في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تعز – تستيقظ مدينة تعز كل صباح على إيقاع التوجس، حيث تتشابك تفاصيل الحياة اليومية للناس مع هالة خطر دائم لا يهدأ، فالمأساة هنا ليست حدثا طارئا يقع ثم ينتهي، وإنما حالة ممتدة من التعايش القسري مع الموت القادم عبر الجو أو من وراء التلال المشرفة على المدينة.
في كل حارة وزقاق، تجد حكاية تنبض بالحزن؛ منازل ثقبتها المقذوفات، وأحياء أُغلقت نوافذها بالأكياس الترابية، وعائلات باتت تدرك أن خطأ جغرافيا صغيرا في مكان السكن قد يكلفها حياة أفرادها.
على مدى اثني عشر عاما لم تفارق أصوات القذائف مسامع أبناء مدينة تعز، حتى خلال سنوات الهدنة المفترضة؛ إذ كانت تدوي بين الحين والآخر، وتزرع رعبا مستمرا في قلوب النساء والأطفال.
ومع عودة مؤشرات التصعيد العسكري منذ مطلع سبتمبر/أيلول الجاري، عاد شبح القصف المدفعي ليخيم على عقول السكان الذين باتوا يعيشون حالة من القلق والهلع جراء القصف العشوائي بقذائف الهاون والمدفعية التي تطال الأحياء السكنية والريف، لا سيما في المناطق المتاخمة لخطوط التماس.
في جولة ميدانية للجزيرة نت بالقرب من جبل جرة – وهو موقع عسكري حيوي لا تفصله عن منازل المواطنين سوى أمتار قليلة – هز انفجار أرجاء المنطقة إثر سقوط قذيفة بالقرب من تجمعات السكان.
عمّ الهلع المكان، وارتفعت صيحات الخوف بين الأطفال وطلاب المدارس أثناء عودتهم إلى منازلهم. تدافعت خطوات الصغار بحقائبهم المدرسية نحو الأزقة المجاورة، بينما يحاول الأهالي إغلاق الأبواب والنوافذ خوفا من شظايا طائشة قد تعقب الانفجار الأول.
وكانت مصادر ميدانية ومحلية قد أفادت بأن جماعة الحوثيين كثّفت دفع تعزيزاتها العسكرية إلى خطوط التماس مع بناء سواتر ترابية وحفر خنادق جديدة واستحداث ثكنات ومواقع مدفعية طالت الأحياء الشرقية والشمالية، إلى جانب تكثيف نشاط الاستطلاع بالطيران المسير وتحركات القناصة.
وفي المقابل كان محور تعز قد أعلن رفع الجاهزية القتالية والتصدي لمحاولات التسلل الهادفة لإحداث اختراقات ميدانية، وهو ما يجعل المحافظة أمام مؤشرات مواجهة أوسع تهدد بنسف حالة الهدنة الهشة.
ويرى مراقبون محليون أن تعز تتصدر قائمة التضحيات عند كل انسداد سياسي، وتتحول أحياؤها ومحيطها الجغرافي إلى ساحة لتوجيه الرسائل العسكرية، بينما يدفع المدنيون العزل كلفة هذا التدافع السياسي والعسكري من أرواحهم واستقرارهم المعيشي.
وتكشف تقارير حقوقية حجم الكلفة البشرية التي دفعتها تعز خلال عقد من الحرب، إذ وثّق مركز المعلومات والتأهيل لحقوق الإنسان، في تقريره عن الفترة من يوليو/تموز 2015 إلى يوليو/تموز 2025، مقتل 4,442 مدنيا وإصابة 12 ألفا و392 آخرين. وبين الضحايا 588 طفلا قتيلا و1,609 مصابين، و270 امرأة قتيلة و490 مصابة.
الضحايا في تعز ليسوا أرقاما تُطوى في التقارير الحقوقية، لكنهم صور حية للوجع اليومي والأجساد التي حملت وشم الحرب بوضوح، إذ تجسد الحالات الإنسانية حجم القسوة التي خلفتها القذائف في ذاكرة المدينة وأجساد أبنائها.
تقول هديل محمود – وهي شابة فقدت كلتا يديها إثر سقوط قذيفة في بداية الحرب عام 2015 – للجزيرة نت: "أشعر بخوف وقلق بالغين، فكلما سمعت دوي القذائف تسللت إلى ذاكرتي تفاصيل ذلك اليوم المؤلم وكأن الشريط يعيد نفسه. القذائف بالنسبة لي هي ذكرى جرح عميق لم يلتئم بعد. أتمنى من كل قلبي ألا يعيش أبناء تعز مرارة ما تجرعناه من فزع وألم".
ولم تقتصر آثار هذا القصف المدفعي على مركز المدينة، فامتدت شظاياه إلى الأرياف البعيدة والمناطق المأهولة التي ظن أهلها أنها بمنأى عن الحريق.
من جانبها، تروي آلاء محمد – إحدى قاطنات مدينة التربة جنوبي تعز – تفاصيل صدمتها للجزيرة نت قائلة: "أتذكر حين استهدفت القذيفة منزلنا عام 2020، فقدت وعيي للحظات قبل أن تسارع أمي بنفض الغبار وشظايا الزجاج من فوق جسدي. أُصبت حينها بخدوش في يدي جراء الزجاج المتساقط، لكن الأثر الأكبر ظل محفورا في نفسي وجسدي كشاهد حي على جحيم تلك اللحظة".
وعلى مقربة من خطوط التماس في مديرية صالة (شرقي تعز)، التقت الجزيرة نت الشاب محمد عبد الإله، الذي يسترجع ذكرياته قائلا: "الحرب بالنسبة لنا لم تتوقف أصلا، فالمدافع ورصاص القناصة لم تكفِ يوما عن استهداف المدينة. أكثر ما أخشاه اليوم هو أن تقف الحرب دون أن تتحرر تعز بالكامل، أما القذائف فقد ألفناها فجيعة تتكرر كل يوم".
ويستطرد محمد متذكرا حادثة ألمّت به حين كان طالبا جامعيا: "لا يمكنني أن أنسى صراخ امرأة في الحي العسكري وهي تحتضن أشلاء طفلها. كنت عائدا على دراجتي النارية وقت الظهيرة حين هز المنطقة انفجار عنيف، تلاه صراخ هستيري. هرعت إلى موقع الحدث لأجد الأم تحاول إنقاذ طفلها الذي مزقته القذيفة. تلك هي آلام الحرب التي تصر على خطف أرواح الأبرياء بلا سبب".
تتشكّل خريطة الخطر في تعز بناء على القرب والبعد من التباب المرتفعة وخطوط التماس العسكرية. وتعد مديرية صالة ومناطق خطوط التماس – مثل كلابة، وحارة الزهراء، والروضة، وعصيفرة، وجبل جرة، ووادي القاضي – من أكثر الأحياء تعرضا للقصف العشوائي وتلقيا للمقذوفات الثقيلة.
وفي هذا السياق يوضح عبد الرحيم فرحان، عاقل حارة الزهراء (ممثلها المحلي)، للجزيرة نت، أن حارة الزهراء التابعة لمديرية صالة كانت ولا تزال المستهدف الأكبر بقذائف الهاون منذ عام 2015 وحتى أثناء فترات التهدئة المفترضة، مضيفا أن المنازل المأهولة بالسكان أضحت أهدافا مباشرة للتصعيد الميداني، مما يدفع العديد من الأسر للنزوح الداخلي المؤقت أو يعطل العائلات عن كسب قوت يومها.
ورافقت الجزيرة نت عاقل حارة الصفاء (ممثلها المحلي) قابوس سعيد، للوقوف على واقع المواطنين في خطوط التماس. ويشير سعيد إلى أنه مع اندلاع أي اشتباكات، تتضاعف معاناة السكان والنازحين الذين فروا من محافظة إب المجاورة بحثا عن الأمان، لتلاحقهم أهوال الحرب مجددا في خطوط المواجهة.
وعلى مقربة من خط التماس في المنطقة نفسها، يقول عباس خالد (49 عاما)، وكان عائدا من السوق المحلي "نزحت أنا وأسرتي من محافظة إب هربا من البطش، لكن الحرب والموت بالقذائف يلاحقاننا هنا أيضا وفي كل مكان".
ولا تقف هذه المخاوف اليوم عند حدود الإصابة الجسدية أو فقدان الأرواح وإنما تتجاوز ذلك لتلامس شريان الحياة الاقتصادية والخدمية للمدينة المحاصرة؛ إذ أدى اشتعال الجبهات – لا سيما غربي تعز – إلى قطع طريق (المخا-تعز) الحيوي لإمدادات التجارة والمساعدات ما تسبب فورا في ارتفاع أسعار السلع الأساسية وأزمة التنقل.
وتزامن هذا التصعيد ليشمل باقي الجبهات في الشرقية والتشريفات والكدحة وجبل حبشي ومقبنة والوازعية، ما يهدد بفرز واقع معيشي وإنساني أكثر قسوة على السكان، ويفاقم كلفة الحصار المفروض على المدينة منذ سنوات.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة