تطرق سفير جمهورية الصين الشعبية بالجزائر، لي جيان، إلى أهمية قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي 2024 المزمع عقدها بالعاصمة بكين يومي الثالث والرابع من شهر سبتمبر القادم، حيث اعتبر الموعد منصة هامة للحوار الجماعي وآلية فعالة للتعاون العملي بين الصين وإفريقيا، وينتظر منها أن تفتح مجالا جديدا لتطوير العلاقات الصينية الإفريقية، وتكتب فصلا جديدا في بناء المجتمع الصيني الإفريقي للمستقبل المشترك. وشدد في حوار مع "الخبر"، على أن "العلاقات الصينية الإفريقية حققت تقدما كبيرا وأظهرت آفاقا مشرقة جديدة"، مشيرا إلى أن التحديث الصيني النمط يوفر للدول النامية التي تأمل في الحفاظ على استقلالها، مع تسريع وتيرة التنمية، خيارا جديدا يختلف عن التحديث الغربي النمط.

السفير الصيني توقف في حواره عند مخرجات، مؤخرا، الدورة الكاملة الثالثة للجنة المركزية العشرون للحزب الشيوعي الصيني والتحديات التي تواجه الصين داخليا وخارجيا، كما توقف أيضا عند العلاقات الجزائرية الصينية ومستقبل التعاون بين البلدين على كل الأصعدة، السياسية والاقتصادية، وكذا التنسيق على مستوى مجلس الأمن، وأشاد في هذا السياق بالدور الذي تلعبه الجزائر لدعم القضية الفلسطينية، وفي الدفاع عن مصالح الدول العربية والإفريقية.

 

سَتُعقَد قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي 2024 في سبتمبر، فما المرتقب إنجازه، وما هي الملفات التي ستناقش في هذه القمة؟

ستعقد قمة منتدى التعاون الصيني الإفريقي 2024 في بكين، خلال الفترة من 4 إلى 6 سبتمبر القادم، ستقام سلسلة من الأنشطة، بما في ذلك مراسم الافتتاح ومأدبة ترحيب وعروض فنية، واجتماعات موازية رفيعة المستوى، ومؤتمر رجال الأعمال الصينيين والأفارقة والاجتماعات الثنائية. وإنه للمرة الثانية التي سيتم فيها التئام أسرة الصداقة الصينية الإفريقية الكبيرة في بكين بعد منتدى التعاون الصيني-الإفريقي لعام 2018، حيث ستركز الصين وإفريقيا على موضوع "التكاتف لدفع التحديث وإقامة المجتمع الصيني-الإفريقي للمستقبل المشترك على المستوى العالي"، لتجديد الصداقة ومناقشة سُبل التعاون ورسم خريطة المستقبل بشكل مشترك. وفي 2 و3 سبتمبر، سيعقد اجتماع كبار المسؤولين والاجتماع الوزاري للمنتدى لإجراء التحضيرات المعنية للقمة. وحتى الآن، لا تزال الصين وإفريقيا تحافظان على التواصل والتشاور الوثيقين بشأن التحضيرات المختلفة، لإنجاح هذه القمة التي تكتسي أهمية بالغة للجانبين.

فبعد أكثر من 20 عاما، أصبح المنتدى منصة هامة للحوار الجماعي وآلية فعالة للتعاون العملي بين الصين وإفريقيا، كما أصبح راية تقود التعاون الدولي مع إفريقيا في العصر الجديد. تلتزم الصين وإفريقيا دائما بوضع الشعوب في المقام الأول، والدفع بإقامة مجتمع ذي مستقبل مشترك أوثق بين الصين والدول الإفريقية. وأعتقد أن قمة هذا العام ستكلل بنجاح تام، بفضل الجهود المشتركة المبذولة من الجانبين الصيني والإفريقي، حيث ستفتح مجالا جديدا لتطوير العلاقات الصينية الإفريقية، وتكتب فصلا جديدا في بناء المجتمع الصيني الإفريقي للمستقبل المشترك.

 

عرفت العلاقات بين القارة الإفريقية والصين نموا متزايدا، كما أبدت دول متقدمة أخرى، كروسيا والولايات المتحدة واليابان والاتحاد الأوروبي، اهتماما بإفريقيا، كيف ترى الصين مستوى علاقاتها مع القارة الإفريقية، وما هي مقاربتها لتطوير هذا التعاون مقارنة بباقي الدول المهتمة بالقارة الإفريقية؟

إن الصين أكبر دولة نامية في العالم، وإن إفريقيا قارة تجمع أكبر عدد من الدول النامية. وعلى الرغم من أن الجانبين يفصل بينهما آلاف الأميال، إلا أنهما شريكان طبيعيان يتقاسمان المستقبل المشترك على طريق التنمية. منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ومن الكفاح من أجل التحرير الوطني إلى استكشاف الطريق إلى التحديث، بغض النظر عن كيفية تغير الوضع الدولي، تقف الصين دائمًا بجانب إفريقيا، بروح فريق واحد لتحقيق التقدم المستمر. في السنوات الأخيرة، تحت القيادة المشتركة للرئيس شي جينبينغ والقادة الأفارقة، تمت المواءمة بشكل عميق بين مبادرة "الحزام والطريق" الصينية و"أجندة 2063" للاتحاد الإفريقي، وتتضافر جهود الصين وإفريقيا لتنفيذ "خطط التعاون العشر" و"المبادرات الثماني" و"البرامج التسعة" وإعداد مشروع "رؤية التعاون الصيني الإفريقي 2035"، حيث حققت العلاقات الصينية الإفريقية تقدما كبيرا وأظهرت آفاقا مشرقة جديدة.

يصادف هذا العام الذكرى الـ75 لتأسيس الصين الجديدة. وبعد 75 عاما من النضال الشاق، نجح الشعب الصيني في السير على طريق التحديث الصيني النمط، ما يوفر للدول النامية التي تأمل في الحفاظ على استقلالها مع تسريع وتيرة التنمية، خيارا جديدا يختلف عن التحديث الغربي النمط، إذ يسعى التحديث الصيني النمط إلى تحقيق الرخاء المشترك والتعاون المربح. إننا نرحب ترحيبا حارا بالأصدقاء الأفارقة على متن قطار التنمية الصينية السريعة للتحديث الصيني النمط، لتقاسم فرص التنمية والإنجازات الصينية، من خلال التعاون الصيني الإفريقي، وتحقيق التحديث المشترك.

ترحب الصين بتعزيز التعاون لدول العالم مع إفريقيا، الأمر الذي يعكس المكانة الدولية الصاعدة لإفريقيا، ويخدم تعزيز التنمية والتقدم في إفريقيا. هناك العديد من آليات التعاون الدولي مع إفريقيا، ولا يوجد نقص في الخطط والالتزامات، ويكمن المفتاح فيما إذا كنا نفكر فيما تفكر فيه إفريقيا ونهتم بما تهتم به إفريقيا. إن التعاون الصيني الإفريقي يقوم على أساس المساواة والتوافق، ولن يكون على حساب المصالح الإفريقية طويلة الأجل. ظلت الصين تلتزم بمفهوم الشفافية والعملية والحميمية والصدق والفهم الصحيح للمسؤولية الأخلاقية والمصلحة، وتشجع الدول الإفريقية على استكشاف الطرق التنموية التي تتناسب مع ظروفها الوطنية، دون التدخل في الشؤون الداخلية الإفريقية، ولا تفرض إرادتها على الآخرين، ولا تربط أي شرط سياسي بالمساعدات الموجهة إلى إفريقيا، ولا تسعى لكسب مصلحة سياسية لنفسها خلال الاستثمار والتمويل في إفريقيا، حيث تلقى تقديرا كبيرا وترحيبا حارا من قبل الدول الإفريقية.

 

ما نتائج التعاون العملي الصيني الإفريقي، إذ تعتبر الجزائر بوابة الاستثمار الصيني في القارة الإفريقية، كيف تقيمون التعاون الجزائري الصيني في هذا المجال؟ وما هي آفاق توسيع التعاون الصيني الجزائري في شتى المجالات، وإلى أي حد تساهم الإصلاحات في الجزائر، خاصة في مجال الاستثمار، في توسيع الاستثمار الصيني في الجزائر؟

بعد عقود من العمل الشاق، يزدهر التعاون بين الصين وإفريقيا. وفي عام 2023، وصل حجم التجارة بين الصين وإفريقيا إلى ذروة تاريخية تبلغ 282.1 مليار دولار أمريكي، وظلت الصين أكبر شريك تجاري لإفريقيا لمدة 15 عاما متتالية. وتعدّ الصين أيضًا الدولة النامية التي لديها أكثر استثمارات في إفريقيا. وحتى نهاية عام 2022، تجاوز مخزون الاستثمار الصيني المباشر في إفريقيا 40 مليار دولار أمريكي، وأكثر من 3000 شركة صينية استثمرت وأنشأت أعمالًا في إفريقيا، ما خلق فرص العمل الكثيرة وساهم في تعزيز التحول الاقتصادي في إفريقيا. وقد قامت الصين ببناء وتحديث أكثر من 10 آلاف كيلومتر من السكك الحديدية، وما يقرب من 100 ألف كيلومتر من الطرق، وما يقرب من 1000 جسر، وما يقرب من 100 ميناء في إفريقيا، كما قامت ببناء شبكات الكهرباء والاتصالات للدول العديدة، ما قدم مساهمات مهمة في تعزيز ترابط وتواصل القارة الإفريقية.

كما قامت الصين بتدريب عدد كبير من المواهب المهنية والتقنية المختلفة لإفريقيا، ولا تقدم الصين المنتوجات "صنع في الصين" إلى السوق الإفريقية فحسب، بل تساعد أيضًا الأفارقة على تحقيق "صنع في إفريقيا" وتحويل مزايا الموارد إلى مزايا تنموية لخدمة مصالح الشعب الإفريقي بشكل أحسن.

إن التعاون الاقتصادي والتجاري يعدّ "حجر الصابورة" و"المروحة الدافعة" للعلاقات الصينية الجزائرية، ويجلب فوائد ملموسة للجانبين. فمنذ عام 2013، ظلت الصين أكبر شريك تجاري للجزائر وأكبر مصدر للواردات لمدة عشر سنوات متتالية. وفي عام 2023، تجاوز حجم التجارة بين الصين والجزائر 10 ملايير دولار أمريكي لأول مرة. وفي الوقت نفسه، تعدّ الصين أيضًا مصدرًا مهمًا للاستثمار الأجنبي في الجزائر، وتتجاوز الاستثمارات الصينية التراكمية في الجزائر 2 مليار دولار أمريكي، وتتركز بشكل رئيسي في النفط والغاز ومواد البناء والصناعات الخفيفة وغيرها من المجالات. ومنذ صدور قانون الاستثمار الجديد في الجزائر، تتحسن بيئة الأعمال في الجزائر باستمرار، ما يوفر لمستثمري الدول الأجنبية، بما فيها الصين، المزيد من التسهيلات والفضاء الأوسع للتعاون.

في عام 2023، زادت استثمارات الصين المباشرة في الجزائر بأكثر من 70 مليون دولار أمريكي، بزيادة سنوية قدرها 86%. فيما تقوم شركات السيارات الصينية مثل JAC وChery وGeely، وشركات الأجهزة الكهرومنزلية مثل Hisense وHaier وMidea، باستكمال إجراءات الاستثمار حاليا، وستقوم بإدخال التكنولوجيا المتقدمة إلى الجزائر وبدء الإنتاج المحلي، ولا يتم بيع المنتجات في الجزائر فحسب، بل سيتم تصديرها أيضًا إلى دول ثالثة. وفي الوقت نفسه، أصبح مجال التكنولوجيا الفائقة نقطة مضيئة جديدة للتعاون الصيني الجزائري، حيث يتمتع الجانبان بإمكانات كبيرة وآفاق واسعة للتعاون في مجالات الرقمنة والذكاء الاصطناعي والزراعة الحديثة والمدن الذكية والاقتصاد الدائري.

الحكومة الصينية تشجع وتدعم الشركات الصينية لزيادة استثماراتها في الجزائر، خاصة منذ زيارة الرئيس تبون للصين، وتتوافد المزيد من الشركات الصينية إلى الجزائر للزيارة التجارية والتشاور حول نوايا التعاون مع الشركاء الجزائريين، فقد أصبحت الجزائر أحد الأسواق ذات الأولوية القصوى للشركات الصينية في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تعمل الحكومة الصينية على تعزيز التعاون في المجال المالي بين الجانبين، لخلق ظروف أفضل لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدين.

 

يعد التعاون في المجال الثقافي والإنساني بين الصين وإفريقيا من بين المجالات المهمة لتطوير مستوى التعاون الشامل بين الطرفين، هل يمكن القول إن الأهداف المرجوة من هذا التعاون تم تحقيقها؟

إن التبادلات الإنسانية والثقافية بين الصين وإفريقيا هي الدفع نحو بعضهما البعض. ومنذ أن أرسلت الصين أول فريق طبي لها إلى الجزائر في عام 1963، أرسلت إجمالي 24 ألف عضو من الفرق الطبية إلى إفريقيا، ويعمل حاليا إجمالي 45 فريقا طبيا في أكثر من 100 موقع عمل في 44 دولة إفريقية.

لقد أنشأ الجانبان الصيني والإفريقي 67 معهد كونفوشيوس و10 غرف دراسة كونفوشيوس في إفريقيا وتم إنجاز 16 ورشة عمل لوبان في 14 دولة ويدرس عشرات الآلاف من الطلاب الأفارقة في الصين وظهرت الأغاني والرقصات الإفريقية في حفل عيد الربيع الصيني، كما تحظى الأفلام والمسلسلات التلفزيونية الصينية بشعبية كبيرة في إفريقيا وتم عقد منتدى المؤسسات الفكرية الصينية الإفريقية ومهرجان الشباب الصيني الإفريقي ومنتدى المرأة ومنتدى التعاون الإعلامي وغيرها من الأنشطة المثيرة.

في أوت 2023، طرح الرئيس شي جين بينغ "برنامج التعاون الصيني الإفريقي لتأهيل الكفاءات" خلال اجتماع الحوار لقادة الصين والدول الإفريقية، ما أضفى قوة دافعة جديدة في التبادلات الشبابية وتكوين المواهب بين الصين وإفريقيا. إن التبادلات الوثيقة بين الشعبين الصيني والإفري ....