مجددا يقفز مضيق هرمز إلى بؤرة الاهتمام، ذلك المضيق الذي كان يمر عبره خمس الاستهلاك العالمي من النفط ومشتقاته فضلا عن خمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميا، قبل أن تأتي الحرب على إيران لتضرب معادلة استقرت لعقود.
الحرب التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/ شباط الماضي، شهدت لأول مرة تنفيذ ما هددت به إيران مرارا من قبل وهو تعطيل الملاحة بمضيق هرمز، وردت الولايات المتحدة بمحاصرة الموانئ الإيرانية، ليمتد التأثير السلبي إلى العالم أجمع.
وبعد هدوء نسبي ساد عدة أسابيع، شهدت الساعات الـ48 الأخيرة العديد من التطورات المثيرة التي زعزعت هذا الهدوء وتسببت بشكل فوري في تراجع حركة المرور في المضيق فضلا عن قفزة في أسعار النفط.
فيما يلي أهم هذه التطورات:
صعّت إيران من موقفها بشأن مضيق هرمز اليوم الأربعاء، وألقت بورقة جديدة عبر الحرس الثوري الذي تحدث عما وصفها بـ"منطقة محظورة" خارج المضيق تشمل أجزاء من خليج عمان ومناطق خارجه.
وحسب ما ذكر المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي للتلفزيون الإيراني، فإن هذه المنطقة "تبدأ تقريبا من جهة تشابهار، وتشمل جزءا من بحر عُمان وجزءا آخر من بحر العرب على امتداد المسار الذي يؤدي إلى مضيق هرمز".
وأوضح محبي أنه "إذا مرت سفينة في تلك المنطقة من دون تنسيق، فستُفرض عليها إجراءات عقابية.. وهذا يعني مثلا (أنها) إذا أرادت لاحقا استخدام مضيق هرمز أو إذا أرادت تلقّي خدمات في موقع ما، مثل التأمين أو غيره من الخدمات ذات الصلة، فسوف نحجم عن تقديم هذه الخدمات".
وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي قد قال الأحد الماضي إن بلاده ستنشئ منطقة محظورة خارج مضيق هرمز خلال أيام، وتزامن ذلك مع إعلان طهران عن إحراز تقدم في المفاوضات مع سلطنة عمان (الجارة الجنوبية للمضيق) حول إدارة هذا الممر المائي الحيوي.
ومنذ اندلاع الحرب عطلت طهران حركة الملاحة في المضيق واشترطت على السفن الراغبة في عبوره الحصول على إذن منها، مؤكّدة ألا مجال للعودة إلى النظام الذي كان سائدا قبل الحرب.
في هذه الأثناء، شهدت الساعات الـ48 الماضية تصاعدا واضحا في استهداف السفن، حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني اليوم الأربعاء، استهداف سفينتين أمريكيتين و8 ناقلات نفط مما أسفر عن وقوع أضرار جسيمة بها، قائلا إن ذلك يأتي ردا على استهداف الولايات المتحدة 5 ناقلات نفط إيرانية.
كما تحدث الحرس عن استهداف 10 سفن أخرى في المضيق، قال إنها حاولت بدعم وتشجيع من الجيش الأمريكي، العبور من "منطقة محظورة وغير آمنة".
وكانت واشنطن قد أعلنت أمس الثلاثاء أنها دمرت خمس ناقلات نفط إيرانية، ونشرت القيادة المركزية الأمريكية مقطع فيديو للضربات، ووصفتها بأنها رد على استهداف الحرس الثوري الإيراني سفينة حربية تابعة للبحرية الأمريكية مرتين بصواريخ باليستية خلال اليومين السابقين.
وتحدث البيان عن "تدمير" الناقلات الإيرانية "كافيز" و"شارمينار" و"هورايزون 1″ و"رييسكو" في خليج عمان، إضافة إلى ناقلة "ديريا" قرب جزيرة خارك، مشيرا إلى مطالبة طواقم الناقلات بمغادرتها قبل الاستهداف.
من جانبه، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو للصحفيين خلال زيارة لكولومبيا إن "إيران تواصل محاولاتها لاستهداف السفن الحربية الأمريكية، وفي كل مرة تفعل ذلك أو تحاول القيام به، ستخسر ناقلات نفط".
وقد تركت هذه الاستهدافات أثرا فوريا على حركة المرور من المضيق، حيث أظهرت بيانات شحن أولية صدرت اليوم الأربعاء أن ست سفن لشحن السلع عبرت مضيق هرمز أمس الثلاثاء، انخفاضا من تسع سفن في اليوم السابق ومن متوسط يبلغ نحو 12 سفينة في 10 أيام.
وحسب وكالة رويترز، فقد كان معدل المرور في مضيق هرمز قبل اندلاع الحرب على إيران في 28 فبراير/شباط الماضي، يبلغ نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميا بما فيها ناقلات النفط والغاز الطبيعي.
من جانبها، قالت وكالة الأناضول للأنباء، إن السفن الموجودة في مضيق هرمز تواصل الانتظار، على خلفية الهجمات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة، وسط تراجع كبير في حركة الملاحة بالمضيق.
ورصد فريق تابع للوكالة ناقلات نفط إيرانية متوسطة الحجم تنتظر وقد ظهرت عليها علامات أضرار وصدأ بسبب توقفها فترة طويلة، ونقل عن إيرانيين يعملون بالصيد أن الناقلات الكبيرة تم نقلها إلى مناطق يعتقد أنها أكثر أمانا نسبيا.
على صعيد آخر، كان أمس الثلاثاء قد شهد تطورا نوعيا تمثل في إعلان الحرس الثوري الإيراني أن قوات البحرية التابعة له تمكنت من اعتراض إحدى أحدث الغواصات الذكية غير المأهولة التابعة لما وصفه بـ"الجيش الإرهابي الأميركي" في مدخل مضيق هرمز.
وقال الحرس إنه قام بمصادرة الغواصة المسيرة، واصفا الاستيلاء عليها بأنه تم خلال عملية معقدة استندت إلى معلومات استخبارية ودعم عملياتي، فجر الثلاثاء.
وأضاف البيان أن "هذه الغواصة الذكية مُجهزة بأحدث التقنيات على صعيد الغواصات على مستوى العالم،" وقالت وسائل إعلام إيرانية إن القدرات الرئيسية للغواصة المسيّرة تشمل "الاستطلاع والمراقبة تحت سطح الماء، ورسم خرائط قاع البحر، والكشف عن الألغام، وفحص الكابلات والأنابيب البحرية".
في المقابل، قال متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية ( البنتاغون) إن غواصة مسيرة "تعرضت لعطل فني قبل أكثر من يوم"، مضيفا أنها "كانت تجري مسحا للمياه الإقليمية دعما لعمليات جارية. وكانت المسيرة المعطلة من طراز قديم لا يجمع بيانات بالغة الأهمية ولا يحمل أي معدات سرية للموجات الصوتية أو الرادار".
وبدورها، أكدت شركة أندوريل المنتتجة للغواصة، فقدان إحدى مركباتها، لكنها قللت من أهمية الواقعة، موضحة أنها تعمل بنظام ذاتي التشغيل يمكن الاستغناء عنه، مما يعني أن الغواصة "صممت منذ البداية لتعمل في بيئات خطرة يعد فيها فقدان المركبة احتمالا واردا".
وحسب وكالة رويترز، فإن الجيش الأمريكي يستثمر بكثافة في الأنظمة البحرية المسيرة -بما في ذلك المركبات التي تعمل تحت الماء والتي تعمل على السطح- سعيا لإيجاد طرق أقل تكلفة لمراقبة مساحات شاسعة في المياه، وجمع المعلومات الاستخبارية وتتبع سفن وغواصات الخصوم دون تعريض البحارة للخطر.
ونقلت الوكالة ذاتها عن الموقع الإلكتروني لشركة أندوريل، أن المركبة دايف إل. دي يمكنها العمل مدة تصل إلى 10 أيام دون العودة إلى القاعدة، وهي مصممة للغوص إلى أعماق تصل إلى ستة آلاف متر.
أما عن تكلفة الغواصة، فتنقل رويترز عن موقع ديفينس سكوب الإخباري العسكري الأمريكي أنه ذكر في عام 2024 أنها تقدر بنحو 2.5 مليون دولار.
تطور آخر وقع في باريس وسول لكنه يرتبط بشكل وثيق بتطورات المضيق، حيث قالت كوريا الجنوبية إن رئيسها لي جاي ميونغ الذي يزور فرنسا حاليا بحث مع نظيره إيمانويل ماكرون التعاون بشأن الأمن وحرية الملاحة في مضيق هرمز خلال قمة عقدت في باريس أمس.
وقال لي في مؤتمر صحفي مشترك إن النقاش مع ماكرون حول هرمز دار في إطار محادثات أوسع نطاقا حول قضايا الأمن الدولي، مضيفا أن المحادثات لم تتطرق إلى نشر قوات عسكرية.
وفي إحاطة عقب القمة، قال مستشار الأمن القومي لكوريا الجنوبية وي سونغ لاك إن المحادثات ركزت على كيفية مساهمة كوريا الجنوبية في الجهود الدولية المتعلقة بالأمن البحري في المضيق، وليس على نشر قوات.
لكنه أضاف في تصريح لافت قائلا: "ما زلنا في مرحلة المراجعة. ولم يتم اتخاذ أي قرار بعد"، مشيرا إلى أن إيران طلبت عبر القنوات الدبلوماسية توضيحات بشأن التقارير الإعلامية التي تحدثت عن دور محتمل لسول في تأمين مضيق هرمز.
بدوره، حذّر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي كوريا الجنوبية من الخضوع لما وصفه بأنه "ضغط وترهيب أميركي"، وهدد بعواقب خطيرة إذا أقدمت على نشر قوات أو المشاركة في العمليات.
وكانت سول قد ذكرت الأسبوع الماضي أنها تدرس خيارات متنوعة، بما في ذلك الإجراءات العسكرية، للمساهمة في حرية الملاحة في مضيق هرمز، لكنها نفت التقارير التي أفادت بأن قرارا بنشر قوات قد اتخذ بالفعل.
كما أعلنت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية الثلاثاء أنها أرسلت فريق تفتيش إلى الإمارات لتقييم الأوضاع الأمنية في المنطقة، لكنها شددت على أن الهدف من المهمة هو جمع المعلومات ولا يفترض مسبقا نشر قوات.
واليوم الأربعاء، تظاهر عشرات الأشخاص أمام السفارة الأمريكية في سول لمطالبة السلطات بعدم نشر قوات في مضيق هرمز معتبرين أن الحرب التي تشنها الولايات المتحدة على إيران ليست قانونية.
ورفع المتظاهرون لافتات كُتب عليها "لا تنضموا إلى حرب عدوانية".
على صعيد التطورات السياسية، بحث وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في بكين أمس الثلاثاء، مع نظيره الصيني وانغ يي، أزمة مضيق هرمز وجهود خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار في المنطقة.
في هذه الأثناء، قال مدير إدارة الإعلام والاتصال بالخارجية القطرية، إبراهيم الهاشمي، إنه من غير المقبول استمرار حالة اللاسلم واللاحرب بالمنطقة، مؤكدا أنه يجب فتح مضيق هرمز "دون شروط".
وخلال المؤتمر الصحفي الأسبوعي للوزارة، أكد الهاشمي كذلك ضرورة عدم استخدام المضيق ورقة ضغط.
وضمن الآثار الاقتصادية للتطورات الأخيرة، قفزت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا، اليوم الأربعاء، بنسبة 4.1%، مع استمرار تضرر سلاسل الإمداد جراء تواصل العمليات العسكرية في الشرق الأوسط.
وقالت وكالة الأناضول إن الارتفاع يأتي في وقت تسعى فيه الدول الأوروبية إلى ملء مخزوناتها من الغاز قبل حلول الشتاء، حيث تراجعت مستويات التخزين خلال أغسطس/آب الماضي إلى نحو 57 بالمئة من إجمالي الطاقة التخزينية، وهو أدنى مستوى لهذه الفترة منذ عام 2011.
بدوره، قال مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) الثلاثاء إن اضطرابات مضيق هرمز قد تؤدي إلى إقصاء الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم من سلاسل التوريد العالمية، مما يزيد من تحكم عدد صغير من الشركات الكبرى في حصة أكبر بالسوق، ويضعف مرونة التجارة الدولية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة