في الضاحية الجنوبية لبيروت، لا يفكر علي، ابن بلدة عيترون بالنبطية جنوبي لبنان، في الحسابات العسكرية بين إسرائيل وحزب الله بقدر ما يفكر في منزله الذي دُمّر، وفي البلدة التي لا يستطيع العودة إليها بعدما أصبحت ضمن المنطقة التي تسيطر عليها إسرائيل.
حتى المنزل الذي يقيم فيه في الضاحية تعرض لأضرار.
“سمعنا طويلاً عن القوة والردع والدعم الإيراني لحزب الله، لكن ماذا حققت هذه المعادلات؟ أين إيران مما يحصل لنا؟”، يسأل علي.
ولا تقتصر هذه الأسئلة عليه، إذ بدأت تظهر بصورة أكثر علانية في مناطق من جنوب لبنان، مع استمرار العمليات الإسرائيلية في المنطقة، وتعثر الترتيبات التي يفترض أن تنهي القتال وتعيد للدولة اللبنانية دورها الأمني في الجنوب.
خاض حزب الله مواجهتين مع إسرائيل خلال السنوات الثلاث الأخيرة: الأولى بدأت في أكتوبر 2023 دعما لحركة حماس، المصنفة إرهابية من قبل واشنطن، والثانية في مارس الماضي ردا على مقتل المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.
وتلقى الحزب خلالهما ضربات كبيرة ألحقت أضرارا بقدراته وأضعفت نفوذه السياسي، بعدما كان لسنوات صاحب دور سياسي مؤثر في لبنان.
خلال الحرب الثانية ردّت إسرائيل بحملة واسعة من الغارات الجوية على الضاحية الجنوبية واجتياح بري لمناطق في الجنوب وأصدرت إنذارات إخلاء متكررة على مدى أكثر من ثلاثة أشهر من القتال، ما أسفر عن مقتل نحو 4300 شخص ونزوح أكثر من مليون شخص، وفق السلطات.
في 10 سبتمبر، أعلنت إسرائيل أنها سيطرت على مرتفعات علي الطاهر، وهي منطقة استراتيجية في جنوب لبنان، وقالت إنها دمرت شبكة أنفاق ومنشآت لحزب الله تحت الأرض.
وتمت العملية بينما لا تزال المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة بشأن الترتيبات الأمنية بين لبنان وإسرائيل متعثرة، بما في ذلك ملف سلاح حزب الله.
في النبطية، أحد معاقل حزب الله في جنوب لبنان، يبرز النقاش المتعلق بجدوى الحروب التي يخوضها حزب الله بشكل واضح مع تصاعد الدعوات لتولي الدولة مسؤولية الأمن في الجنوب.
وقبل أيام أصدرت مجموعة من النشطاء والمثقفين والسياسيين ما يعرف بـ”نداء النبطية الثاني” طالبوا فيه بانتشار الجيش والقوى الأمنية وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسسات الدولة.
وكتب النائب في البرلمان اللبناني فراس حمدان، أحد الموقعين على النداء على منصة إكس قائلا إن “النبطية ليست فداءً لطهران”، مطالباً الدولة بإنقاذ “عاصمة جبل عامل”.
وفي صور، ظهر مسار مشابه، فقد صدر “نداء صور الثاني” الذي طالب فيه مثقفون ببسط سلطة الدولة على المدينة والجنوب بشكل عام عبر فرض سيطرة الدولة في المناطق التي لا تخضع للسيطرة الإسرائيلية، وحصر السلاح ومنع استخدام الجنوب في الحروب والمفاوضات الإقليمية.
يقول الأستاذ الجامعي حاتم حلاوي، وهو أحد المبادرين لنداء صور الثاني إن الهدف هو تقليل الخسائر وتهيئة ظروف تسمح للدولة اللبنانية بأن تكون في موقع أقوى في أي مفاوضات.
ويضيف لـ”الحرة” أن العلاقة العلنية بين حزب الله وإيران أثرت على نظرة اللبنانيين لطهران، وأن بعض من لم تكن لديهم مشكلة مع هذه العلاقة أصبحوا “أقل ثقة بقدرتها على مساندة الحزب”.
على مدى عقود، قدم حزب الله، المدرج على قوائم الإرهاب الأميركية، سلاحه ودعمه لإيران باعتبارهما جزءاً من استراتيجية ردع إسرائيل، فيما كان الحزب يروج لنفسه بوصفه الجهة القادرة على حماية الجنوب.
لكن اليوم، ومع وجود القوات الإسرائيلية في أجزاء من الجنوب واستمرار الضربات، تثار الكثير من التساؤلات بشأن قدرة الحزب وحليفته إيران على منع تكرار الحرب.
وتقول إسرائيل إنها أنشأت منطقة أمنية داخل الأراضي اللبنانية وتواصل استهداف ما تصفه ببنية حزب الله العسكرية، فيما لا تزال الترتيبات السياسية والأمنية التي يفترض أن تنهي هذا الوضع متعثرة.
يقول الناشط الشيعي المعارض لحزب الله هادي مراد إن النقاش داخل البيئة الشيعية المؤيدة لحزب الله تجاوز في بعض الحالات حدود العتب إلى “غضب شديد ونفور”.
ويضيف لـ”الحرة” أن أسئلة مثل “أين إيران؟” و”لماذا دخلنا في هذه الحرب؟” و”ما مصلحتنا منها؟” باتت تُطرح علناً، لكنه يشير مع ذلك إلى أن من المبكر الحديث عن خسارة حزب الله لقاعدته الشعبية في الجنوب.
في هذا المناخ، حاولت الرئاسة اللبنانية تقديم نفسها بوصفها الجهة القادرة على التعامل مع المخاوف في الجنوب.
وخلال زيارة إلى النبطية، السبت، قال الرئيس جوزيف عون لأهالي الجنوب: “لقد أصغينا إلى نداءاتكم، ونحن إلى جانبكم”، مؤكداً أن “الوقت حان لعودة الدولة إلى الجنوب”.
ورافق عون قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل وعدد من قادة الأجهزة الأمنية، في زيارة جاءت بعد إعلان إسرائيل السيطرة على مرتفعات علي الطاهر وتصاعد المخاوف من مزيد من العمليات في المنطقة. كما كثف الجيش اللبناني مهماته في النبطية ومناطق أخرى، وقال إن الهدف هو “طمأنة الأهالي”.
في المقابل، لا يظهر في خطاب حزب الله ما يشير إلى تراجع عن تحالفه مع طهران.
فالنائب عن حزب الله حسن عز الدين قال إن إيران وضعت لبنان “كأولوية على جدول أعمالها في أي مفاوضات سابقة أو لاحقة”، وإن لبنان سيكون “أول بند” في أي مفاوضات جديدة بين واشنطن وطهران.
ويعكس هذا الموقف فجوة واضحة بين خطاب الحزب الذي لا يزال يرى في التحالف مع إيران جزءاً من قوته، وبين أصوات في الجنوب بدأت تسأل عن كلفة هذا التحالف على حياتها ومنازلها ومستقبلها.
يقول علي لـ”الحرة”: “تعبنا من الحرب ومن النزوح ومن أن نخسر ثم نعود لنبدأ من الصفر. الناس تريد أن تعيش، تريد بيوتها وأرضها وأولادها. إلى متى نبقى ندفع الثمن”؟
“إيران تهدد بالرد إذا قصفت إسرائيل الضاحية، لكن ماذا عن خسارتنا لعشرات البلدات في الجنوب؟ ماذا عن القصف والدمار اليومي؟”، يضيف علي.
المصدر:
الحرة