تهديد بإحراق الإليزيه.. احتجاجات طلاب المدارس الثانوية تهز فرنسا
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تشهد فرنسا منذ أواخر سبتمبر موجة احتجاجات طلابية اتسعت من مطالب مرتبطة بظروف الدراسة إلى حركة شبابية أوسع، تتداخل فيها قضايا التعليم مع الإحساس بالتهميش الاجتماعي، وتتصاعد فيها المواجهة مع أجهزة الدولة.
وقد بدأت التحركات من مدارس في ضواحي باريس، قبل أن تنتشر إلى مئات المؤسسات التعليمية والجامعات، في مشهد دفع الصحافة الأوروبية والفرنسية إلى التساؤل عما إذا كانت فرنسا أمام احتجاج اجتماعي جديد أم أمام انفلات تدريجي لحركة يصعب تحديد قيادتها ومطالبها.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 تريدان السلم وتواصلان الحرب.. لماذا تفشل الدبلوماسية بين أمريكا وإيران؟
* list 2 of 2 نفوذها تحت الاختبار.. أيباك تنفق بسخاء لانتخاب حلفائها وأموالها تصنع أعداء جددا end of list
وتشير التغطيات إلى أن الشرارة الأولى كانت تعليمية بالأساس: اكتظاظ الأقسام، نقص المدرسين، تدهور المباني، ضغط الجداول الدراسية والقلق بشأن مستقبل الطلاب، لكن الحركة سرعان ما تجاوزت هذه المطالب المحددة.
مصدر الصورة
فبحسب افتتاحية لوموند، انطلقت الاحتجاجات بصورة عفوية من ثانوية في كريتاي، وكان كثير من المشاركين من أحياء شعبية في الضواحي، قبل أن تنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
وتلخص الصحيفة المعضلة بعبارة لافتة: "كان ينبغي أن يبدأ الأمر بالاستماع إلى التلاميذ"، معتبرة أن أصواتهم كانت موجودة منذ البداية، لكن لم تجد، بحسب تعبيرها، "آذاناً كثيرة" للإصغاء إليها.
هذا البعد الاجتماعي والجغرافي يبرز بصورة أكبر في قراءة مجلة لونوفيل أوبس، التي تتحدث عن "صحوة سياسية لشباب الضواحي"، فالحركة، بحسب تحليل الصحيفة، لا تنطلق هذه المرة من المدارس الميسورة في وسط المدن، وإنما من مؤسسات تعليمية في الضواحي الشعبية، حيث تتفاقم الفوارق الاجتماعية والتعليمية.
ويرى التحليل أن هذا التحول مهم بحد ذاته، لأن شبابا كان يُنظر إليهم غالبا باعتبارهم بعيدين عن السياسة، وجدوا في الاحتجاج وسيلة للتعبير عن أوضاعهم اليومية.
غير أن طبيعة الحركة نفسها تبدو شديدة "الميوعة"، فمطالبها لا تقتصر على زيادة الموارد أو توظيف المدرسين، بل تمتد إلى إصلاح نظام "باركورسوب/Parcoursup" (المنصة الوطنية الرسمية في فرنسا المخصصة للالتحاق بالسنة الأولى من التعليم العالي)، وتخفيف ساعات الدراسة، وتحسين المباني، والاعتراض على بعض القيود المفروضة داخل المدارس.
وتلفت لونوفيل أوبس إلى أن شبكات التواصل، ولا سيما " تيك توك"، أسهمت في الانتشار السريع للتحركات، بحيث أصبح من الممكن تنظيم عمليات إغلاق المدارس وصناعة المنشورات والدعاية لها بصورة شبه فورية، ولذلك تبدو الحركة، وفق هذا التحليل، مزيجا من مطالب اجتماعية حقيقية وتعبئة رقمية عفوية وتدخل سياسي لاحق.
ومن هنا برز الاتهام باستغلال الحركة سياسيا، ولا سيما من جانب حزب "فرنسا الأبية/LFI" وتعرض لونوفيل أوبس حضور النائب لويس بويار في المدارس وخطابه الذي يركز على الفوارق بين مدارس الضواحي و"مدارس أبناء الأثرياء في باريس".
وفي المقابل، نقلت لوموند عن الحكومة اتهامها الحزب باستخدام "وكلاء" داخل الحركة، بينما رفض قادة "فرنسا الأبية" هذه الرواية واعتبروا أن الاحتجاج نشأ من إحباط حقيقي لدى الطلاب.
وبذلك تحولت الحركة تدريجياً إلى ساحة صراع سياسي بين الحكومة واليسار الراديكالي، وهو ما زاد من تعقيد التعامل معها.
هذا ما تركز عليه لاكروا حين تتحدث عن حكومة "وقعت في فخ حركة ذات تطلعات متعددة"، فالحكومة تواجه مطالب لا تملك لها إجابة واحدة، في وقت تحولت فيه بعض التحركات إلى أعمال عنف.
وتنقل الصحيفة عن وزير التعليم إدوار غفراي قوله: "إحدى صعوبات هذه الحركة أنه لا توجد مطالبة وطنية، كل شيء بدأ بمطالب محلية"، ومع انتقال الاحتجاج من إغلاق المدارس إلى الحرائق ورشق الشرطة والاعتداءات، تقول الصحيفة إن الحركة دخلت "لحظة تحول"، وأصبح لزاما على الحكومة أن تجمع بين تقديم جواب سياسي واستعادة الهدوء.
مصدر الصورة
واختارت صحيفة تلغراف البريطانية زاوية مثيرة إذ لفتت في تقريرها عن هذه الأحداث إلى تهديد أحد المحتجين بإحراق قصر الإليزيه، بينما وثقت الحرائق والاشتباكات واعتقال نحو 150 شخصا في يوم واحد.
ونسبت الصحيفة للناشط ريتشي تيبو قوله أمام حشد في سان دوني بباريس: "غدا سنشعل قصر الإليزيه"، في حين نقلت عن وزير الخارجية جان-نويل بارو تأكيده أن "حق التظاهر غير قابل للمصادرة، لكن العنف لا يمكن تبريره".
وفي المقابل، حذرت الصحيفة من أن التركيز على العنف قد يحجب، كما قال بارو، "المخاوف العميقة والتطلعات المشروعة لشباب فرنسا".
وتضيف ميديا بارت بعداً آخر للصورة، من خلال شهادات قاصرين قالوا إنهم تعرضوا لسوء معاملة خلال الاحتجاز، وتصف إحدى الشهادات ما مر به المعتقلون من التلاميذ بأنه كان: "48 ساعة من الجحيم".
ويقول أحد الطلاب : "نحن غاضبون… هناك جرذان في أقسامنا، ولا توجد طاولات وكراسٍ كافية، ثم يرسلون الشرطة إلينا". وهذه الشهادات -مع الاعتراف بأن بعض المتظاهرين متهمون بأعمال عنف أو تخريب وينفون بعضها- تكشف كيف أصبحت طريقة تعامل الشرطة نفسها جزءاً من المعركة السياسية والإعلامية.
ويمكن القول إن هذه الحركة التي بدأت من أزمة تعليمية ملموسة، تحولت إلى تعبير أوسع عن غضب شباب الضواحي، قبل أن تدخل في مواجهة سياسية وأمنية مع الحكومة.
وبينما يركز خطاب السلطة على العنف والتخريب والتوظيف السياسي، ترى أصوات صحفية أن اختزال الحركة في البعد الأمني يهدد بإخفاء أسبابها الاجتماعية والتعليمية.
والمفارقة أن اتساع المطالب وعفوية التعبئة جعلا من الصعب على الحكومة تحديد مخاطب واحد أو تقديم حل واحد، في وقت بات فيه التحدي الأساسي هو الفصل بين المطالب التي يمكن الاستجابة لها وبين أعمال العنف التي تصاحب الحركة، من دون أن يؤدي التعامل الأمني معها إلى طمس أصل الاحتجاج.