جامعة أمريكية عريقة تدفع راتب بروفيسور وتمنعه من التدريس.. ما علاقة فلسطين؟
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في أروقة معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (إم آي تي) المرموق بكامبريدج في ولاية ماساتشوستس الأمريكية، تحوّل مقرر دراسي اقترحه أستاذ لسانيات مخضرم إلى تجسيد لأزمة "الحرية الأكاديمية" والاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين داخل الجامعات الأمريكية.
والمقرر لأستاذ اللسانيات ميشيل ديغراف ويحمل عنوانا طويلا: "اللغة واللسانيات من أجل إنهاء الاستعمار والتحرر من أجل السلام وبناء المجتمع – من النهر إلى البحر في فلسطين وإسرائيل، وصولا إلى قمم جبال هايتي وما وراءها".
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 الديزل في قلب أزمة الطاقة.. مخاوف النقص تعيد حسابات العقوبات الأمريكية
* list 2 of 2 منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للحقوقية نافي بيلاي end of list
وبحسب صحيفة نيويورك تايمز ، لم يمر الاقتراح بسلام، إذ سارعت لجنة المناهج في المعهد إلى رفض المقرر، مُبررة قرارها بتساؤلات تشكك في مدى امتلاك الأستاذ الخبرة الكافية لتدريس المقرر، رغم أن ديغراف -الأكاديمي من هايتي- خبير في تدريس اللغات.
لكن بالنسبة لديغراف، لم يكن الرفض مجرد إجراء أكاديمي روتيني، بل كان البداية لما اعتبره مساسا مباشرا بحريته الأكاديمية ومحاولة لفرض رقابة على المناهج.
مكارثية جديدة
رفض الأستاذ الهايتي الاستسلام لقرار اللجنة، وشَنّ ما يشبه الانتفاضة الفردية داخل أروقة المعهد، عبر سلاسل طويلة من رسائل البريد الإلكتروني التي وُجّهت إلى زملائه وعمداء الكليات ورئيسة الجامعة، والتي قام بنشرها للعلن لاحقا، اتهم ديغراف إدارة المعهد بالمشاركة في "مكارثية جديدة" تهدف إلى إسكات الأصوات المتعاطفة مع غزة ولجم نقاد إسرائيل داخل المؤسسات التعليمية.
وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن ديغراف لم يكتفِ بالرسائل الداخلية، بل نقل معركته إلى الفضاء العام عبر مقالات رأي والمنصات الرقمية، لتتوّج الخطوات برفع دعوى قضائية فدرالية ضد المعهد المرموق، متهما فيها المعهد بانتهاك حقوقه المهنية وقمع حرية التعبير المكفولة له دستوريا وأكاديميا.
وقال ديغراف (63 عاما) في إحدى مقابلاته التلفزيونية: "لا ينبغي لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن يقمع تدريسي بهذه الطريقة. ما يحدث ليس مجرد قرار إداري، بل هو تجريد لكرامتي المهنية وانتهاك صريح للحقوق التي خضنا عقودا لترسيخها في الجامعة".
في المقابل، فضّلت إدارة المعهد الصمت، لكنها نفت في ردودها أمام المحكمة كل اتهامات ديغراف، مؤكدة أن قراراتها تنبع من معايير أكاديمية وتنظيمية ولا علاقة لها بقمع الرأي السياسي.
الأستاذية الدائمة
وفي بيئة الشركات أو معظم قطاعات العمل الأمريكية، كان تصرف بهذا الحجم ومواجهة صريحة مع الإدارة سينتهي سريعا بفصل الموظف وإقالته.
لكن ديغراف يتمتع بالأستاذية الدائمة، وهو نظام قانوني وأكاديمي عريق يُحصّن الأساتذة المرموقين ويجعل من شبه المستحيل إقالتهم بسبب آرائهم أو مواقفهم، لحماية البحث العلمي.
وأمام هذا الوضع وجدت إدارة المعهد نفسها في مأزق: لا تستطيع فصل ديغراف، ولا تريد أن تسمح له بتدريس المنهج المقترح، فكان خيارها هو "العزل الناعم".
أُبعد ديغراف عن قسم اللغويات الذي أمضى فيه عقودا، ونُقل إلى مسمى وظيفي مبهم، هو "عضو هيئة تدريس عام"، وهو المسمى الذي يضعه ديغراف الآن بين قوسين.
ولم تتوقف العقوبات الإدارية عند هذا الحد، إذ حُرم الأستاذ من زيادات الراتب المحددة، ومُنع من الإشراف على رسائل طلاب الدراسات العليا، بل حجبت عنه صلاحيات الوصول الإلكترونية حتى على صفحة القسم بفيسبوك، وبات يتقاضى راتبه كاملا دون أن يُسمح له بوضع قدمه في قاعة درس واحدة.
التضييق الأكاديمي
ليست حالة ديغراف في "إم آي تي" حدثا معزولا، بل هي رأس جليد يطفو فوق مياه راكدة من التوتر الذي يلف الجامعات الأمريكية كافّة. فمنذ العام الماضي، تتزايد الضغوط السياسية والتشريعية على إدارة الجامعات المرموقة، لا سيما من قبل لجان الكونغرس التي وجهت اتهامات متكررة لقيادات أكاديمية بالتساهل مع ما وصفته بـ"المعاداة للسامية".
وقد طالت هذه الضغوط ديغراف نفسه؛ إذ أشار تقرير صادر عن إحدى لجان مجلس النواب الأمريكي إلى اسمه، متهما إياه بنشر "نظريات مؤامرة".
وتتزامن هذه القضية مع نزاعات مشابهة في جامعات مثل "كارنيجي ميلون" وتكساس وسان خوسيه، إذ وُضع أساتذة في إجازات إدارية أو خضعوا للتحقيق بسبب منشورات أو مواقف تؤيد الحقوق الفلسطينية أو تنتقد الإدارات الأكاديمية.
ويرى أنصار ديغراف وأصدقاؤه، ومنهم أستاذ الرياضيات الفخري بالجامعة هاينز ميلر، أن صلابته نابعة من إيمان عميق بعدالة قضيته وبأن المبادئ لا تُجزأ.
وبينما يستمر النزاع القضائي وتتواصل العطلة القسرية مدفوعة الأجر، يقف ديغراف شاهدا على مرحلة يُعاد فيها رسم حدود الحرية الأكاديمية في أمريكا؛ إذ أصبحت قاعات الدراسة أهدافا للرقابة، وبات ثمن الكلمة الحرة أحيانا، أن تُمنع من الكلام.