آخر الأخبار

تايوان.. لماذا تحظى الجزيرة بكل هذه الأهمية؟

شارك
(تعبيرية من آيستوك)

تعد تايوان إحدى أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين الولايات المتحدة والصين، إذ تمثل نقطة التقاء بين المصالح الاستراتيجية والتنافس العسكري والصراع على النفوذ في آسيا. فالجزيرة الثرية والديمقراطية، الواقعة قبالة السواحل الصينية، تحظى بدعم أميركي سياسي وعسكري، بينما تعتبرها بكين جزءاً من أراضيها وتسعى إلى "إعادة توحيدها" مع البر الصيني.

وخلال السنوات الأخيرة، تصاعدت التوترات بشكل ملحوظ مع تكثيف الصين مناوراتها العسكرية حول الجزيرة، في وقت تواصل فيه واشنطن دعم تايبيه. ويخشى مراقبون من أن تتحول القضية التايوانية إلى الشرارة التي قد تشعل مواجهة مباشرة بين أكبر قوتين اقتصاديتين وعسكريتين في العالم.

موقع استراتيجي مهم

شهدت تايوان صراعاً على السيطرة عليها عبر قرون طويلة، إذ خضعت للحكم الإسباني والهولندي ثم لأسرة تشينغ الصينية. وبعد أن تنازلت الصين عن الجزيرة لليابان إثر هزيمتها العسكرية عام 1895، أصبح شعار "إعادة التوحيد" جزءاً أساسياً من الخطاب القومي الصيني، وفق "بلومبرغ".

ورغم أن الحزب الشيوعي الصيني لم يحكم تايوان يوماً، فإنه يعتبر استعادة السيطرة عليها خطوة ضرورية لإنهاء ما تسميه بكين "قرن الإذلال" الذي تعرضت له الصين على أيدي القوى الاستعمارية، ويعد هذا الهدف أحد أبرز الملفات التي يتبناها الرئيس الصيني شي جين بينغ.

في المقابل، تنظر الولايات المتحدة واليابان إلى تايوان باعتبارها موقعاً استراتيجياً مهماً ضمن سلسلة جزر تساعد على احتواء النفوذ الصيني وحماية طرق التجارة الدولية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ.

(آيستوك)

كما استفادت تايوان من الدعم الأميركي لتصبح أحد أهم منتجي أشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة في العالم.

هذا وتضم الجزيرة نحو 23.5 مليون نسمة، وتعتبر من أكثر الديمقراطيات حيوية في آسيا.

كيف بدأ النزاع بين الصين وتايوان؟

فيما تعود جذور الأزمة الحالية إلى عام 1949، عندما انسحب تشيانغ كاي شيك، زعيم الحزب القومي الصيني، إلى تايوان بعد هزيمته أمام الشيوعيين بقيادة ماو تسي تونغ في الحرب الأهلية الصينية.

واستمرت الولايات المتحدة في الاعتراف بحكومة تشيانغ بوصفها الممثل الشرعي للصين إلى أن قرر الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون تحسين العلاقات مع بكين في سبعينيات القرن الماضي.

فيما أفضى ذلك إلى اعتماد سياسة "الصين الواحدة" التي اعترفت بموجبها واشنطن بجمهورية الصين الشعبية باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة للصين، من دون حسم موقفها من سيادة تايوان.

في المقابل، قبلت بكين باستمرار العلاقات غير الرسمية بين الولايات المتحدة وتايوان، بما في ذلك مبيعات الأسلحة بشروط محددة، مع احتفاظها بحق استخدام القوة لمنع أي إعلان رسمي لاستقلال الجزيرة.

تزايد التأييد للاستقلال

وتكشف استطلاعات الرأي عن ارتفاع مطرد في نسبة التايوانيين المؤيدين للاستقلال، وهو السيناريو الذي تعتبره الصين أخطر تهديد لمصالحها.

فبحسب استطلاع أجري في يونيو (حزيران) 2025، أيد نحو ربع السكان استقلال تايوان بشكل فوري أو مستقبلي، في حين لم تتجاوز نسبة المؤيدين للوحدة مع الصين 7%.

كيف تصاعدت التوترات خلال السنوات الأخيرة؟

وبين عامي 1949 وأواخر ثمانينيات القرن الماضي، هيمنت العداوة العسكرية والتنافس السياسي على العلاقات بين الجانبين، مع ادعاء كل منهما أنه الحكومة الشرعية الوحيدة للصين.

لكن العقود اللاحقة شهدت قدراً من الانفتاح والتعاون الاقتصادي، وتبادلت الصين وتايوان فترات من التقارب والتوتر تبعاً لتغير القيادات السياسية.

وشكل انتخاب تساي إنغ وين رئيسة لتايوان عام 2016 نقطة تحول مهمة، إذ رفض حزبها الديمقراطي التقدمي اعتبار الجزيرة جزءاً من الصين، وسعى إلى تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة وتقليل الاعتماد الاقتصادي على البر الصيني.

تايبيه (آيستوك)

بينما ردت بكين بقطع الاتصالات الرسمية مع تايبيه، وفرض قيود على السفر، ومواصلة جهودها لعزل الجزيرة دبلوماسياً، إلى جانب الضغط على الشركات الدولية لعدم التعامل معها كدولة مستقلة.

لاي تشينغ تي تحت ضغط صيني متزايد

وفي مايو (أيار) 2024، خلف لاي تشينغ تي الرئيسة تساي في منصبه الرئاسي. وكان قد عُرف سابقاً بمواقفه المؤيدة لاستقلال تايوان، قبل أن يتبنى خطاباً أكثر اعتدالاً. وأكد لاي عزمه على العمل مع الولايات المتحدة والدول الديمقراطية للحفاظ على الوضع القائم، والتصدي لما يعتبرها تهديدات متزايدة من الصين.

فيما أثار ذلك مزيداً من الريبة لدى بكين، التي نفذت 3 مناورات عسكرية واسعة النطاق حول الجزيرة خلال عامه الأول في السلطة، وهو أعلى عدد من التدريبات العسكرية من هذا النوع خلال السنة الأولى لأي رئيس تايواني.

كما كثفت القوات الصينية عمليات عبور الخط الأوسط لمضيق تايوان، الذي يمثل عملياً خط الفصل غير الرسمي بين الجانبين، حيث ارتفع متوسط هذه العمليات اليومية إلى أكثر من الضعف مقارنة بالعام السابق.

مخاوف من مواجهة بين الصين وأميركا

هذا ويزداد القلق الدولي من احتمال تحول التوتر حول تايوان إلى صدام مباشر بين الصين والولايات المتحدة.

فقد أكد مسؤولون صينيون خلال اجتماعات مع نظرائهم الأميركيين أن مضيق تايوان لا يندرج ضمن "المياه الدولية"، ما أثار مخاوف من سعي بكين إلى تقييد حركة السفن الحربية الأميركية في المنطقة.

كما فرضت الصين عقوبات رمزية على مسؤولين أميركيين مؤيدين لتايوان، واستهدفت شركات دفاع أميركية مرتبطة بالجزيرة بإجراءات مماثلة.

ويرى محللون أن الجزر التايوانية الصغيرة الواقعة بعيداً عن الجزيرة الرئيسية قد تكون من أولى أهداف أي عملية عسكرية صينية محتملة.

سفن حربية صينية تعبر مياه تايوان الإقليمية (أرشيفية من رويترز)

خلاف حول استقلال الجزيرة

وقبيل قمة جمعت الرئيسين شي جين بينغ ودونالد ترامب، كثفت الصين ضغوطها على واشنطن لتشديد موقفها من استقلال تايوان.

فبينما كانت إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن تؤكد أنها "لا تدعم" استقلال الجزيرة، تسعى بكين إلى أن تعلن الولايات المتحدة صراحة أنها "تعارض" استقلالها، وهو موقف أكثر تشدداً من الناحية السياسية.

كيف تطورت العلاقات الأميركية التايوانية؟

وشهدت العلاقات بين واشنطن وتايبيه توسعاً ملحوظاً خلال الولاية الأولى لترامب، إذ وافقت إدارته على صفقات تسليح قيمتها 18.65 مليار دولار، كما سمحت ببيع مقاتلات أميركية إلى تايوان للمرة الأولى منذ 3 عقود.

كذلك وقع ترامب تشريعات أتاحت لكبار المسؤولين الأميركيين زيارة الجزيرة بصورة رسمية.

وحافظت إدارة جو بايدن على هذا النهج إلى حد كبير، بل ذهبت أبعد من ذلك عندما أكد بايدن مراراً أن الولايات المتحدة ستدافع عن تايوان إذا تعرضت لغزو صيني، في تحول واضح عن سياسة "الغموض الاستراتيجي" التي اتبعتها واشنطن لعقود.

ما موقف ترامب في ولايته الثانية؟

وأثارت مواقف ترامب خلال ولايته الثانية تساؤلات بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن تايوان.

ففي فبراير (شباط) 2025، امتنع عن تأكيد ما إذا كانت إدارته ستمنع الصين من السيطرة على الجزيرة بالقوة، كما لمح خلال حملته الانتخابية إلى أن تايوان "يجب أن تدفع مقابل حمايتها".

سفينة صينية قبالة تايوان (أرشيفية من فرانس برس)

وفي منتصف 2025، تصاعدت الشكوك حول قوة العلاقات بين الجانبين عندما بدا أن الرئيس التايواني لاي تشينغ تي ألغى زيارة خارجية لحلفاء في أميركا اللاتينية بعدما رفضت إدارة ترامب الموافقة على توقفه في نيويورك خلال الرحلة.

لكن ترامب عاد في مقابلة تلفزيونية لاحقة ليؤكد أن الرئيس الصيني يدرك عواقب أي محاولة للسيطرة على تايوان بالقوة، مشيراً إلى أن بكين تعلم ثمن مثل هذه الخطوة.

وفي ديسمبر (كانون الأول) 2025، وافقت إدارته على حزمة مبيعات أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، وهي من أكبر صفقات التسليح الأميركية المخصصة للجزيرة، ما أثار غضب الصين.

تايوان.. ورقة تفاوض أم خط أحمر؟

في الوقت نفسه، أرجأت إدارة ترامب تنفيذ حزمة تسليح أخرى بقيمة 14 مليار دولار كانت قد حظيت بموافقة الكونغرس مطلع عام 2025.

كما ألمح ترامب بعد لقائه شي جين بينغ إلى إمكانية استخدام الصفقة كورقة تفاوضية مع الصين، وهو ما قد يشكل خروجاً على سياسة أميركية متبعة منذ عام 1982 تقضي بعدم التشاور مع بكين بشأن صفقات السلاح المخصصة لتايوان.

وبين إصرار بكين على "إعادة التوحيد"، وتمسك تايوان بنظامها السياسي المستقل، واستمرار الدعم الأميركي للجزيرة، تبقى تايوان واحدة من أخطر بؤر التوتر في العالم، وقضية قادرة على إعادة رسم موازين القوى في آسيا والعلاقات بين واشنطن وبكين.

العربيّة المصدر: العربيّة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران اسرائيل

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا