تُعتبر آليس زينتر، الكاتبة الفرنسية ذات الأصول الجزائرية، واحدة من أبرز الأصوات الأدبية التي تتناول موضوع الحركى، الذين يُعتبرون رمزًا للعار والخيانة في الذاكرة الجزائرية. في روايتها “فن الفقد”، تسلط زينتر الضوء على التناقضات التي يعيشها هؤلاء الأفراد وتجارب عائلتها، معبرةً عن ما تصفه دائما “بمعاناة الحركى وصراع الهوية”.

الحركى: رمز للخيانة

تحاول الكاتبة زينتر وهي حفيدة الحركي، تضمين ما تصفه بمعاناة الحركى من جلدة أبيها، في رواية “فن الفقد”، ممن يحملون على جباههم وصمة عار، تروي الاخيرة قصة جدها الذي كان حركيًا، وكيف عانى من هذا الرفض الاجتماعي، مما ألقى بظلاله على الأجيال اللاحقة. تعيش البطلة، نعيمة، حالة من الضياع والبحث المحموم عن هويتها وسط هذا الإرث الثقيل، مما يبرز كيف أن صراعات الماضي لا تزال تؤثر على الحاضر وأن العار لا يموت، لاسيما لمن باعوا هويتهم ووطنيتهم من أجل كسب ود المستعمر الغاشم.

رحلة البحث عن الهوية!

تنطلق رحلة نعيمة في الرواية عندما تسعى لاستكشاف الجزائر، بلد والدها الذي لم يتحدث عنه، ربما لأن العار كان يخرس لسانه عن التعبير، هذا السعي يعكس الصراع الذي يعيشه العديد من أبناء المهاجرين، الذين يجدون أنفسهم بين ثقافتين دون فهم كامل لجذورهم. تجارب نعيمة تمثل تجسيدًا للصعوبات التي يواجهها الحركى، حيث يتم إقصاؤهم حتى من فرنسا ومن ذاكرة البلد الذي خدموه وباعوا أنفسهم لأجل عيونها، مما يوضح انعدام الانتماء والشتات الذي يمثل واقع هؤلاء الأفراد.

تتعمق زينتر في تصوير مشاعر الضياع والقلق التي تعيشها نعيمة، مما يجعل القارئ يشعر بالرحلة المأساوية التي تمر بها. إن البحث عن الهوية يصبح رحلة شاقة تتطلب شجاعة وإرادة قوية، حيث تحاول نعيمة إعادة بناء هويتها الممزقة بين ثقافتين متناقضتين، فلا تجد بنفسها مكانا لا في الجزائر ولا في فرنسا.

تأثير زينتر في الأدب الفرنسي

من خلال تناولها لموضوع الحركى، أصبحت آليس زينتر صوتًا مميزًا في الأدب الفرنسي، هكذا هو حال الادباء الذين يجلدون الجزائر تكرمهم فرنسا وترمي عليهم الورود وتغدقهم بالاموال والامتيازات، لكن يجب التأكيد على أن أعمالها لا تعكس سوى جانب واحد من القصة. بينما تسلط الضوء علىةما تحاول وصفه بالتاريخ المُغيَّب للحركى، فإن هذا لا يُبرر الخيانة التي ارتكبوها. “نجاح” روايتها “فن الفقد” دفعها إلى أن تكون جزءًا من النقاشات الأدبية حول الهوية والذاكرة، ولكن يتعين علينا أن نتساءل: هل يمكن لمثل هذه الروايات أن تعيد كتابة التاريخ، أم أنها تساهم في تبرير الخونة الذين ساهموا في معاناة شعب كامل؟

تمثل آليس زينتر جسرًا بين تاريخ الحركى المظلم وهويتهم المعقدة. من خلال كتاباتها، تُعيد زينتر بناء الذاكرة الجماعية وتفتح حوارًا حول قضايا الهوية المبتورة والانتماء الأجوف. إن أعمالها ليست مجرد سرد للمعاناة، بل هي دعوة للتفكير في كيفية تأثير الماضي على الحاضر. ومع ذلك، يجب أن نتذكر أن الجزائر، بتراثها المجيد ونضالها من أجل الحرية، أرفع من تبريرات الخونة. إن قصص هؤلاء الأفراد يجب أن تُروى فعلا لتبقى راسخة في المخيال وأن مثلما ضحى الملايين بأرواحهم من أجل هذا الوطن، هناك اقلية باعت نفسها ولا يزال يتجرع أحفادهم مرارة العار والخزي وستظل روايات الخزي تروى ولكن ليس على حساب إغفال معاناة معظم الشعب الجزائري، الذي دفع ثمنًا باهظًا من أجل استقلاله.

@ آلاء.ع