أسواق السندات تضغط على حكومات أوروبا.. الديون المتفاقمة تجبرها على تقليص الإنفاق والعجز
تواجه حكومات أوروبية ضغوطا متزايدة من أسواق السندات، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، وهو ما يدفع دولا مثقلة بالديون -بينها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا– إلى مراجعة سياساتها المالية وتقليص خطط الإنفاق والعجز، وسط مخاوف من تجدد اضطرابات الديون السيادية في منطقة اليورو.
وذكرت وكالة بلومبيرغ أن الحكومات الأوروبية بدأت إظهار مؤشرات أولية على الاستجابة لضغوط المستثمرين، بعدما أدت موجة ارتفاع عوائد السندات إلى زيادة تكاليف خدمة الدين، بالتزامن مع تصاعد توقعات التضخم بفعل أزمة الطاقة في الشرق الأوسط.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 زلزال سياسي في فرنسا.. هل يطيح الماضي السري بجوردان بارديلا ومارين لوبان؟
* list 2 of 2 الهجمات الروسية على الموانئ تعطل تصدير الحبوب الأوكرانية end of list
ونقلت الوكالة عن فيديريكو باريغا سالازار -رئيس فريق التصنيفات السيادية لأوروبا الغربية لدى وكالة فيتش- أن إدراك المشكلات المالية أصبح أكثر انتشارا بين صناع السياسات والفاعلين الاقتصاديين الأوروبيين، وبدأ يمتد إلى المواطنين.
فرنسا تواجه ارتفاع تكاليف الاقتراض
وبحسب بلومبيرغ، سجل الفارق بين عوائد السندات الحكومية الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات أعلى مستوياته منذ عام 2011، وهو ما يعكس ارتفاع علاوة المخاطر التي يطلبها المستثمرون للاحتفاظ بالديون الفرنسية.
مصدر الصورة
وقدمت الحكومة الفرنسية خطة تتضمن إجراءات مالية بقيمة 43 مليار يورو (48.3 مليار دولار)، تستهدف خفض عجز الموازنة من 5.4% إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2027.
وقال وزير المالية الفرنسي رولان ليسكور إن ضغوط الأسواق تساعد الحكومة على تعزيز الانضباط المالي، في حين أبدت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبان استعدادا لتجنب إسقاط الحكومة بسبب الموازنة، محذرة من احتمال اندلاع أزمة مفاجئة في سوق السندات.
كما طرحت لوبان مقترحات لخفض العجز إلى 3.7% في عام 2027، رغم افتقارها إلى تفاصيل تنفيذية كافية.
إيطاليا تقلص الاقتراض العسكري
وفي إيطاليا، اتسع الفارق بين عوائد السندات الحكومية ونظيرتها الألمانية، رغم تسجيل عجز أقل من فرنسا، وسط استمرار الضغوط المرتبطة بارتفاع الدين العام.
وذكرت بلومبيرغ أن رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني قلصت خطط الاقتراض المخصصة للإنفاق الدفاعي بما يصل إلى 8 مليارات يورو (نحو 9 مليارات دولار)، عقب ارتفاع تكاليف الاقتراض.
وبموجب التعديلات، تعتزم روما تخصيص إنفاق عسكري إضافي يعادل 0.6% من الناتج المحلي الإجمالي خلال عامين، بدلا من 0.9% في الخطط السابقة.
بريطانيا تحت ضغط المستثمرين
وفي بريطانيا، بلغت عوائد السندات الحكومية أعلى مستوياتها منذ عقود، وسط استمرار المخاوف بشأن مصداقية السياسات المالية.
ووفق تقديرات بلومبيرغ إيكونوميكس، تتضمن تكاليف الاقتراض البريطانية علاوة مخاطر تبلغ نحو 30 نقطة أساس، ترتبط خصوصا بتداعيات اضطرابات الأسواق خلال فترة رئاسة الوزراء القصيرة لليز تراس.
وأشارت الوكالة إلى أن رئيس الوزراء آندي بيرنهام طرح إصلاحا لنظام الزيادة المضمونة للمعاشات التقاعدية -المعروف بالضمان الثلاثي- بهدف الحد من الالتزامات المالية المتزايدة، رغم عدم وضوح الأثر المالي الكامل للمقترح.
تحذيرات من البنوك المركزية
وحذر المفوض الأوروبي للشؤون الاقتصادية فالديس دومبروفسكيس من ضرورة الالتزام بالحذر المالي، معارضا مطالب إيطاليا واليونان بالحصول على مرونة إضافية في قواعد الموازنة.
مصدر الصورة
وأكد كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي فيليب لين ضرورة إدراك الحكومات تغير بيئة أسعار الفائدة، في حين شدد محافظ بنك إنجلترا أندرو بيلي على أهمية تبني سياسات مالية مستقرة تحظى بثقة الأسواق.
ونقلت بلومبيرغ عن كارلو كابوانو -نائب رئيس قسم التصنيفات السيادية والقطاع العام لدى وكالة سكوب- توقعه أن تسعى أحزاب المعارضة في فرنسا وإيطاليا وبولندا وإسبانيا إلى طمأنة المستثمرين بشأن ضبط العجز، مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية.
وفي المقابل، أشارت الوكالة إلى استمرار الخلافات السياسية بشأن معالجة المديونية، فبينما دعت لوبان البنك المركزي الأوروبي إلى تقديم المساعدة، طالب السياسي الفرنسي جان لوك ميلانشون بإلغاء ديون حكومية، في حين لا تزال بلجيكا تواجه صعوبات في التوصل إلى اتفاق بشأن الموازنة.
مخاوف من تكرار أزمات الديون
وذكرت بلومبيرغ أن التحولات الأخيرة تشير إلى تنامي تأثير المستثمرين في القرارات المالية الأوروبية، لكنها أكدت أنه لا يزال من المبكر تحديد إن كانت الإجراءات الحالية تمثل تحولا دائما نحو الانضباط المالي أم استجابة مؤقتة لضغوط الأسواق.
واستشهدت الوكالة بأزمة السندات البريطانية خلال عهد ليز تراس، التي أظهرت قدرة الأسواق على فرض ضغوط حادة على الحكومات عند تراجع الثقة بسياساتها المالية.
وخلص التقرير إلى أن ارتفاع المديونية وتكاليف خدمة الدين يفرض قيودا متزايدة على الحكومات الأوروبية، في وقت تواجه فيه ضغوطا متزامنة لتمويل الإنفاق العام والدفاعي والالتزامات الاجتماعية.