كشفت الهجمات المدمرة التي شنتها إيران على القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط عن استراتيجيات قتالية أصبحت قديمة بشكل متزايد، وهو ما أقر به أحد كبار قادة الجيش الأمريكي.
ووفقا لصحيفة " Military Times " المتخصصة في تغطية شؤون الجيش والقوات المسلحة الأمريكية، لقد ولّت الأيام التي كانت فيها الولايات المتحدة تخوض حروبها انطلاقا من مراكز قيادة مترامية الأطراف، مع تفوق جوي ساحق. أما الآن، وفي مواجهة خصوم يمتلكون أسلحة بعيدة المدى وطائرات مسيرة، يعيد الجيش الأمريكي تعلم مبدأ أساسي: "كيفية الاختباء".
تغيير العقيدة العسكرية
في إطار تبني القوات الأمريكية استراتيجيات جديدة، تعمل قيادة الأسلحة المشتركة في الجيش الأمريكي، المعروفة اختصارا بـCAC، وهي الجهة المسؤولة عن الإشراف على تطوير القيادة والعقيدة العسكرية، على تغيير الطريقة التي تدرب بها الجنود على التمويه والإخفاء.
وقال الفريق جيمس بي. أيزنهاور، القائد العام لقيادة الأسلحة المشتركة، للصحفيين خلال إحاطة في البنتاغون، الخميس: "أصبح الاختباء على مرأى من الجميع ضرورة حتمية في ساحة المعركة الحديثة".
وأوضح أيزنهاور أن الجيش بات يفكر "بطريقة مختلفة تمامًا في كيفية استخدام قواتنا [وكيفية بقائنا] متفرقين" مقارنة بالعمليات التي خاضها في العراق وأفغانستان، مشيرا بشكل خاص إلى حجم مراكز القيادة.
وأضاف: "علينا أن نبذل جهدا كبيرا لكي نبدو على هيئة شيء لسنا عليه".
وتأتي تصريحات أيزنهاور في وقت بدأت فيه تتكشف تفاصيل عن حجم الدمار الحقيقي الذي خلفه هجوم إيراني على قاعدة أمريكية رئيسية في الشرق الأوسط.
هجوم على قاعدة البحرين
في 28 فبراير، شنت إيران هجومًا بالصواريخ وطائرات مسيرة هجومية أحادية الاتجاه على منشأة الدعم البحري الأمريكية، أو NSA، في البحرين، وذلك بعد ضربات أمريكية وإسرائيلية على إيران.
وفي البداية، قالت وزارة الدفاع الأمريكية إنه لم تحدث أضرار كبيرة تؤثر في العمليات العسكرية، لكن صحيفة "وول ستريت جورنال" أفادت لاحقا بأن قيمة الأضرار بلغت نحو 400 مليون دولار.
وفي أحد أكثر التصريحات الرسمية وضوحا بشأن حجم الأضرار التي خلفتها الحرب حتى الآن، قال القائم بأعمال وزير البحرية الأمريكية هونغ كاو لمراسل صحيفة "إيبوك تايمز" إن إيران "دمرت البحرين تدميرا هائلا".
ولم يكن الهجوم على البحرين حادثة معزولة، إذ تعرض الوجود العسكري الأمريكي المنتشر على نطاق واسع في الشرق الأوسط، والذي يسهل تحديد مواقع منشآته، لهجمات متكررة منذ بدء الحرب مع إيران.
وفي يوليو، قُتل ثلاثة جنود أمريكيين بعدما اخترق هجوم إيراني بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة الدفاعات الجوية المحيطة بقاعدة الموفق السلطي الجوية في الأردن.
وفي مارس، قُتل ستة جنود أمريكيين بعدما أصابت طائرة مسيرة إيرانية مركز عمليات تكتيكية في ميناء الشعيبة بالكويت.
من قذائف الهاون إلى الصواريخ الدقيقة
وخلال حربي العراق وأفغانستان، تعرضت القواعد الأمريكية لهجمات بقذائف الهاون والصواريخ، لكن القوات الأمريكية لم تكن تواجه آنذاك هجمات دقيقة بعيدة المدى بالصواريخ والطائرات المسيرة بالشكل الذي تواجهه الآن.
وقال أيزنهاور: "على مدى 20 عاما، لم نكن مضطرين إلى القلق بشأن أي شيء يأتي من السماء، وفقدنا مستوى من الكفاءة أعتقد أننا كنا قد تدربنا عليه خلال حقبة الحرب الباردة، في الثمانينيات والتسعينيات، عندما كنا نشعر بالقلق من خصوم يمتلكون طائرات ثابتة الجناحين وقدرة على إطلاق ضربات دقيقة بعيدة المدى ضدنا. لم يكن الأمر كذلك في أفغانستان والعراق".
وبحسب كيلي غريكو، الباحثة الرئيسية في مركز ستيمسون، فإن التفوق الجوي الذي تمتعت به الولايات المتحدة خلال "الحرب العالمية على الإرهاب" سمح للقواعد الأمريكية بأن تكون بمثابة ملاذات آمنة.
فقد كانت الولايات المتحدة قادرة على تجميع الإمدادات والأفراد ومراكز القيادة داخل هذه القواعد، من دون مواجهة مراقبة مستمرة وتهديدات من الجو.
وقالت غريكو لـMilitary Times: "هذه القواعد كانت ملاذات آمنة"، ووصفت المنشآت العسكرية الأمريكية بأنها "حالة شاذة، من الناحية التاريخية."
وأضافت أن الولايات المتحدة تعود الآن إلى "مرحلة من الحرب تصبح فيها القاعدة نفسها نقطة ضعف وشيئًا يستطيع الخصم مهاجمته"، وهو ما قد يفرض على الجيش تشتيت موارده.
استنزاف صواريخ الاعتراض
تزداد المشكلة بسبب اعتماد الجيش الأمريكي على ذخائر اعتراض باهظة التكلفة للتصدي للصواريخ الباليستية الإيرانية والطائرات المسيرة الهجومية أحادية الاتجاه منخفضة التكلفة، ما أدى إلى استنزاف مخزون صواريخ الاعتراض الأمريكية بشكل كبير.
وقدر تقرير حديث صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن الولايات المتحدة استهلكت، بين فبراير ويوليو، نحو 65% من مخزونها من صواريخ باتريوت الاعتراضية.
كما انخفض عدد صواريخ ثاد (THAAD) الاعتراضية للصواريخ الباليستية بنسبة 38% منذ بداية الحرب، وفقا للتقرير.
وترى غريكو أن تشتيت القوات لمواجهة نقاط الضعف الجديدة يأتي بتكلفة أيضا. فبدلا من نقل الوقود والذخيرة والطعام وغيرها من الإمدادات عبر مراكز كبيرة، بات يتعين على الجيش توزيعها على عدد أكبر من المواقع، قد تكون متباعدة عن بعضها بدرجة أكبر.
وقالت: "نحن الآن نستبدل الكفاءة بالقدرة على البقاء".
المسافة تعقّد الإمدادات
بعد الأضرار التي لحقت بمنشأة الدعم البحري في البحرين، اضطرت السفن الأمريكية إلى الاعتماد على مركز لوجستي في دييغو غارسيا، وهي جزيرة مرجانية في المحيط الهندي تقع على مسافة تزيد على 2000 ميل من مجموعات حاملات الطائرات الأمريكية الضاربة في الشرق الأوسط.
وأجبرت هذه المسافة الأفراد على طلب الطعام قبل 30 يوما، وهو ما تسبب في صعوبات بسبب الطبيعة غير المتوقعة للعمليات العسكرية المكثفة.
مراكز القيادة.. هدف سهل للرصد
أشار أيزنهاور إلى أنه، عندما كان قائد فرقة، شاهد خلال التدريبات كيف بدأت مراكز القيادة تتقلص أكثر فأكثر، بعدما تمكنت القوات المعادية، وهي الجنود الذين يؤدون دور الخصم خلال التدريبات، من تحديد مواقعها ومهاجمتها بدقة باستخدام بصماتها الإلكترونية.
وردت الوحدات على ذلك بتوزيع قواتها واستخدام أساليب خداع تجعل من الصعب على الخصم معرفة ما يراه وتحديد الهدف الحقيقي.
وقال أيزنهاور: "علينا أن نحقق فوائد الحشد من دون أن نظهر نقاط الضعف التي يسببها التركيز".
وأضاف: "وهذا يؤثر في السرية بطريقة مختلفة عن تأثيره في الكتيبة، لكننا رأينا في العمليات القتالية الحالية نقاط ضعف البصمة الكبيرة والمميزة، سواء كانت مادية أو مرئية أو شيئًا موجودًا على الطيف الكهرومغناطيسي".
وتابع: "إنه يغير بشكل أساسي الطريقة التي نعمل بها".
الخطر يمتد إلى الطائرات والمعدات
لا تقتصر هذه الثغرة على مراكز القيادة، بل تمتد أيضا إلى المعدات والطائرات أثناء تحركها.
في أبريل، أسقطت إيران مقاتلة أمريكية بعدما نشرت سربا من الطائرات المسيرة تمكن من تحديد موقع الطائرة عبر نظام تحديد المواقع العالمي GPS، إلى جانب سرعتها واتجاهها، ثم نقل تلك البيانات إلى القادة الإيرانيين، وفقا لما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز".
وقال أيزنهاور إن الجيش الأمريكي أدرج التدريب على الحرب الكهرومغناطيسية وحرب الطائرات المسيرة في جميع مستوياته.
وأوضح أن الجنود يتعلمون استخدام البيانات الكهرومغناطيسية "لمحاولة تحديد اتجاه العدو أو تحديد موقعه بدقة"، كما يتعلمون "كيفية العمل في تلك البيئة حتى لا يفعل العدو الشيء نفسه بنا".
المصدر: "Military Times"
المصدر:
روسيا اليوم