الجزيرة نت تحاور أنس القانوع.. نجا بأطروحته من الحرب ليحمي العلم في غزة
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
قبل نحو عامين، ظهر الدكتور أنس القانوع، الذي كان وقتها طالب دكتوراه في جامعة العلوم الماليزية، في صورة وهو يناقش أطروحته عن بعد من بين جدران منزله الذي طالته الحرب.
سرعان ما تحولت هذه الصورة إلى أيقونة للصمود، حيث وصفت بأنها تختصر جانبا من معركة الباحث الفلسطيني للحفاظ على مسيرته العلمية وسط الحرب.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 200 منظمة في 60 دولة تنظم حراكا عالميا من أجل فلسطين
* list 2 of 2 أصيب بالجرب وفقد 15 كيلوغراما.. الاحتلال يفرج عن الصحفي حاتم حمدان بعد 8 أشهر end of list
لكن خلف الصورة لحظات طويلة من الألم والكفاح والتعب، كان يمكن لها أن تعطل مسيرة أنس البحثية، قبل أن ينجح في تجاوزها ويعود إلى الجامعة الإسلامية في غزة، ليس باحثا هذه المرة، بل رئيسا لقسم الفيزياء. فقد رأى فيه مسؤولو الجامعة الشخص المناسب لتولي هذه المسؤولية في ظروف استثنائية فرضتها الحرب.
وإذا كان أنس، في تجربته السابقة، انشغل بتوفير الحد الأدنى من الظروف التي تمكنه من مواصلة بحثه، فإن مسؤوليته اليوم أصبحت أكبر، فهو مطالب بتذليل العقبات التي تواجه طلابه، إلى جانب تقديم الدعم النفسي لهم في واحدة من أصعب الفترات التي يمر بها التعليم الجامعي في غزة.
بين هذين الدورين، وما يفرضه كل منهما من تحديات، أجرت "الجزيرة نت " هذا الحوار الخاص مع أنس القانوع، انتقلنا فيه من الهم الشخصي إلى الأسئلة الأوسع حول البحث العلمي في زمن الحرب، والعقبات التي تواجه الباحثين والطلاب، وما يمكن فعله للحفاظ على ما تبقى من المسار الأكاديمي، ولو بحلول مؤقتة تتيح استمرار العلم في ظروف استثنائية، فإلى نص الحوار.
بعد أكثر من عامين على الصورة التي ظهرتم فيها تناقشون الدكتوراه وسط ركام منزلكم، كيف تنظرون اليوم إلى تلك اللحظة؟ هل أصبحت بالنسبة لكم ذكرى أم مسؤولية؟
الاثنتان معا، لكن المسؤولية غلبت الذكرى. حين أنظر إلى تلك الصورة اليوم أرى بيتا كان متضررا جزئيا وأصبح اليوم مهدوما بالكامل منذ بداية عام 2024، فبعد مناقشة الدكتوراه بأشهر هُدم المنزل كليا، وأنا أسكن الآن في خيمة. أي أن الركام الذي ظهر خلفي لم يكن نهاية القصة بل كان بدايتها، لكنني أرى فيها أيضا رسالة أن العلم في غزة لم يتوقف، وهذه الرسالة لا يكفي أن تُقال مرة واحدة في صورة، بل يجب أن تثبت كل يوم، في كل محاضرة وبحث ومع كل خريج جديد.
الصورة اختزلت قصتكم في لحظة استثنائية، ما الجانب الذي شعرت أن الصورة لم تنقله للناس؟
رغم ما جسدته الصورة من فرحة إنجاز، فإنها أخفت خلفها دروبا شاقة من المعاناة، فلم تظهر سنوات الجهد المضني في مختبرات جامعة العلوم الماليزية لإنتاج الأسلاك النانوية، ولا عناء صياغة الأطروحة وتقديمها وسط جحيم القصف والحصار انقطاع الكهرباء والإنترنت في غزة.
كما غاب عن عدسة الكاميرا صراع البحث عن وسائل لشحن الحواسيب، وأعباء حماية العائلة خلال موجات النزوح، والأهم من ذلك كله أنها لم تظهر غياب الراحل الأكبر، الأستاذ السند الشهيد البروفيسور سفيان تايه، رئيس الجامعة الإسلامية في غزة، الذي رافقني في مسيرتي البحثية لسنوات طويلة.
ماذا تغير في حياتكم الشخصية والمهنية منذ حصولكم على الدكتوراه؟ وما الذي لم يتغير رغم كل ما حدث؟
تغير الكثير، فعلى الصعيد الشخصي فقدت بيتي كليا وأعيش حاليا في خيمة وأقطع سيرا على الأقدام مسافة 8 كيلومترات ذهابا وإيابا للوصول إلى ما تبقى من جامعتي، وعلى الصعيد المهني أصبحت منذ أكتوبر/تشرين الأول 2024 رئيسا لقسم الفيزياء بالجامعة وأشرف على عدد من طلبة الماجستير، وتشرفت بتعييني حاملا لكرسي اليونسكو لعلوم الفلك والفضاء في فلسطين خلفا للشهيد البروفيسور سفيان تايه، وهي أمانة ثقيلة لأنني أحملها باسمه.
أما ما لم يتغير فهو الإيمان بأن التعليم هو ما يبقى، فالجامعة دُمر منها 20 مبنى ولم يبق إلا مبنيان، لكن القسم والجامعة لم يتوقفا، والطلاب ما زالوا يتعلمون والأبحاث ما زالت تُنشر في مجلات دولية ولله الحمد.
هل تشعرون أن الحصول على الدكتوراه في تلك الظروف أغلق فصلاً في حياتكم أم أنه فتح أمامكم فصلا أصعب؟
نعم، فتح فصلا أصعب بلا شك. الدكتوراه كانت مسؤولية فردية، أنا وبحثي وأطروحتي فقط، أما اليوم فالمسؤولية جماعية، حيث أدير قسما كاملا، وطلبة ماجستير أشرف عليهم، وطلبة بكالوريوس أدرسهم فيزياء الكم والفيزياء النووية (طبعا التعليم عن بعد)، وفوق ذلك كرسي اليونسكو الذي يعني الحفاظ على حضور فلسطين العلمي في علوم الفلك والفضاء.
مصدر الصورة
لو عدنا بكم إلى أنس الذي كان يجلس أمام الحاسوب وسط الركام، ماذا ستقول له اليوم؟
سأقول له: الطريق ما يزال طويلا، أطول مما تتخيل، وسيأخذ من وقتك وجهدك أكثر مما أخذ حتى الآن، فالبيت الذي تجلس فيه لن يبقى، وأستاذك لن يكون معك، لكن ما تفعله الآن ليس بلا معنى. هذه الأطروحة ستفتح لك بابا لتحمل مسؤولية قسم كامل، وطلاب ينتظرونك، وأمانة تركها أستاذك، فلا تتوقف، لأن هناك من سيأتي بعدك ويحتاج إليك.
كيف أصبحت رئيسا لقسم الفيزياء بعد فترة قصيرة جدا من حصولك على الدكتوراه؟
تسلمت رئاسة القسم في أكتوبر/تشرين الأول 2024 بقرار من إدارة الجامعة في وقت كانت فيه الجامعة تحاول أن تقف على قدميها وسط الحرب، حيث اتصل بي الأستاذ الدكتور بسام السقا وكان رئيسا لقسم الفيزياء في تلك اللحظة، لكنه عين نائبا لرئيس الجامعة للشؤون الأكاديمية، فقال لي إن الجامعة بحاجتك الآن في هذا المنصب، وهي أمانة ثقيلة في ظل ظروف الحرب تحتاج إلى من يحملها، وأظن أن الجامعة لم تبحث عن الأقدمية بقدر ما كانت تبحث عمن يستطيع أن يحمل القسم في ظرف استثنائي، وقبلت المهمة لأن الاعتذار في مثل هذا الوقت كان يعني ترك فراغ لا يحتمل.
اليوم أصبحت رئيسا لقسم الفيزياء في الجامعة الإسلامية. كيف يبدو الانتقال من موقع الباحث الذي كان يحاول إنقاذ بحثه وسط الحرب إلى موقع المسؤول عن مجموعة من الأساتذة والطلاب؟
بوصفي باحثا، كنت أسأل كيف أنقذ بياناتي؟ كيف أشحن جهازي؟ كيف أحصل على إنترنت؟ كيف أرسل فصلا من الأطروحة لمشرفي الأستاذ الدكتور ناصر الراوي حفظه الله؟ أما اليوم فالأسئلة تغيرت: هل زملائي بخير؟ هل وصلت المحاضرة للطلاب؟ من الطالب الذي انقطع ولماذا؟ هناك كثير من الطلاب استشهدوا. ينقطع الطالب عن الدراسة، أسأل عن الطالب فيقال إنه استشهد. صار علي أن أدير أشخاصا كل واحد منهم يعيش مأساته الخاصة، فمثلا طالبة حضرت الاختبار فقالت لي إن خالها قصف أمامها، خالها أصبح أشلاء أمامها ولا تستطيع أن تنسى هذا المشهد. كيف سأتعامل مع هذه الطالبة وهي الآن ستتقدم للاختبار؟ وكيف سأطلب منهم الالتزام وأنا أعرف أن ما يمرون به شيء لا يطاق؟ التوازن بين الحزم الأكاديمي والتعامل مع النظام والرحمة الإنسانية هو أصعب ما في هذا الواقع. لكننا نوازن ونتخطاها بفضل الله عز وجل ونتعامل مع كل حالة على حدة.
ما أصعب قرار اضطررتم إلى اتخاذه منذ توليكم رئاسة القسم؟
أصعب قرار هو أني توليت بنفسي إكمال الإشراف على طلبة الماجستير الذين كانوا تحت إشراف الدكتور سفيان تايه رحمه الله ولم يكملوا بحثهم بعد، وعددهم 6 باحثين يحتاجون لمن ينقذ بحثهم بعد استشهاد مشرفهم. وبحمد الله أشرفت عليهم واحدا تلو الآخر وأنجزوا بحثهم وناقشناهم جميعا، ولكنها كانت مشقة كبيرة في ظل الظروف التي نعيش. لقد كانوا يأتون إلى خيمتي مكان سكني وأجلس معهم بالساعات وأنا أوجههم وأشرف عليهم وسط أجواء الحرب، فلم يكن الأمر سهلا. كذلك قبول منصب حامل كرسي اليونسكو لعلوم الفلك والفضاء في فلسطين إذ إنه كان شاغرا بعد استشهاد الدكتور سفيان، فلم أستطع الاعتراض على قبول المنصب لأن الاعتذار كان صعبا على الجامعة وعلى فلسطين في تلك الظروف.
كيف يمكن لرئيس قسم فيزياء أن يدير العملية الأكاديمية في بيئة تفتقر إلى المختبرات والمعدات والكهرباء والإنترنت بصورة مستقرة؟
اعتمدنا في الإدارة منهجية "المرونة بدلا من الانتظام "، فمثلا للتغلب على غياب البنية التحتية، نقوم بتسجيل المحاضرات ورفعها عبر يوتيوب ومنصة مودل ليتمكن الطلاب من مشاهدتها فور توفر التيار الكهربائي والإنترنت.
ولمواجهة عقبة المواصلات واختبارات التعلم عن بعد، تم تجهيز مقار متعددة للامتحانات شمال ووسط وجنوب القطاع ليؤدي كل طالب امتحانه في أقرب نقطة لمكان نزوحه بالتنسيق عبر تطبيق واتساب، وبذلنا جهودا مضنية لتجهيز مختبرات بسيطة للفيزياء العامة لتسيير الحد الأدنى من العملية التعليمية، متحملين أعباء إدارية وبحثية هائلة وأقلها مشقة التنقل اليومي سيرا على الأقدام، والخلاصة أن الإدارة في زمن الحرب تقوم على استيفاء الجوهر المعياري بحس إنساني مرن بعيدا عن الجمود البيروقراطي.
ما الذي بقي من مختبرات قسم الفيزياء وإمكاناته البحثية، وما الذي فُقد؟
تكبد قسم الفيزياء خسائر فادحة تمثلت في تدمير مبناه بالكامل وما يضمه من مختبرات ضمت أجهزة بملايين الدولارات، مثل مختبرات الضوء، الإلكترونيات، الكهرومغناطيسية، والمشغل، والفيزياء المتقدمة.
ورغم قيام الكادر بجمع بعض القطع المتبقية لتأهيل مختبرين عامين ومحاولة تأسيس ثالث، فإن الحصار الصارم يفرض عراقيل قاسية تشمل حظر إدخال الأدوات والمعدات العلمية، وحتى مستلزمات الطباعة والوقود، مما يضاعف من معاناة التنقل واستمرار العملية التعليمية، فلك أن تتخيل أنني حينما أذهب إلى الجامعة أحتاج في طريقي إليها ساعة ونصفا، وفي العودة مثلها، وهذا شيء مرهق جدا.
هل ما زال طلاب الفيزياء في غزة قادرين على تنفيذ أبحاث وتجارب عملية، أم أن البحث تحول في بعض الحالات إلى عمل نظري أو محاكاة حاسوبية؟
أدى الدمار الشامل إلى توقف التجارب العملية وتحول الأبحاث الطلابية نحو الجانب النظري والمحاكاة الحاسوبية، وهو تحول اضطراري لا ينقص من قيمة الأبحاث، وإن كان يترك فجوة مقلقة في نقص المهارات العملية البحتة لدى الخريجين، وهي عقبة يمكن تجاوزها لاحقا بالممارسة الميدانية مستقبلا كشأن تجربتي الشخصية.
ما أكثر ما يقلقكم على مستقبل طلاب القسم: انقطاع التعليم، أم هجرة الباحثين، أم فقدان البنية التحتية العلمية؟
يتمثل الهاجس الأكبر للقسم في هجرة الكفاءات الأكاديمية والطلاب المتميزين بلا رجعة، مما يخلق فراغا يصعب تعويضه، فالجامعة في جوهرها تقوم على طاقاتها البشرية أولا وقبل كل شيء.
هل لديكم طلاب أو باحثون يعملون الآن على أبحاث يمكن وصفها بأنها "أبحاث في زمن الحرب "؟ وما الموضوعات التي يركزون عليها؟
نعم، أنا شخصيا ارتفع عدد أبحاثي بعد الدكتوراه عام 2024 من 27 بحثا إلى 39 بحثا وكانت هذه القفزة في العدد في زمن الحرب، وكلها أبحاث منشورة في المجلات العالمية المصنفة ضمن قاعدة بيانات "ويب أوف سايس"، وقد اتسمت هذه الأبحاث بارتباطها الوثيق بهموم المجتمع الملحة في ظل الأزمة الإنسانية، مثل تصميم مستشعرات ضوئية لرصد التلوث المائي والبكتيري، وتطوير تقنيات مبنية على البلورات والألياف الضوئية للتمييز المبكر بين الخلايا السليمة والسرطانية.
مصدر الصورة
إذا أردنا أن نحدد المشكلة في غزة علميا، ما أول حلقة في سلسلة البحث العلمي التي انقطعت في غزة: التمويل، المختبرات، المواد والأجهزة، الوصول إلى الدوريات العلمية، الإنترنت، أم القدرة على السفر؟
"المختبرات " هي الحلقة الأولى والأساسية التي انقطعت تماما بكل مكوناتها من مكان، وأجهزة، ومواد بحثية، فمعاناة إدخال المواد والأجهزة العلمية السلمية، المخصصة للأبحاث الخدمية والإنسانية، كانت قائمة وصعبة للغاية حتى من قبل اندلاع الحرب بسبب القيود والاحتلال. ومع قدوم الحرب، دُمرت البنية التحتية والمختبرات برمتها. ورغم وجود تحديات أخرى تتعلق بانقطاع الكهرباء والإنترنت وشح التمويل، فإن غياب المختبر الفعلي يظل العائق الأكبر أمام مسيرة البحث العلمي، في حين يظل العمل النظري متاحا بديلا مؤقتا متى توفرت مقوماته الأساسية.
في الفيزياء تحديدا، كم من الأبحاث يمكن إنجازها دون مختبر؟ وأين يصل الحد الذي يصبح فيه وجود المختبر ضرورة لا يمكن تعويضها؟
في مجال الفيزياء، فإن جزءا كبيرا يمكن إنجازه من خلال "الفيزياء النظرية " التي لا تتطلب معامل. وبحكم خبرتي المزدوجة بين النظري في الماجستير والعملي في الدكتوراه، أستطيع بعد تدمير المختبرات إبان الحرب أن أدعم الطلبة والباحثين في مسار الفيزياء النظرية، معتمدا على المحاكاة وتصميم المستشعرات وحساب حساسيتها لكشف البكتيريا والمواد الضارة افتراضيا.
ومع ذلك، فإن الأبحاث العملية تظل الأقوى والأسرع في النشر ضمن المجلات العالمية المحكمة، لكونها تمثل الواقع المثبت والتطبيق الملموس (مثل تصنيع أسلاك الفضة النانوية)، غير أن غياب المختبرات يفرض اللجوء مرغمين على الجانب النظري.
هل أصبح الباحث الفلسطيني في غزة مضطرا إلى تغيير موضوع بحثه ليتناسب مع ما هو متاح؟ وهل يمثل ذلك خسارة علمية على المدى الطويل؟
بالطبع يضطر الباحثون في غزة لذلك، وأنا منهم، فقد اضطررت إلى تغيير اهتمامي البحثي من أبحاث أسلاك الفضة النانوية إلى مسارات نظرية بديلة لتتوافق مع شح الإمكانات.
وعلى المدى الطويل، فإن هذه التضحية تمثل خسارة علمية حقيقية تتمثل في تراجع المهارات التجريبية نتيجة انعدام الممارسة، ليقتصر دور الباحث الغزي على الجانب النظري بينما ينفذ الآخرون التجارب، ويحدث ذلك معي حاليا من خلال تعاون مع باحث سوداني في ألمانيا لتصنيع أسلاك الفضة النانوية، حيث أقدم الأفكار والخبرة العلمية من غزة وينفذها زميلي في ألمانيا، ورغم نجاح التعاون، فإن غصة الحرمان من ممارسة العمل المخبري بنفسي تظل قائمة، لكن الاستمرار بالجانب النظري أهون من التوقف التام.
ماذا حدث للعينات والأجهزة والمشروعات البحثية التي كانت قائمة قبل الحرب؟ هل يمكن استعادتها أم أن جزءا كبيرا من المعرفة والبيانات قد فُقد؟
الناجي الوحيد من البيانات والمعلومات تمثل في النسخ الرقمية المحفوظة خارج قطاع غزة، مثل الأبحاث المنشورة في قواعد البيانات العالمية، والملفات المخزنة على السحابة الإلكترونية، أو تلك المحفوظة لدى زملاء في جامعات خارجية. في المقابل، تعرضت كافة العينات والمشروعات والمعدات التي كانت داخل المختبرات لدمار شامل وفقدان كلي إثر هدم تلك المنشآت.
مصدر الصورة
هل المشكلة الحالية مشكلة جيل من الباحثين فقط، أم أنكم تخشون ظهور فجوة علمية تمتد إلى جيل كامل من الطلاب؟
أخشى الثانية، وهي الامتداد لجيل كامل من الطلاب، فهناك طلاب دخلوا الجامعة في عام 2023 وهي السنة التي بدأت بها الحرب ولم يدخلوا مختبرا جامعيا حقيقيا قط. هؤلاء سيتخرجون ويصبح بعضهم معلمين يدرسون الفيزياء في المدارس، وبعضهم معيدون، وقد يكون منهم أساتذة المستقبل، إن لم نعوضهم فالفجوة لن تبقى عندهم فحسب بل ستنتقل إلى من يدرسونهم لاحقا. لذلك يجب أن يكون هناك حل طارئ، ونحن نحاول الآن حقيقة، لقد عملنا مختبرين كما تحدثنا سابقا، والآن جارٍ عمل المختبر الثالث إن شاء الله حتى نضيق هذه الفجوة ما أمكن.
لو أُعيد بناء الجامعات غدا، ما أول 3 أشياء يحتاجها قسم الفيزياء حتى يعود إلى إنتاج البحث العلمي، وليس فقط تدريس المقررات؟
يحتاج أولا مختبرات، أبرزها مختبر توصيف أساسي بأجهزة قياس بصرية وكهربائية يبنى حولها البحث التجريبي في مجالات القسم المختلفة، ثانيا: بنية حاسوبية توفر مختبرات حاسوب، وطاقة مستقرة ومصادر كهرباء لا تنقطع، إنترنت موثوق، وأجهزة حوسبة قادرة على تشغيل المحاكاة الثقيلة إن كنت سأشتغل نظريا أيضا. ثالثا والأهم: الناس (الباحثون والطلاب والأساتذة)، بتوفير رواتب ووظائف بحثية ومنح دراسات عليا تضمن استقرار الكفاءات المتميزة وبقاءها في المسار الأكاديمي.
في ظل انهيار البنية العلمية داخل غزة، إلى أي مدى يمكن للتعاون الدولي أن يعوض غياب المختبرات المحلية؟ وأين تتوقف قدرة التعاون الافتراضي؟
التعاون الدولي أسهم إلى حد ما في بعض إنتاجنا البحثي، فأكثر من ثلث أبحاثي الأخيرة كانت بالشراكة مع زملاء من ماليزيا، ومن السعودية، ومن المغرب وغيرها.
ويسهم هذا التعاون في توفير النتائج العملية وإجراء الحسابات والمراجعات، غير أنه يصطدم بعقبتين رئيسيتين: الأولى هي استحالة تقديم تدريب عملي فعال للطلاب عبر الشاشة أو الإنترنت، والثانية تتمثل في خطر التحول إلى علاقة غير متكافئة يقتصر فيها دور باحثي غزة على تنفيذ الحسابات بينما تُجرى التجارب والأفكار في الخارج.
ورغم اللجوء إلى حلول بديلة مثل تصوير التجارب وبثها للطلاب بوصفه حلا بديلا، فإنه لا يغني بطبيعة الحال، عن الحل الأفضل وهو التطبيق العملي المباشر، لكن يظل وجود هذا الحل البديل أفضل من العدم.
مصدر الصورة
أصبح التعاون الدولي بالنسبة إلى كثير من الباحثين في غزة شريانا أساسيا للاستمرار. ما الذي تحتاجونه تحديدا من الجامعات ومراكز البحث خارج فلسطين؟
نحن بحاجة ماسة إلى برامج مؤسسية متكاملة تتجاوز المبادرات الفردية، وتتضمن إشرافا مشتركا على طلاب الماجستير، وتخصيص أوقات لاستخدام أجهزة القياس في المختبرات الخارجية لخدمة عينات وتصاميم طلاب غزة. كما تشمل الاحتياجات الإعفاء من رسوم النشر في المجلات المفتوحة، وتوفير تراخيص لبرامج المحاكاة وقواعد البيانات العلمية، فضلا عن إيجاد "زمالات افتراضية " برواتب تعوض استحالة السفر نتيجة إغلاق المعابر، بحيث يتمكن الباحثون من التواصل وعقد اللقاءات وإجراء الأبحاث عن بُعد بكفاءة.
ما الذي يمكن لباحث في جامعة أجنبية أن يفعله عمليا لمساعدة زميله في غزة، بعيدا عن البيانات التضامنية؟
الأفعال البسيطة التي يمكن أن يقدمها أي باحث في الجامعات الأجنبية تصنع فرقا حقيقيا، مثل ضم زميل من غزة شريكا أساسيا في الفريق البحثي، وتجربتي التي تحدثت عنها مع الباحث السوداني الذي يعمل في ألمانيا مثال على ذلك، حيث تكاتفنا معا ونجحنا في تصنيع أسلاك الفضة النانوية وتبادلنا الأفكار لتطوير تطبيقات جديدة، وهذه الشراكات تمنح الباحثين في غزة الأمل وقوة الدفع للاستمرار في مواجهة الظروف القاسية وجحيم المعيشة، فمسيرة الحياة والعلم يجب أن تستمر رغم صعوبة الأقدار.
أنتم الآن مشرف على كرسي اليونسكو في الفضاء والفلك بفلسطين. ما هي أنشطتكم بهذا المجال وما علاقته بتخصصك العلمي؟
كرسي اليونسكو للفضاء والفلك كان يشغله الشهيد الدكتور سفيان تايه رحمه الله، وقطاع غزة كان يمتلك حصة واحدة من بين 5 كراسي لليونسكو وزعت في فلسطين.
وقبل الحرب، اقتصرت الأنشطة على إمكانات بسيطة مثل التلسكوبات لتمكين طلاب البكالوريوس من رصد الظواهر الفلكية والكواكب، في رمزية تؤكد حق الطلاب الفلسطينيين في تعلم شتى العلوم بغض النظر عن تعقيداتها. ورغم الدمار الهائل الذي خلفته الحرب واستشهاد الدكتور سفيان، وافقت على تولي ترشيح هذا الكرسي بطلب من الجهات الرسمية لإثبات بقاء غزة حاضرة علميا رغم كارثية الأوضاع. وقد تكللت هذه الجهود ببدء نواة بحثية نظرية جديدة تتناول ميلاد وموت النجوم والثقوب السوداء تمهيدا لنشر أبحاث قريبة.
هل يمكن لعلوم الفضاء والأقمار الصناعية أن تقدم حلولا مباشرة لمشكلات غزة؟
لعلوم الفضاء والأقمار الصناعية تطبيقات عملية مباشرة وملموسة في خدمة قطاع غزة، لا سيما في تحديد مواقع المنازل المدمرة التي مسحت معالمها بالكامل خلال الحرب، مما ساعد الأهالي ولجان الإعمار في إثبات حقوق ملكية العقارات ومساحاتها وأعداد طوابقها بدقة. علاوة على ذلك، تُعد صور الأقمار الصناعية أداة محورية لتقدير حجم الدمار العمراني، وحساب كميات الركام، ومتابعة الأراضي الزراعية، والمياه الجوفية، والساحل، والتلوث البيئي، وهي متطلبات أساسية لأي خطة إعمار مستقبلية ناجحة.
أنت أب وأستاذ وباحث ومسؤول أكاديمي، وكل هذه الأدوار تعرضت لاختبار قاسٍ خلال الحرب. أي هذه الأدوار كان الأصعب عليك؟
دور الأب هو الأصعب على الإطلاق مقارنة بأدواري الأخرى بوصفي أستاذا وباحثا ومسؤولا، نظرا لعدم قدرتي على تأجيل الخوف أو الجوع أو تساؤلات أطفالي. ولك أن تتصور حالة القلق المستمر التي تعتريني أثناء تواجدي في الجامعة خوفا على عائلتي في الخيام من القصف والرصاص الطائش الذي لا تحميه الجدران المؤقتة، ومع كل هذه الصعوبات النفسية أنا مطالب بأن أظل الأب القوي والقدوة والمحفز لطلابي الذين يعيشون الظروف ذاتها.
وفي كثير من الأحيان أحدث نفسي وأنا في طريقي من الجامعة إلى الخيمة التي أقيم بها مع عائلتي، وأقول لنفسي أنا أحاول أن أمُد طلابي بالطاقة والتحفيز والتشجيع، لكن من سيمدني أنا بالطاقة؟ ومن سيحفزني؟ وفي النهاية أجد ملاذي في الإيمان بالله والتوكل عليه لمواجهة الألم العميق الذي لو أردت أن أكتب لكم كل تفاصيله لاحتجت إلى مجلدات.
خلال سنوات النزوح والحرب، هل مرت عليك لحظة قلت فيها: "لن أستطيع إكمال الدكتوراه "؟
لم أتردد قط أو أفكر في التخلي عن إكمال الدكتوراه، بل كان هدفي الثابت منذ الأسابيع الأولى للحرب استئناف الكتابة مع أول فرصة سانحة. ومع هدوء وتيرة المعارك نسبيا بعد 5 أشهر، عدت تدريجيا للكتابة باحثا عن مصادر الطاقة والإنترنت وسط المخاطر الكبيرة المحيطة بمكان النزوح.
كيف أثرت تجربة الحرب في علاقتك بالعلم؟ هل أصبحت ترى وظيفة العالم بصورة مختلفة عما كنت تراها قبل الحرب؟
قبل الحرب، كنت أرى العلم مسارا مهنيا؛ من أبحاث ومؤتمرات وترقيات. اليوم أراه شكلا من أشكال البقاء. أصبح مطلوبا مني أن أبذل مزيدا من الجهد والعمل لأعوض الفاقد لطلابنا إذ إننا فقدنا كوادر وعلماء مثل الدكتور سفيان تايه رحمه الله. أصبحت علاقتنا بالعلم علاقة العالم البسيط الذي لا يملك سيارة كما كان قبل الحرب، لا يملك بيتا كما كان قبل الحرب، ولا يملك مختبرا كما كان قبل الحرب، يسير معظم الطريق مشيا على الأقدام، فأصبحت وظيفة فيها من المشقة عشرات أضعاف ما كانت عليه قبل الحرب.
ما الذي علمته لطلابك خلال هذه الفترة؟ وماذا تعلمت منك؟
حاولت أن أعلمهم أن المنهج العلمي لا يتغير بتغير الظروف، والتزام الدقة والأمانة والصبر على المسألة حتى تحل، وأن التعلم عن بعد لا يعني تعليما بمعايير أقل. أما ما تعلمته منهم فأكبر. رأيت طلابا يتابعون محاضرات فيزياء الكم بشغف من هواتفهم في الخيام، ويبحثون عن نقطة إنترنت ليسلموا تكليفا، ويعتذرون عن التأخير وكأن ظروفهم عادية. علموني أن الإصرار ليس صفة استثنائية بل شيء يمارسه أناس عاديون كل يوم.
إذا استمرت الظروف الحالية لسنوات أخرى، ما السيناريو الذي تخشاه على مستقبل الفيزياء والبحث العلمي في غزة؟ وبالمقابل، ما السيناريو الذي تعتقد أنه يمكن أن ينقذ هذا الجيل العلمي من الضياع؟
أخشى على المدى الطويل أن تتحول غزة إلى مكان يقتصر على تدريس النظريات دون بحث عملي أو إنتاج مخبري، مما يدفع العلماء الحقيقيين إلى الهجرة ويترك البلاد بلا كوادر لإعادة الإعمار.
وفي المقابل، أرى أن طوق النجاة يكمن في التعامل مع هذا الجيل بوصفه استثمارا طارئا وعاجلا، وعدم تعليق دعمهم لحين انتهاء الإعمار، وذلك من خلال توفير المنح والزمالات الافتراضية، والمختبرات المصغرة، والشراكات الدولية التي تتيح للباحثين مواصلة أعمالهم والتواصل مع العالم الخارجي من داخل وطنهم.
لو كان أمامك اليوم طلاب فيزياء فلسطينيون في بداية الطريق ويسألونك: هل يستحق الأمر أن نستمر في دراسة العلوم في هذه الظروف؟ ماذا تقول لهم؟
أقول لهم استمروا في دراسة العلوم رغم قسوة الظروف، فالوطن سيحتاج قريبا إلى سواعد جميع المتخصصين لإعادة بناء البنية التحتية والقطاعات التعليمية والصحية. فالعلم كنز لا يمكن هدمه أو مصادرته، فهو يرافق صاحبه أينما حل، وكونوا مستعدين لاغتنام الفرص حين تتبدل الظروف نحو الأفضل للإسهام الفاعل في نهضة البلاد.
بعد أن انتقلت من الباحث الذي كان يناقش الدكتوراه وسط الركام إلى رئيس قسم ومسؤول عن مسار أكاديمي وبحثي، ما الحلم العلمي الذي لم تتخل عنه بعد؟
حلمي الأكبر يتمثل في مواصلة البحث العلمي الرصين ونشر الأبحاث المحكمة في المجلات العالمية، والاقتداء بالعلماء الشهداء، وحماية جيل المستقبل من خلال البقاء في الوطن وعدم مغادرته.
وأرى أن صمودي واستمراري في تأدية رسالتي وسط الأزمة يشكل قدوة حية لطلابي ولمن يأتي بعدي، فالوطن اليوم بحاجة ماسة لكل الطاقات والكوادر حتى لا تنطفئ شعلة العلم والمعرفة فيه.