دخلت ليلى إلى المكتب بخطوات متثاقلة، تمشي ببطء وتلقي نظرات حائرة حولها، وسألتني بعد إلقاء التحية: أين أجلس من فضلك؟
أشرت إلى الأريكة أمامي فجلست وهي تفرك أصابع يديها وتحرك رجلها اليمنى بطريقة لا إرادية.
ثم بدأت تحكي: "دكتورة، أشعر بتعب شديد، يراودني قلق وتوتر مستمران منذ عدة أشهر، لا أستطيع الاسترخاء سواء في البيت أو في العمل، أخاف باستمرار أن تحدث كارثة ما، أن يصاب أطفالي بمكروه، أو أن أفقد والدي، أو أن يعجز زوجي عن توفير مصاريف المدارس.
عضلات رقبتي تؤلمني، الصداع يلازمني ولا أتذكر آخر مرة حظيت فيها بنوم عميق، أحس أنني على وشك الانهيار، ساعديني، أرجوك! "، ثم أجهشت بالبكاء.
يبلغ عدد المصابين باضطرابات القلق أكثر من 300 مليون شخص، ويبدو أن النساء أكثر عرضة للإصابة، بينما تبدأ الأعراض بصفة مركزة عند فئة عمرية بين 25 و44 سنة مع إمكانية تشخيص المرض حتى عند الأطفال والمراهقين
تعاني ليلى مما يسمى: اضطراب القلق العام أو المعمم (Generalized Anxiety Disorder)، وهو حالة نفسية مزمنة تتميز بالقلق والتوتر المفرط والمستمر، تجاه أحداث وأنشطة يومية مثل العمل والعائلة والصحة.
يشكو الشخص المصاب من أعراض نفسية وجسدية تعيق حياته الطبيعية.
ورصد تقرير صدر عن منظمة الصحة العالمية في عام 2025 أن نسبة انتشار اضطراب القلق المعمم في العالم تبلغ حوالي 1.8% خلال العام وحوالي 3.7% مدى الحياة.
ويبلغ عدد المصابين باضطرابات القلق أكثر من 300 مليون شخص، ويبدو أن النساء أكثر عرضة للإصابة، بينما تبدأ الأعراض بصفة مركزة عند فئة عمرية بين 25 و44 سنة مع إمكانية تشخيص المرض حتى عند الأطفال والمراهقين.
السمة الأساسية لاضطراب القلق المعمم هي وجود قلق ومخاوف مفرطة (ترقب مصحوب بالتوجس) تجاه العديد من الأحداث أو الأنشطة.
كما أن حدة المخاوف، أو مدتها، أو تكرارها غير متناسب مع الاحتمال الحقيقي لوقوع الحدث أو مع تأثيره المحتمل، ويجد الشخص المصاب صعوبة في السيطرة على مخاوفه.
تصاحب هذه الأعراض النفسية أعراض أخرى جسدية مثل التعب المزمن، وخفقان القلب الزائد، والتعرق الزائد، وآلام في العضلات، واضطرابات المعدة والأمعاء، أو اضطرابات النوم.
وغالبا ما يشعر البالغون بالقلق حيال الظروف اليومية للحياة (مسؤوليات مهنية، والمشكلات المالية، وصحة أفراد الأسرة، والمصائب التي قد تصيب أطفالهم)، بينما يعاني الأطفال والمراهقون المصابون بهذا الاضطراب من القلق بشكل مفرط بشأن قدراتهم أو جودة أدائهم في الدراسة.
قد يعترض البعض قائلا: لست مقتنعا أن ما تصفينه حالة مرضية، أليس من الطبيعي أن نقلق بشأن أطفالنا أو عملنا أو صحتنا؟ أليس ذلك من مسؤولياتنا؟
سؤال وجيه.
كيف نفرق إذن بين ما هو عادي وما هو مرضي؟
توجد عدة خصائص تميز اضطراب القلق المعمم عن القلق العادي.
السمة الأساسية لاضطراب القلق المعمم هي وجود قلق ومخاوف مفرطة (ترقب مصحوب بالتوجس) تجاه العديد من الأحداث أو الأنشطة. تصاحب هذه الأعراض النفسية أعراض أخرى جسدية مثل التعب المزمن، وخفقان القلب الزائد، والتعرق الزائد، وآلام في العضلات, واضطرابات المعدة والأمعاء، أو اضطرابات النوم
أولا، نلاحظ في القلق العادي المتعلق بالحياة اليومية أن المخاوف تبدو أكثر قابلية للسيطرة، مع عدم وجود تأثير ملحوظ على الأداء النفسي أو الاجتماعي أو المهني.
ثانيا، لا تكون المخاوف اليومية العادية مصحوبة بأعراض جسدية شديدة الحدة أو اضطرابات مستمرة في النوم أو إحساس بفقدان السيطرة أو بالانهيار.
ثالثا، تكون المدة الزمنية للمخاوف محدودة وغالبا ما ترتبط بعامل محفز واضح.
ما هي إذن العوامل التي تحدد خطورة الإصابة بهذا الاضطراب والعوامل التنبؤية لمآلاته؟
هناك ثلاثة أنواع من العوامل:
1- العوامل الوراثية والفيزيولوجية: يعزى ثلث خطر الإصابة باضطراب القلق المعمم إلى عوامل وراثية تتداخل مع العوامل المرتبطة بخطر الإصابة بالعُصابية (Neuroticism).
كما أنها مشتركة مع اضطرابات القلق الأخرى واضطرابات المزاج خاصة الاضطراب الاكتئابي الشديد.
2- العوامل المزاجية (Temperamental risk factors): ارتبط كل من التثبيط السلوكي والعُصابية وتجنب الخطر باضطراب القلق المعمم.
3- عوامل البيئة المحيطة: تُعدّ التجارب الصعبة التي عاشها الشخص في مرحلة الطفولة، أو حماية الوالدين المفرطة من أهم العوامل البيئية المحيطة المرتبطة بهذا الاضطراب. لكن لم يتم تحديد أي عامل بيئي باعتباره عاملا نوعيا خاصا أو ضروريا أو كافيا للتشخيص.
كيف نفرق إذن بين اضطراب القلق المعمم وباقي الاضطرابات التي تتضمن القلق بين أعراضها؟
1- اضطراب القلق الناجم عن حالة طبية أخرى: يشخص إذا تبين استنادا إلى التاريخ المرضي والفحص السريري والفحوصات المكملة أن القلق والمخاوف تعد نتيجة فيزيولوجية مباشرة لحالة طبية أخرى محددة (مثل ورم القواتم ‘Pheochromocytoma’، أو فرط نشاط الغدة الدرقية).
2- اضطراب القلق الناجم عن مادة/دواء: حين يرتبط القلق من الناحية السببية مباشرة بمادة ما يساء استعمالها أو مخدر.
3- اضطراب القلق الاجتماعي: يعاني الشخص هنا من قلق توقعي يتركز حول مواقف اجتماعية مستقبلية يتعين عليه فيها القيام بأداء معين أو أن يكون موضع تقييم من الآخرين (مثل التحدث أمام القسم بالنسبة للتلاميذ، أو تقديم عروض وبحوث بالنسبة للطلبة، أو التحدث في اجتماع أمام الزملاء والمدير في العمل…إلخ).
أما الأشخاص المصابون باضطراب القلق المعمم، فيشعرون بقلق مستمر، سواء كانوا موضع تقييم من الآخرين أو لا.
يعتمد علاج اضطراب القلق المعمم بشكل أساسي على الجمع بين العلاج النفسي، خاصة العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive Behavioral Therapy)، وتحسين نمط الحياة مع اللجوء إلى العلاج الدوائي عند الحاجة
4- اضطراب الوسواس القهري: توجد عدة خصائص تميز المخاوف المفرطة عن الأفكار الوسواسية إذ تُعدّ هذه الأخيرة أفكارا غير ملائمة أو اندفاعات أو صورا ذهنية اقتحامية وغير مرغوب فيها، تتنافى ومعتقدات الشخص (أفكار عدوانية، جنسية، دينية،…إلخ).
5- اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) واضطرابات التكيف: في اضطرابات التكيف، يظهر القلق استجابة لحدث ضاغط خلال الأشهر الثلاثة التالية لبدء الحدث ولا يستمر لأكثر من 6 أشهر بعد انتهاء الحدث أو عواقبه.
6- الاضطرابات الاكتئابية، وثنائية القطب والذهانية: إذا كان القلق المفرط لا يحدث إلا خلال مسار هذه الاضطرابات.
يعتمد علاج اضطراب القلق المعمم بشكل أساسي على الجمع بين العلاج النفسي، خاصة العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive Behavioral Therapy)، وتحسين نمط الحياة مع اللجوء إلى العلاج الدوائي عند الحاجة.
العلاج النفسي (الخط العلاجي الأول):
1- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): يعد العلاج النفسي المرجعي بالنسبة لاضطراب القلق المعمم، ويساعد على التعرف على الأفكار السلبية وغير العقلانية وتعديلها بأفكار بديلة بهدف تغيير طريقة التعامل مع الضغط النفسي وزيادة القدرة على تحمل عدم اليقين.
ويعتمد هذا العلاج على حصص من الجلسات النفسية المقننة، التي ترتكز على مراحل معينة:
وتقليل التجنب يعني تعزيز القدرة على مواجهة المشاكل أو الأمور التي تشعرنا بالخوف والتوتر عوض تجنبها، حيث يسعى الأشخاص المصابون عادة إلى تجنب الأمور التي تشعرهم بالتوتر، وهذا التجنب المستمر يحدث مفعولا عكسيا حيث يجعل الدماغ يخاف أكثر، رغم أن المشكل قد يكون بسيطا في الواقع.
2- اليقظة الذهنية (Mindfulness): تساعد برامج التأمل القائمة على اليقظة الذهنية على التركيز على اللحظة الراهنة، والحد من سيطرة الاجترار الفكري والأفكار المتكررة على الذهن.
من الضروري ألا يتم تناول هذه الأدوية أو تعديل جرعاتها أو إيقافها فجأة إلا تحت إشراف طبيب نفسي متخصص لتجنب الأعراض الجانبية أو الأعراض الانسحابية
3- تغيير نمط الحياة: الحفاظ على مواعيد نوم منتظمة إلى جانب اتباع نظام غذائي منتظم. كما ينصح بالتقليل من المنبهات والمواد الأخرى (كالقهوة والتبغ والكحوليات) لكونها تؤدي إلى تفاقم القلق. ومن الضروري الاهتمام بالنشاط البدني، حيث تساعد التمارين الرياضية على تنظيم التوتر الجسدي والنفسي والتخفيف من حدة أعراض القلق.
1- مضادات الاكتئاب: تعد الخيار الأول والأساسي للعلاج طويل الأمد، حيث تعمل على تحسين المزاج وتخفيف القلق المستمر عبر إعادة توازن النواقل العصبية في الدماغ.
ومنها مثبطات استرداد السيروتونين، ومثبطات استرداد السيروتونين والنورإبينفرين.
2- مضادات القلق سريعة المفعول (Anxiolytics): تعطى فقط لفترات قصيرة في بداية العلاج لتهدئة الأعراض الحادة، نظرا لخطر التسبب في الاعتياد أو الإدمان إذا استخدمت على المدى الطويل.
3- مضادات النوبات (Anticonvulsants): تستخدم في بعض الحالات كخيار فعال وسريع لتخفيف أعراض القلق المعمم.
4- حاصرات بيتا (Beta-Blockers): وهي لا تعالج القلق نفسه ولكنها توصف للتحكم في الأعراض الجسدية مثل خفقان القلب، والرعشة، والتعرق الزائد في المواقف الموترة.
ومن الضروري ألا يتم تناول هذه الأدوية أو تعديل جرعاتها أو إيقافها فجأة إلا تحت إشراف طبيب نفسي متخصص لتجنب الأعراض الجانبية أو الأعراض الانسحابية.
نحن نعيش حاليا في عالم مشحون بالتوتر المستمر، والصراعات السياسية، والأزمات الاقتصادية المتتالية مما يضع الجهاز العصبي للإنسان في حالة استنفار دائم ويساهم في انتشار اضطرابات القلق.
ويبقى الاهتمام بالصحة النفسية أمرا أساسيا لأنه يحسن جودة حياتنا اليومية، ويدعم قدراتنا على اتخاذ القرارات الصحيحة، وخصوصا أنه يحمي من العديد من الأمراض العضوية، من بينها الإصابة بأمراض القلب، والآلام المزمنة والتعب المستمر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة