في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يكن هجوم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على قناة الجزيرة، خلال خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مجرد اتهام جديد لوسيلة إعلامية، بل جاء امتدادا لمواجهة متصاعدة بين الحكومة الإسرائيلية والقناة الإخبارية، ترافقت مع قرارات بإغلاق مكاتبها ومصادرة معداتها، على خلفية تغطيتها للحرب على قطاع غزة.

وفي خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة، وضع نتنياهو الجزيرة ضمن قائمة الجهات التي يتهمها بمعاداة إسرائيل، في سياق حديثه عن الجبهات التي تخوض فيها بلاده مواجهات عسكرية وسياسية. وتأتي هذه التصريحات في وقت تواجه فيه حكومته انتقادات دولية بسبب العمليات العسكرية في غزة ولبنان، وتتصاعد فيه الخلافات بشأن سياستها تجاه الفلسطينيين.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 إسرائيل في أوروبا.. الحكومات تماطل والشعوب تسحب الغطاء
* list 2 of 2 من تهجير الرضع إلى إعمار بـ71 مليار دولار.. سيناريوهات إسرائيلية لمستقبل غزة end of list

من اتهامات التحريض إلى غسل العقول

لم تكن هذه المرة الأولى التي يهاجم فيها نتنياهو الجزيرة، ويوضح تقرير للجزيرة تطور اتهاماته على مدار سنوات، من التحريض إلى تهديد الأمن القومي الإسرائيلي، وصولا إلى اتهام القناة بالمشاركة في أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم استخدام تعبير غسل العقول في وصف تأثير تغطيتها الإعلامية.

ويرى التقرير أن هذه الاتهامات تفتقر إلى تقديم أدلة علنية واضحة تثبت ما تنسبه الحكومة الإسرائيلية إلى القناة، مشيرا إلى أن تل أبيب اختارت، بدلا من مواجهة مضمون تقاريرها بالردود والوقائع، اتخاذ إجراءات قانونية وإدارية استهدفت عملها داخل إسرائيل.

وفي أبريل/نيسان 2024، بدأت السلطات الإسرائيلية تطبيق إجراءات تستند إلى قانون أقر في الكنيست ويتيح للحكومة إغلاق وسائل إعلام أجنبية إذا اعتبرت أنها تضر بأمن الدولة. وأفضت هذه الإجراءات إلى إغلاق مكتب الجزيرة في إسرائيل ومصادرة معداتها، في خطوة قالت حكومة الاحتلال إنها مرتبطة باعتبارات أمنية.

وجاء القرار في ظل استمرار التغطية الميدانية للقناة للحرب على قطاع غزة، التي بدأت في أكتوبر/تشرين الأول 2023، وما رافقها من عمليات قتل ودمار ونزوح واسع النطاق، في وقت كانت فيه إسرائيل تفرض قيودا على دخول الصحفيين الأجانب بصورة مستقلة إلى القطاع.

إعلان

وبحسب التقرير، أزعجت التغطية الميدانية للجزيرة الرواية الإسرائيلية بشأن الحرب، بعدما نقلت مشاهد الدمار والخسائر البشرية ومعاناة المدنيين إلى جمهور واسع في أنحاء العالم.

وقد دفع الصحفيون العاملون في القناة ثمنا باهظا لتغطيتهم، إذ قتل عدد منهم في غزة والضفة الغربية. ويشير التقرير إلى تقديرات فلسطينية تتحدث عن مقتل نحو 260 صحفيا منذ بداية الحرب على غزة، في حصيلة تعكس حجم المخاطر التي تواجه العمل الصحفي في الأراضي الفلسطينية.

الجزيرة في خطاب "إسرائيل المحاصرة"

ولا ينفصل تصعيد نتنياهو ضد الجزيرة، وفق التقرير، عن نهج سياسي اعتمد عليه رئيس الوزراء الإسرائيلي على مدى عقود، يقوم على تصوير إسرائيل باعتبارها دولة محاصرة بالأعداء من مختلف الجهات. وفي هذا السياق، وضع نتنياهو الجزيرة ضمن سلة واحدة مع إيران والمؤسسات الأممية والحكومات الأوروبية التي تنتقد السياسات الإسرائيلية أو تعارض العمليات العسكرية في غزة ولبنان.

ويقدم التقرير قراءة لهذا الخطاب باعتباره محاولة لتوسيع دائرة الخصوم، بحيث لا تقتصر المواجهة على الأطراف العسكرية التي تعتبرها إسرائيل معادية لها، بل تشمل أيضا المؤسسات الإعلامية والهيئات الدولية والحكومات التي تنتقد أداءها.

ونقل التقرير عن الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ألون بنكس قوله إن نتنياهو ألقى خطابه بهدف الظهور أمام الإسرائيليين بمظهر الرجل الذي يقف في مواجهة العالم بأسره.

وتعكس هذه القراءة، بحسب التقرير، أهمية البعد الداخلي في الخطاب، إلى جانب رسائله الموجهة إلى المجتمع الدولي، إذ يسعى نتنياهو إلى تقديم نفسه باعتباره المدافع عن إسرائيل في مواجهة ما يصفه بالضغوط والتهديدات الخارجية.

حسابات الانتخابات والضغوط الداخلية

ويضع التقرير الهجوم على الجزيرة في سياق الحسابات السياسية الداخلية لنتنياهو، مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة 27 أكتوبر/تشرين الأول الجاري، مشيرا إلى أن التصعيد ضد وسائل الإعلام التي تتهمها الحكومة بمعاداة إسرائيل ينسجم مع خطاب اليمين الإسرائيلي المتشدد.

ويتيح هذا الخطاب لنتنياهو الظهور بمظهر السياسي الحازم في مواجهة ما يصفه بالتهديدات الإعلامية، كما يمنحه فرصة لمنافسة شخصيات أكثر تشددا داخل معسكر اليمين، من بينها وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذي سبق أن دعا إلى إغلاق الجزيرة وملاحقة صحفييها.

وفي هذا الإطار، نقل التقرير عن المحلل السياسي الإسرائيلي أكيفا إلدار اعتباره أن إغلاق الجزيرة يمثل خطوة شعبوية تهدف إلى إرضاء الرأي العام الإسرائيلي الغاضب من الحكومة بسبب ملفات داخلية متعددة. ويستشهد التقرير بمحطة سابقة تعود إلى منتصف عام 2017، حين دعا نتنياهو إلى إغلاق مكاتب الجزيرة، بالتزامن مع تصاعد القضايا المرتبطة بشبهات الفساد التي لاحقته.

ونقل التقرير عن الباحث الأمريكي عمر شاكر، الذي كان يشغل منصب مدير مكتب منظمة هيومن رايتس ووتش في إسرائيل وفلسطين آنذاك، قوله إن تصريح نتنياهو في ذلك الوقت كان موجها بالدرجة الأولى إلى قاعدته السياسية، أكثر من كونه تعبيرا عن رغبة فعلية في اتخاذ إجراء تنفيذي ضد القناة.

إعلان

وتكرر المشهد في مايو/أيار 2024، عندما قررت الحكومة الإسرائيلية إغلاق مكتب الجزيرة، في وقت كانت تواجه فيه انتقادات وضغوطا داخلية بشأن إخفاقها في إعادة الرهائن المحتجزين في قطاع غزة.

ويربط التقرير بين هذه المحطات المتعاقبة، معتبرا أن استهداف القناة يعود إلى الواجهة في فترات تتزايد فيها الضغوط السياسية على نتنياهو، سواء بسبب ملفات داخلية أو بسبب تداعيات الحرب والانتقادات الدولية الموجهة إلى حكومته.

لماذا اختار نتنياهو منبر الأمم المتحدة؟

يكتسب هجوم نتنياهو على الجزيرة من منبر الأمم المتحدة دلالة تتجاوز الخلاف بين حكومة ووسيلة إعلام، إذ جاء أمام تجمع دولي يضم قادة العالم، وفي وقت تسعى فيه إسرائيل إلى الدفاع عن سياستها العسكرية والسياسية وسط انتقادات متزايدة.

وبحسب القراءة التي يقدمها التقرير، أراد نتنياهو وضع الجزيرة ضمن روايته الأوسع عن تعرض إسرائيل للاستهداف من أطراف متعددة، وتقديم انتقاد التغطية الإعلامية الإسرائيلية بوصفه جزءا من مواجهة أوسع مع خصوم بلاده.

كما يمنح الخطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي فرصة لتوجيه رسالة إلى جمهوره الداخلي، مفادها أنه يواجه، إلى جانب الخصوم الخارجيين، وسائل إعلام يعتبرها معادية لإسرائيل، وهو ما يتقاطع مع مواقف قوى اليمين التي تطالب بتشديد القيود على القناة.

لكن التقرير يشير إلى مفارقة أساسية في هذا النهج؛ فبدلا من تفنيد المواد الصحفية التي تعترض عليها الحكومة الإسرائيلية وتقديم أدلة مضادة، لجأت السلطات إلى الحظر والإغلاق ومصادرة المعدات، بما أثار تساؤلات بشأن حرية الصحافة وحق الجمهور في الوصول إلى المعلومات.