وفي ظل ما تشهده منطقة شرق المتوسط من تحديات جيوسياسية متزايدة، أكد القادة أهمية استمرار التشاور والتنسيق بين الدول الثلاث، والبناء على آلية التعاون الثلاثي التي أُطلقت في القاهرة في تشرين الثاني/نوفمبر 2014، باعتبارها نموذجاً ناجحاً للتعاون الإقليمي، والعمل على تطويرها على أساس الثقة والاحترام والتعاون.
وجددوا تمسكهم بحل الخلافات والأزمات بالوسائل السياسية والدبلوماسية، ورفض الممارسات التي من شأنها زيادة التوتر أو تقويض الاستقرار الإقليمي وتهديد السلم والأمن، مع التشديد على احترام سيادة الدول واستقلالها ووحدة أراضيها، والامتناع عن استخدام القوة أو التهديد بها، والالتزام بقواعد القانون الدولي ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة.
كما أعادوا التأكيد على ضرورة الاحترام الكامل للقانون الدولي بما يكفل حقوق جميع الدول المعنية ويسهم في ترسيخ السلام والأمن والاستقرار في شرق المتوسط، مشددين على أن أي اتفاقيات أو مذكرات تفاهم تتعلق بترسيم مناطق الاختصاص البحري يجب أن تستند إلى القانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار "UNCLOS".
وفي الملف القبرصي، رحب القادة بجهود الأمين العام للأمم المتحدة ومبعوثته الشخصية، وأعلنوا دعمهم للتحركات الرامية إلى التوصل لتسوية شاملة للقضية في إطار المنظمة الدولية واستناداً إلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، معتبرين أن التوصل إلى حل نهائي من شأنه أن يسهم بصورة كبيرة في تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.
في الشأن الفلسطيني، جددت الدول الثلاث دعمها للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وضرورة التوصل إلى سلام عادل ودائم وشامل على أساس حل الدولتين، بما يشمل إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على خطوط الرابع من حزيران/يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لقرارات الأمم المتحدة.
وشدد القادة على أهمية الدفع نحو تنفيذ المرحلة الثانية من الخطة الشاملة التي طرحها الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الصراع في غزة، كما أقرها قرار مجلس الأمن رقم 2803، بما يسمح ببدء عمليات إعادة الإعمار والتعافي المبكر في القطاع، مع الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية.
كما أعربوا عن قلقهم الشديد إزاء الأوضاع الإنسانية في غزة، مؤكدين ضرورة إيصال المساعدات الإنسانية إلى السكان بأمان وسرعة وعلى نطاق واسع. وشددوا كذلك على وحدة الكيان الجغرافي والسياسي والقانوني للضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض أي محاولات لفصلهما، بما فيها السياسات الرامية إلى التهجير القسري للفلسطينيين.
وفي ما يتعلق بلبنان، جدد القادة دعمهم لاستقراره وسيادته ووحدة أراضيه، وشددوا على أهمية التطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن رقم 1701، وضرورة وقف جميع الهجمات على لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية. كما دعوا إلى تعزيز مؤسسات الدولة، وفي مقدمها القوات المسلحة اللبنانية، لتمكينها من الاضطلاع بمسؤولياتها وبسط سلطة الدولة وسيادتها على كامل أراضيها.
أما في ليبيا، فأكدوا دعمهم لسيادتها ووحدة أراضيها ووحدتها الوطنية، ولعملية سياسية شاملة بقيادة وملكية ليبية بعيداً من التدخلات الخارجية. ودعوا إلى انسحاب جميع القوات والمقاتلين الأجانب، معربين عن دعمهم لجهود الأمم المتحدة الرامية إلى تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة في أقرب وقت ممكن، ضمن إطار يضمن ملكية الليبيين للعملية السياسية.
اعتبر القادة أن أمن الطاقة يمثل مصلحة مشتركة وركناً أساسياً في التعاون الثلاثي، مؤكدين رغبتهم في مواصلة تطوير مشاريع الربط الكهربائي، بما فيها مشروع "GREGY"، لتعزيز أمن الطاقة وربط شرق المتوسط بالأسواق الأوروبية.
وشددوا كذلك على أهمية توسيع التعاون في مجال الغاز الطبيعي دعماً لأمن الطاقة الإقليمي والأوروبي، مع إيلاء أهمية خاصة للتطورات المتعلقة بربط حقول الغاز القبرصية بالبنى التحتية والمنشآت المصرية للغاز الطبيعي، والدعوة إلى استكمال هذه المشاريع في أسرع وقت ممكن.
وفي ملف المياه، أكدوا أهمية تعزيز التعاون في مجال الأمن المائي والإدارة المستدامة للموارد في مواجهة ندرة المياه وتغير المناخ، وأقروا باعتماد مصر الكبير على نهر النيل ، مجددين دعمهم لأمنها المائي.
وفي هذا السياق، شددوا على أهمية الالتزام الكامل بالقانون الدولي في حوض النيل، بما يشمل قضية السد الإثيوبي، ولا سيما "سد النهضة"، مؤكدين أن الموارد المائية العابرة للحدود يجب أن تشكل أداة للتعاون والتكامل الإقليمي لا مصدراً للنزاعات.
كما أكدوا ضرورة احترام مبدأ "عدم الإضرار" وواجب التعاون، بما يشمل الإخطار المسبق والتشاور والتوافق، والامتناع عن اتخاذ إجراءات أحادية يمكن أن تؤثر سلباً في استخدامات مصر واحتياجاتها المائية، مع صون مصالح جميع الدول المعنية.
وعلى الصعيد الاقتصادي، شدد القادة على أهمية توسيع التعاون التجاري والاستثماري وتحويل العلاقات السياسية المتميزة بين الدول الثلاث إلى فرص اقتصادية ملموسة، مستفيدين من مواقعها الجغرافية ومزاياها النسبية لفتح آفاق جديدة أمام القطاع الخاص وتعزيز التكامل الاقتصادي.
ودعوا إلى تكثيف التواصل بين مجتمعات الأعمال وتطوير شراكات في القطاعات ذات الأولوية، بما يدعم التنمية المستدامة ويوفر فرص العمل.
في ملف الهجرة، أكد القادة أن التصدي للهجرة غير النظامية يتطلب مقاربة شاملة ومتوازنة تجمع بين الأبعاد الأمنية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، مشددين على أهمية توسيع التعاون في مجال الهجرة النظامية وتوفير فرص عمل منظمة للعمال المصريين في قبرص واليونان، وفقاً للقوانين الوطنية والاتفاقيات الثنائية ذات الصلة.
كما أكدوا أهمية مواصلة تعزيز الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين مصر والاتحاد الأوروبي ، باعتبارها داعمة للاستقرار والتنمية والازدهار في مصر والمنطقة، ورحبوا بالتقدم المحرز في تنفيذ الأعمدة الستة لإطار هذه الشراكة، مع التعهد بمواصلة التنسيق الوثيق بما يخدم المصالح المشتركة ويعزز الترابط بين ضفتي المتوسط.
وفي ختام الإعلان، جدد القادة التزامهم تطوير آلية التعاون الثلاثي ورفع فعاليتها من خلال المتابعة المنتظمة لتنفيذ الاتفاقات وتعميق التنسيق بين الحكومات والمؤسسات والقطاع الخاص، بما يحول التوافق السياسي إلى مشاريع وبرامج ملموسة تعود بالنفع على شعوب الدول الثلاث.
كما ذكّروا بالتعهد الصادر عن القمة الثلاثية العاشرة بشأن التطبيق العملي لإنشاء أمانة دائمة للآلية الثلاثية بين مصر وقبرص واليونان، على أن يكون مقرها في نيقوسيا.
واختتم القادة إعلانهم بالتأكيد على تمسكهم بالشراكة الاستراتيجية وعزمهم البناء على ما تحقق خلال السنوات الماضية، ومواصلة العمل من أجل منطقة أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً، بما ينسجم مع تطلعات شعوبهم ويرسخ السلام والتقدم والتعاون.
من جهتهما، أعرب الرئيس القبرصي ورئيس الوزراء اليوناني عن تقديرهما للرئيس والحكومة والشعب المصري على استضافة القمة، مؤكدين تطلعهما إلى عقد القمة الثلاثية الحادية عشرة المقبلة في قبرص ومواصلة الجهود المشتركة من أجل مستقبل أكثر أمناً وسلاماً وازدهاراً.
في تصريحات القادة عقب الاجتماع، ركز السيسي على البعد العملي للتعاون الثلاثي، واصفاً مشروع الربط الكهربائي بين مصر واليونان بأنه "محطة حقيقية فارقة" في مسار التكامل الإقليمي في مجال الطاقة.
كما أشار إلى الفرص الاستثمارية في مصر في قطاعات التكنولوجيا والمعلومات والسياحة والصناعة والصحة والتعليم والإنشاءات والبنى التحتية.
وتطرق الرئيس المصري إلى ملفات إقليمية أخرى، مؤكداً تقارب مواقف الدول الثلاث بشأن الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها ورفض تقسيمها.
كما تناولت المباحثات التطورات في السودان والقرن الأفريقي، حيث جدد موقف القاهرة الداعي إلى خفض التصعيد والبحث عن حلول سياسية للأزمات.
من جانبه، شدد رئيس الوزراء اليوناني على ضرورة نزع سلاح حركة حماس، إلى جانب ضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة من دون عوائق. كما دعا إلى الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية من شرق ليبيا إلى بلاده، مشيداً بطريقة تعامل مصر مع هذا الملف.
ووضع ميتسوتاكيس حرية الملاحة في صدارة أولويات بلاده، مشيراً إلى أن رئاسة اليونان لمجلس الأمن تخطط لمبادرات جديدة في هذا المجال. واستشهد بالاتفاق الجزئي لترسيم المناطق البحرية بين مصر واليونان باعتباره دليلاً على إمكان التوصل، عبر الحوار والالتزام بالقانون الدولي، إلى تفاهمات تعزز الاستقرار، مؤكداً أن هذه المقاربة تحكم سياسة أثينا في شرق المتوسط وبحر إيجه.
وفي تفصيل إضافي بشأن مسارات تصدير الغاز، أشار إلى إمكان نقل الغاز المنتج في قبرص إلى مصر لتسييله باستخدام بنيتها التحتية، قبل إعادة تصديره إلى أوروبا عبر ميناء ألكسندروبوليس لتلبية احتياجات دول جنوب شرقي أوروبا ووسطها.
بدوره، قال الرئيس القبرصي إن إطار التعاون الذي بدأ عام 2014 اكتسب اليوم "عمقاً استراتيجياً"، مشيراً إلى العمل من أجل تعزيز الدعم الأوروبي لمصر، ومرحباً بالإفراج عن الدفعة التمويلية المقبلة لصالحها.
ووصف خريستودوليديس مشاركة السيسي في القمة غير الرسمية في نيقوسيا بأنها "تاريخية"، مختتماً تصريحاته بتوجيه الشكر إلى مصر على دعمها المستمر للجهود الرامية إلى إعادة توحيد قبرص استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة.
المصدر:
يورو نيوز