في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

عادة ما يفرض الآيس كريم على محبيه سباقا مع الذوبان؛ يسارعون إلى تناوله قبل أن يقطر على أصابعهم وملابسهم أو يسقط على الأرض. لكن الآيس كريم التركي "دوندورما"، المعروف أيضا باسم "ماراش دوندورماسي"، يمنحهم وقتا أطول للاستمتاع به، بفضل قوامه المتماسك ومقاومته النسبية للذوبان، حتى إن بعض المقاهي التركية تقدمه مع شوكة وسكين.

وقالت مورين أوهير، محررة السياحة والسفر الأولى في "سي إن إن": إنه -ودون مبالغة- أفضل آيس كريم تذوقته في حياتي؛ فهو "يتمتع بنكهة غنية وقوام كريمي، كما أنه ناعم وانسيابي للغاية دون أي أثر لبلورات الثلج". وأعلن دليل الطعام "تيست أطلس" في عام 2025، أن الدوندورما هو "أفضل حلوى مجمدة في العالم".

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 قبل كنتاكي.. كيف أسهم الطهاة السود في صنع أشهر الأطباق الأمريكية؟
* list 2 of 2 لماذا لم يعد طعم الدجاج شهيا؟.. 6 خطوات لتحسين المذاق end of list

هذه الحلوى التركية التي لا مثيل لها في العالم، تعود إلى مدينة كهرمان مَرْعَش "عاصمة الآيس كريم" التي ما تزال تتشدد في الاحتفاظ بمفاتيح أسراره.

ولكن، بينما أصبح آيس كريم مثل "الجيلاتو" الإيطالي مشهورا دوليا، بقي الدوندورما معروفا بالكاد خارج تركيا؛ وهو ما تفسره أوهير بأن "الدوندورما الحقيقي والأصيل، لا يمكن الاستمتاع به إلا داخل تركيا".

فإلى جولة في عالم الدندورما الفريد، للتعرف على أسراره وما يهدده من مخاطر.

باعة الدوندورما يحوّلون تقديم الآيس كريم إلى عرض مرح يجمع بين المراوغة ومهارة تدوير الأقماع مصدر الصورة باعة الدوندورما يحوّلون تقديم الآيس كريم إلى عرض مرح يجمع بين المراوغة ومهارة تدوير الأقماع (بيكسلز)

دوندورما ماراش يتربع على عرش الحلويات المثلجة

أنواع الآيس كريم ليست متساوية، فالآيس كريم الأمريكي يتميز بقوامه الخفيف وغناه بالكريمة، وبينما يُخفق الجيلاتو الإيطالي ببطء، ويُقدم بدرجة حرارة أعلى قليلا؛ لا يُخفق الآيس كريم الهندي "الكولفي" إطلاقا، ويكون كثيف القوام.

أما الآيس كريم التركي "دوندورما ماراش"، فليس من الأنواع الهشة أو اللزجة، بل يُعدّ "عملاقا يتربع على عرش الحلويات المثلجة"، كما تقول أوهير. فهو مقاوم للذوبان، ومرن ومطاطي مثل حلوى التوفي الهلامية القابلة للمط، وغالبا ما يتعرف عليه الزوار من خلال العروض الطريفة التي يقدمها الباعة الجائلون في المناطق السياحية الشهيرة، مثل شارع الاستقلال أو ساحة "أورتاكوي" في إسطنبول.

إعلان

فالاستعراض جزء من تجربة الدوندورما؛ إذ يرتدي البائعون أزياء تقليدية تعود إلى منطقة كهرمان مرعش، تشمل قمصانا بيضاء وسترات (صدريات) حمراء أو زرقاء مزخرفة بعناية، ويضعون طرابيش على رؤوسهم، ويداعبون الزبائن بطريقة طريفة، جامعين في أدائهم بين مهارات الساحر وبراعة بائع الآيس كريم.

ويقفون خلف عرباتهم الصغيرة، مستخدمين قضبانا معدنية طويلة لضرب الدوندورما الملونة وعجنها وتدويرها، ثم يوهمون المشتري بتقديمها إليه، قبل أن يسحبوا القمع فجأة ويقلبوه رأسا على عقب. وهكذا يجد الراغب في تناول الحلوى نفسه في دوامة من الحركات المرحة والمراوغة، ضمن عرض يُقدَّم "ببراعة وحيوية لا تقل عن مهارة صُنّاع البيتزا في نابولي الإيطالية"، على حد وصف أوهير.

أبراج من الآيس كريم تتحدى الجاذبية

على الرغم من أن أفضل أنواع الدوندورما تأتي من مدينة "مرعش"، يمكن العثور على متاجر وعربات بيع الدوندورما في كل وجهة سياحية شهيرة في تركيا يباع على مدار السنة؛ وإن كانت إسطنبول تُعد عن جدارة "عاصمة الدوندورما في العالم".

لكن أوهير تنصح بتجاوز باعة العربات في الشوارع، والاستمتاع بأجود أنواع "الدوندورما" في متاجرها الحرفية المتخصصة، وخاصة في الجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول.

حيث تُعد نكهة الفستق الحلبي الأكثر رواجا، وإلى جانبها تصطف عبوات مغرية بنكهات متنوعة مثل: فانيليا مدغشقر، والشوكولاتة، والجوز، ويوسفي بودروم (نسبة إلى مدينة بودروم السياحية على الساحل الجنوبي لتركيا)، والكرز التركي الحامض.

لتكون جاهزة للغرف، وتشكيل أبراج شاهقة من الآيس كريم و"السوربيه" (الشربات)، تتحدى الجاذبية، بمكونات جميعها بالكامل تتميز بكونها "طبيعية وخام، وخالية تماما من النكهات الاصطناعية أو الإضافات". تُقدم عند درجة حرارة أدفأ، مقارنة بالآيس كريم العادي، "مما يجعل النكهات تبرز بقوة أكبر"؛ بحسب أوهير.

Dondurma sellers on Istiklal Cad work to amuse patients who buy their sticky ice cream. (Photo by Monique Jaques/Corbis via Getty Images) مصدر الصورة قوام الدوندورما المتماسك يسمح بتقديمه في بعض المقاهي التركية مع شوكة وسكين (غيتي)

السر وراء مقاومة الدوندورما للذوبان

يُصنع الدوندورما تقليديا من حليب الماعز التي ترعى وسط الأعشاب العطرية مثل الزعتر عند سفوح جبل أهير (الذي يحيط بكهرمان مرعش)، مما يمنحه طعما ورائحة مميزين. بالإضافة إلى السكر، ومسحوق "السحلب" المستخلص من بصيلات زهرة الأوركيد الأرجواني البرية المطحونة، التي تُعد كهرمان مرعش -مسقط رأس الدوندورما- أحد مواطنها الأصلية.

وبحسب سردار كيماهلي، المالك والمدير التنفيذي لسلسلة متاجر متخصصة في الآيس كريم الفاخر، تضم 9 فروع في أنحاء إسطنبول:

يكمن "السر العلمي" وراء القوام المطاطي ومقاومة الآيس كريم التركي للذوبان، في احتواء السحلب على جزيء يُعرف باسم "غلوكومانان"، يُعد واحدا من أكثر الجزيئات قدرة على ربط الماء في الطبيعة، إذ يمكن لغرام واحد منه أن يربط كمية من الماء تعادل 200 ضعف وزنه، لذا يكلف الكيلوغرام الواحد من مسحوق السحلب النقي أكثر من 200 دولار، وفقا لكيماهلي.

كما تُضاف مادة "المستكة" التي تُزرع أشجارها على ساحل بحر إيجة في تركيا، إلى الدوندورما لزيادة مرونتها، مما يسمح بتمطيطها وتقطيعها.

لتكون النتيجة النهائية هي آيس كريم يحافظ على شكله في درجة حرارة الغرفة ولا يذوب؛ حتى يعمد الباعة إلى تعليقه في خطافات اللحوم لإثبات هذه الخاصية.

Dondurma sellers on Istiklal Cad work to amuse patients who buy their sticky ice cream. (Photo by Monique Jaques/Corbis via Getty Images) مصدر الصورة دوندورما ماراش يُصنع تقليديا من حليب الماعز والسكر والسحلب المستخلص من درنات الأوركيد (غيتي)

خطر يهدد الآيس كريم التركي الأصلي

تسببت الشعبية الكبيرة للدوندورما في تراجع هائل في أعداد زهور الأوركيد البرية -المصدر الوحيد للسحلب- حيث يتطلب إنتاج كيلوغرام واحد من مسحوق السحلب ما بين 1000 و2000 نبتة أوركيد.

إعلان

ويحذر كيماهلي من أن "عمليات الحصاد الجائر، تدفع نبات السحلب (الأوركيد) إلى حافة الانقراض"، فرغم الحماية التي توفرها القوانين الدولية، وما تفرضه تركيا من حظر صارم على تصدير بصيلات الأوركيد، فإن "الملايين منها لا تزال تُقتلع سنويا بطرق غير قانونية".

وهو ما جعل السحلب الاصطناعي بديلا واسع الانتشار في صناعة الآيس كريم التركي، مع أنه لا يضاهي السحلب الأصلي -الذي أصبح يُستخدم بحساب- في الجودة. لذلك قد تكون معظم أنواع الدوندورما التي تُقدم خارج تركيا غير أصلية، لافتقارها لهذا المكون الثمين.