقدم تشخيصاً بلا علاج، أو بالأحرى يقدم علاجاً واحداً ضمنياً: تقليل “ضغط الهجرة”، أي إغلاق الأبواب. لكن هذا يتجاهل أن معظم المحتفلين ليسوا مهاجرين جدداً، بل فرنسيون ولدوا في فرنسا، من آباء ولدوا في فرنسا أحياناً. المشكلة ليست في الحدود، بل في كيفية استقبال المجتمع لمواطنيه.

الاندماج الحقيقي يتطلب مجتمعاً يقبل التنوع كجزء من هويته، لا كتهديد لها. يتطلب سياسات عادلة في التعليم والتوظيف والسكن. يتطلب خطاباً إعلامياً مسؤولاً لا يصنع من الاستثناء قاعدة، ومن الهامشي جوهراً.

ويبقى التأكيد على أنّ الاحتفال بفوز منتخب رياضي ليس جريمة هوية، ولا دليل خيانة، ولا مؤشر فشل.

إنه ببساطة تعبير عن ارتباط عاطفي بجذور لا يُفترض أن تتعارض مع الانتماء للوطن الحالي. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يُجبر الناس على الاختيار بين هويتين كان يمكن أن تتعايشا، عندما يُصنفون كمواطنين مشكوك في ولائهم لمجرد أن أصولهم لا تناسب تعريفاً ضيقاً للهوية الوطنية.

فرنسا والجزائر مرتبطتان بتاريخ معقد ومؤلم، لكنهما أيضاً مرتبطتان بملايين البشر الذين يحملون البلدين في قلوبهم. النظر إلى هؤلاء كجسر بدلاً من تهديد قد يكون بداية الحل، لا إغلاق المزيد من الأبواب.

شارك

الأكثر تداولا اسرائيل إيران أمريكا اليمن

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا