تشهد العلاقات البريطانية الإسرائيلية تصاعدا غير مسبوق ومواجهة دبلوماسية هي الأشد منذ عقود، عقب إعلان تل أبيب إغلاق القنصلية البريطانية العامة في القدس الشرقية وسحب الاعتماد الدبلوماسي من طواقمها، وذلك رداً على قرار لندن حظر استيراد بضائع المستوطنات الإسرائيلية المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية، وفرض عقوبات على المستوطنين المعتدين.
وكشف مسؤول إسرائيلي ومصدر مطلع لوكالة رويترز أن السلطات الإسرائيلية أبلغت رسمياً القنصلية البريطانية في القدس الشرقية بوجوب إغلاق أبوابها، مشيرة إلى أن الدبلوماسيين المعينين فيها سيفقدون اعتمادهم الدبلوماسي الرسمي خلال ثلاثين يوماً.
ولم تتوقف الإجراءات عند هذا الحد، بل أفاد المصدر ذاته بأن الممثلين البريطانيين المعينين في بعثة التنسيق الخاصة بقطاع غزة (التي تقودها الولايات المتحدة داخل إسرائيل)، بالإضافة إلى الدبلوماسيين البريطانيين المقيمين في رام الله، قُيدوا بمهلة زمنية لا تتجاوز سبعة أيام فقط لمغادرة البلاد.
وفي رد فعل بريطاني مباشر وسريع على الخطوة الإسرائيلية، أكد وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن إغلاق القنصلية في القدس الشرقية ستكون له آثار سلبية على العلاقات. موضحاً في الوقت ذاته أن الحكومة البريطانية درست التكاليف والفوائد مسبقاً قبل اتخاذ قرارها.
وأكد ميليباند في تصريحات حازمة أن المستوطنون الإرهابيون يطردون الفلسطينيين من منازلهم بينما تغض الحكومة الإسرائيلية الطرف عن أفعالهم.
وأضاف كان أمامنا خياران لا ثالث لهما إما أن نقف مكتوفي الأيدي أمام هذا الظلم والتجاوز الصارخ، أو نندد به ونعالج المشكلة.. وقد اخترنا أن نتصرف.
وأشعلت هذه القرارات وتداعياتها نقاشاً مكثفاً عبر منصات التواصل الاجتماعي وفي الأوساط السياسية، حيث تباينت وجهات النظر بين من يراها تحولاً تاريخياً ومن يراها خطوات غير كافية:
ويرى الباحث لقاء مكي أن الموقف البريطاني الأخير بشأن غزة، معطوفاً على البيان الأوروبي الكندي المشترك ضد المستوطنات، يمثل تطوراً غير مسبوق منذ نكبة عام 1948.
ويُلفت مكي إلى أن بريطانيا بالذات تحمل رمزية تاريخية حادة؛ فالبلد الذي منح الصهيونية وعد بلفور وساعد على إقامة إسرائيل، يُقر اليوم بشعوره بالخجل مما يجري في غزة أمام مرأى العالم ويمارس عقوبات عليها، مما يجعل تل أبيب تشعر بأن أفعالها في غزة ترتد عليها سياسياً.
ومع ذلك، يرى مكي ضرورة التريث؛ إذ إن المحك الحقيقي هو استدامة هذا التحول خشية أن يكون مرتبطة بوجود حكومة بنيامين نتنياهو فقط، ليزول بزوالها.
من جانبها، سلطت المؤرخة والباحثة نائلة الوعري الضوء على "المفارقة التاريخية في قرار إغلاق القنصلية البريطانية بالقدس، مبيّنة أن هذه القنصلية تأسست عام 1838 كإحدى أوائل أدوات الحضور الاستعماري الأوروبي في المدينة.
وساهمت بفاعلية في توسيع النفوذ البريطاني وحماية المصالح الصهيونية وتسهيل الهجرة والاستيطان عبر قناصلها، لتنتقل بريطانيا بعدها مع الانتداب وبلفور إلى رعاية المشروع الصهيوني".
وأكدت أن هذا الرد الغاضب يثبت خشية إسرائيل من انتقال المواقف الدولية من الإدانة اللفظية إلى الإجراءات الملزمة، داعية إلى موقف عربي وفلسطيني موحد يراكم على هذا المسار.
وتؤكد القراءات التحليلية المتداولة أن الخلاف الحالي يتجاوز حدود الملف الفلسطيني؛ إذ تسود قناعة داخل أروقة صنع القرار في لندن بأن التدخلات الإسرائيلية في الشأن الداخلي البريطاني تجاوزت الحدود المقبولة.
وفي السياق ذاته، اعتبر المحلل عبد الله العتيبي أن الخطوة البريطانية ليست انتصاراً نهائياً ولن تغير واقع الاحتلال بمفردها، لكنها تكشف بوضوح هزيمة إسرائيل في معركة الرواية.
فبعد سنوات من تسخير نفوذها لمحاصرة كل صوت ناقد، أصبحت حكومة غربية تتحدث صراحة عن التطهير العرقي، وهو تحول فرضه الصمود الشعبي الفلسطيني والفظائع المرتكبة، إلى جانب حراك عالمي نجح في كسر احتكار إسرائيل للحقيقة.
على الجانب الآخر، قلل مدونون وناشطون من سقف الاحتفاء بقرار بريطانيا و11 دولة أوروبية (من بينها كندا)، مشيرين إلى أن القرار جاء نتيجة ضغط الحملات الشعبية، لكنه يظل محدود التأثير عملياً؛ قدرة الشركات الإسرائيلية على الالتفاف عليه عبر تزوير بلد المنشأ (كتغيير مكان الإنتاج من مستوطنة "أريئيل" إلى "تل أبيب").
كما انتقد آخرون ما وصفوه بـ "الاحتفاء بالنفاق الغربي"، مشيرين إلى أن هذه الدول تفرض عقوبات شكليّة على بعض المستوطنين ومتطرفين أمثال "بن غفير"، في حين تتجاهل فرض عقوبات مماثلة على قادة الجيش والوزراء المسئولين عن مقتل العشرات من الآلاف في غزة، أو على وزارة الاستيطان نفسها.
المصدر:
الجزيرة