الجزائر تلعب في ميدان الكبار
مصدر الصورة
الجزائرالٱن _جرى الاعتقاد أنّ لا كبير في إفريقيا وأنّ هذه القارة ساحة يتصارع فيها الكبار، فقد كانت إفريقيا مستباحة أمام قوى الاستعمار الكبرى كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا والبرتغال وغيرها، وبعد ذلك لم تكن إلا حديقة خلفية لتلك الدول تواصل نهب خيراتها بطريقة جديدة وقد انظمت إليها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تواصل صراعها على النفوذ داخل القارة مع روسيا والصين، فإلى متى تبقى إفريقيا مجرد ساحة للكبار ولا كبير يحميها ويدافع عنها؟
هذا السؤال لم يكن مطروحا من قبل، خاصة أنّ كل الدول الإفريقية، كانت دائما تكتفي بدور المتفرج على ما يحدث في العالم، والقرار تتخذه العواصم الكبرى، وتكتفي “العواصم السمراء” بالمباركة أو الامتعاض في أحسن الأحوال، دون امتلاك أي قدرة على التغيير أو حتى المعارضة.
ويرجع خبراء، ابتعاد إفريقيا عن صناعة القرار في العالم، إلى عدة اعتبارات، أهمها عدم وجود أي دولة إفريقية تمتلك امتياز “العضوية الدائمة”، داخل مجلس الأمن، الراعي الرسمي لكل القرارات الدولية، ولهذا وجدت إفريقيا نفسها لا تزيد عن “بيدق شطرنج” تتحكم فيه القوى المسيطرة.
هذه الصورة يبدو أنّ الجزائر استوعبتها جيدا، ولهذا أدركت أنّ أول الطريق لـ”اللعب أساسي” في عالم متناقض، هو أن تكون وسط مركز صنع القرار وهو مجلس الأمن، وبالفعل أوجدت لنفسها ذلك المكان، ولو بصورة مؤقتة، مادام أنّ القوانين الموجودة عاليا لا تمنحها أكثر من ذلك.
الجزائر تعود لمجلس الأمن بفعالية أكبر
عودة الجزائر إلى مجلس الأمن هذه المرة، كانت مغايرة تماما، فلم تكتف بأن تكون مجرد صوت، يكتب على اللائحة النهائية للمصوتين على قرارات تحمل مصائر شعوب، ولكنّها كانت فاعلا أساسيا، وصانع كل اجتماع، لدرجة أنّ بعض الأعضاء الدائمين وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، أرهقتها الدعوات المتكررة لممثل الجزائر بعقد اجتماع طارئ، فأصبح هذا المجلس، الذي كان يعاني شبه سبات، لا ينهي اجتماعا إلا ويبدأ اجتماع آخر، والفاعل الأول دوما هو الجزائر.
عند انتخاب الجزائر كعضو غير دائم في مجلس الأمن، أكد الرئيس، عبد المجيد تبون أنّ ذلك يلقي على عاتق البلاد مسؤولية خاصة متمثلة بالمشاركة في “صنع القرار الهادف لتعزيز السلم والأمن الدوليين.”
وقال تبون في رسالة بعثها إلى الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريتش: “لطالما صاغت الجزائر التزاماتها بقيم العمل المتعدد الأطراف، ووضعت احترام قواعد ومبادئ ميثاق وقيم الأمم المتحدة والقانون الدولي في صميم رؤيتها، وعلى رأسها حق الشعوب في تقرير المصير”.
وأكد الرئيس تبون أيضا أنّ الجزائر عملت دائما على تعزيز التعاون والصداقة بين الدول على المستويات الإقليمية والدولية. فضلا عن تعزيز مبدأ التسوية السلمية للنزاعات ساهمت الجزائر في الجهود الدولية الهادفة إلى حل العديد من الأزمات الإقليمية والدولية من خلال الحوار والوساطة السلميتين.
إذن، أصبح من الواضح أنّ الجزائر تبحث عن مكان أساسي في ساحة الكبار، وهذا ما تأكد مع مرور الأيام والأسابيع، وباعتبار أنّ القضية الفلسطينية، هي محور العالم، فقد عملت الجزائر على وقف إطلاق النار في غزة ورغم “الفيتو” الأمريكي، إلا أنّها لم “تيأس”، وقال ممثلها الدائم عمار بن جامع كلمته الخالدة “سندفن موتانا وسنعود مرة أخرى”، وعادت الجزائر من جديد، وواصلت إحراج الولايات المتحدة، التي اضطرت إلى الاكتفاء بمعارضة مشروع قرار جديد خاص بوقف الحرب في غزة، دون “الفيتو”، وهو ما اعتبر انتصارا كبيرا للديبلوماسية الجزائرية.
كما أعادت الجزائر طلب فلسطين بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة إلى الواجهة، بل كان لها الفضل الأكبر، في الزخم الكبير الذي يعرفه هذا الملف، وإعلان العديد من الدول وعلى رأسها فرنسا الاعتراف بدولة فلسطين، وهو ما أكده اكثر من مرة مسؤولون فلسطينيون.
وبين هذا وذاك، بقيت الجزائر تراقب كل خطوات المجموعة الدولية، فطالبت بتحقيقات عن الجرائم التي يرتكبها الكيان الصهيوني، وعن المقابر الجماعية وعن الانتهاكات ضد حقوق الطفل في فلسطين، بل أنّ القضية الفلسطينية أصبحت متواجدة في كل الهيئات الأممية، فمع كل اجتماع لأي هيئة أممية، تطالب الجزائر بإدراج القضية الفلسطينية والاعتراف بدولة فلسطين، أو التنديد بالمجازر الصهيونية. نعم لقد أعادت الجزائر فلسطين إلى الحياة.
ولم تلعب الجزائر على محور فلسطين فقط، بل أنّها أثبتت وجودها في أي قرار يدرس، فرفضت مثلا التصويت على قرار يدين روسيا في حربها على أوكرانيا، رغم أنّ القرار صوتت عليه 141 دولة، وفي ذلك رسالة واضحة إلى كل العالم، كما رفضت تعليق عضوية روسيا في مجلس حقوق الإنسان، ورفضت قرارا يدين وضع حقوق الإنسان في إيران، حتى تؤكد للغرب أنّها ترفض ازدواجية المعايير.
ولأنّ الجزائر لا تعاني من “عقدة النقص”، فهي تعمل بتنسيق كبير مع روسيا والصين، وهو ما منحها قوة أكبر، بالنظر إلى “حق الفيتو” الذي تتمتع به هاتين الدولتين، وكان هذا التنسيق وراء إرغام واشنطن على إحداث تغييرات جوهرية، على مشروعها حول غزة.
إصلاح مجلس الأمن أولوية المرحلة القادمة
توجيه الجزائر بوصلتها نحو القضية الفلسطينية وأهم القضايا العالمية، لم ينسيها دورها داخل القارة الإفريقية وهي “كبيرها”، كما لم ينسيها أنّ عضويتها في مجلس الأمن مؤقتة فقط، ولهذا أعادت إحياء لجنة العشرة المكلفة بإصلاح مجلس الأمن، من أجل وضع خطة عمل لرفع الظلم التاريخي بشأن عضوية القارة السمراء في مجلس الأمن.
وخلال قمة العشرة التي استضافتها الجزائر، قال وزير الخارجية أحمد عطاف، في نهاية أعمال الاجتماع: “لقد تُوجت مداولاتنا اليوم باعتماد خطة عمل طموحة ترمي إلى توظيف الزخم المتجدد الذي يعرفه ملف إصلاح مجلس الأمن، وتثمين الدعم المتزايد الذي يحظى به الموقف الإفريقي المشترك” .
وذكر عطاف أن “الاجتماع الوزاري يندرج أساسًا في إطار الجهود الإفريقية المتواصلة والرامية لتصحيح الظلم التاريخي المُسلط على قارتنا فيما يخص تهميشها في مجلس الأمن“.
وتقوم خطة عمل في نقطتها الأولى، بحسب عطاف، على “تعزيز الجبهة الداخلية عبر الحفاظ على وحدة الصف الإفريقي في وجه المحاولات الرامية إلى استمالة بعض أعضاء مجموعتنا إلى مسارات أخرى لا تتماشى مع تصورنا المشترك”.
وأضاف أنّ النقطة الثانية تتمثل في “تكثيف مشاركة لجنة العشر في المفاوضات الحكومية التي تتم تحت قبة منظمتنا الأممية مع تركيز أكثر على خصوصية الموقف الإفريقي، وعلى ضرورة توفير معالجة منفصلة للمطالب الإفريقية تحترم الطابع الأولوي والاستعجالي لهذه المطالب”.
وتابع الوزير الجزائري أن النقطة الثالثة تنص على “تعزيز التواصل والتفاعل مع مختلف الفاعلين من دول ومجموعات وتكتلات لتوسيع قاعدة الدعم الدولي لصالح الموقف الإفريقي المشترك”.
وأشار في هذا الصدد إلى أهمية الاجتماع الوزاري المقبل بين لجنة العشر ومجموعة الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، وهو الاجتماع المرتقب على هامش الدورة المقبلة للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر المقبل”.
ولفت إلى أن النقطة الرابعة تتمثل في “الانخراط الفعلي للجنة العشر في الاستحقاقات الدولية المقبلة؛ بغية تحقيق اختراقات جديدة ومكاسب إضافية للدفع نحو التكفل بالمطالب الإفريقية المتعلقة بتمثيل عادل ومنصف لقارتنا في مجلس الأمن”.
أما النقطة الخامسة فتتعلق بـ”المبادرة بطرح المطالب الإفريقية فيما يخص ملف الإصلاح على طاولة مجلس الأمن، وذلك في سياق المبادرة الخلاقة والهامة التي اتخذتها سيراليون بتنظيم جلسة نقاش رفيعة المستوى حول هذا الموضوع خلال فترة رئاستها للمجلس شهر المقبل”.
اللعب في ساحة الكبار لا يعني التخلي عن حقوق المظلومين
بحث الجزائر عن التواجد في ساحة الكبار، لم يمنعها من البقاء إلى جانب المقهورين والمظلومين في هذا العالم، وعلى رأسهم الشعبين الفلسطيني والصحراوي، رغم أنّ ذلك سيجلب لها عداوة قوى الغرب الكبرى على غرار الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإنجلترا وألمانيا وغيرها.
ولهذا لا يخلو حديث للرئيس عبد المجيد تبون من الإشارة إلى الظلم الذي يتعرض له الشعب الفلسطيني على يد قوات الكيان الصهيوني، وكان آخره، أمس، خلال المؤتمر رفيع المستوى حول الوضعية الإنسانية في غزة، حيث ذكر بالوضعية المتردية والمقلقة جدا للأطفال والنساء والشيوخ في فلسطين، حيث قال “ونحن نجتمع اليوم، مازالَ آلافُ الأطفالِ والنساءِ والشيوخ يواجهون، وهم عُزَّل، آلة الدَّمار والتَّقتيل وهي وَصْمَةُ عَارٍ في تاريخ الإنسانية أمام عجز المجتمع الدُّولي في التَّعامل بِكلِّ عدالةٍ مع القضية الفلسطينية.”
وذكر الرئيس عبد المجيد تبون: “من موقعنا كعضو غير دائم في مجلس الأمن ومجلس حقوق الإنسان، عَمِلَتْ الجزائر على تقديمِ القرارات لوقفِ إطلاقِ النَّار، وتسهيل المساعدات، والدّفع باتّجاه احترام القرارات الدولية”
وأضاف، أنّ الجزائر قامت “بِمَدِّ يَدِ المساعدة، بإرسال مساعدات إنسانية ضمن عمليات تَنسيقٍ مع دولة مصر الشقيقة، وتقديم مساعدة لوكالة الأونروا، لذلك نسعى للتخفيف من معاناة إخواننا و اشقائنا في دولة فلسطين.”
وأكد الرئيس عبد المجيد تبون في كلمته أن الجزائر اِنسجاماً مع مبادئ سياستها الخارجية، فإنّها وهي تُشارك في هذا اللِّقاء الحدث، تَوَدُّ تحقيق ثلاثة أهداف أولها “تَفعيل القراراتِ الأمَمِية في وقف إطلاق النار، واِعتماد طرقٍ وآلياتٍ للوقف الفوري لإطلاق النار وترحب بالقرار 2735 الذي يجب ان يطبق فورا حتى تنتهي معاناة الشعب الفلسطيني الأعزل”، وثانيها “ضمان إيصال المساعدات الإنسانية إلى المتضرِّرين، وضمان حمايتها مع إعطاء صيغة تنفيذية لقرار مجلس الأمن رقم 2728”
كما أنها تؤكد “ضرورة تفعيل المسار الرامي إلى حل دائم وعادل للقضية الفلسطينية“
وأعلن رئيس الجمهورية ....