آخر الأخبار

سر تلة علي الطاهر.. مركز أعصاب حزب الله أم ورقة نتنياهو الانتخابية؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

في 3 سبتمبر/أيلول 2026، أعلن الاحتلال الإسرائيلي السيطرة العملياتية على مرتفعات "علي الطاهر"، وإسقاط التهديد الذي تزعم إسرائيل أنه كان يأتي منها. غير أن إعلان السيطرة لم يضع حدا للمعركة، بل فتح الباب أمام سيل من الأسئلة المعلقة والغموض الميداني: هل كانت التلة بالفعل تحتضن "مركز أعصاب" حزب الله، كما روج السياسيون والإعلام في إسرائيل؟ ولماذا أصبحت التلة محورا للحرب والصراع في لبنان؟

ما بين التغطيات الإعلامية المكثفة والحسابات الميدانية المعقدة، لم تعد هذه التلة مجرد نقطة جغرافية في شمال الليطاني، بل تحولت إلى مرآة تختصر تعقيدات الحرب، وتكشف صراع الإرادات بين واشنطن وطهران، وتطرح أسئلة أكبر حول وجهة التصعيد المقبلة على الساحة اللبنانية.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 أمريكا المعترض الوحيد.. لماذا تغير الأمم المتحدة خريطة العالم؟
* list 2 of 2 لماذا تبني الصين أكبر حاملة طائرات في تاريخها؟ end of list

أهمية علي الطاهر

تنطلق بنية حزب الله في جوهرها من البعد العسكري، الذي ظل حاضرا في تشكيل رؤيته للأرض وانتشاره واختياره لمواضع تمركزه. ولذلك، فإن فهم تحركات الحزب وطريقة تفكيره في الجغرافيا اللبنانية يقتضي البدء من الاعتبارات العسكرية والأمنية، قبل الانتقال إلى الأبعاد السياسية والاجتماعية الأخرى.

لقد حكمت ديمغرافية لبنان بأن تتركز البيئة الحاضنة للحزب في ثلاث مناطق رئيسية: جبل عامل في الجنوب، المحاذي لفلسطين المحتلة، والبقاع الشمالي الممتد بمحاذاة الحدود السورية، والضاحية الجنوبية لبيروت. وبطبيعة الحال، يمتلك الحزب حضورا متفاوتا في مناطق لبنانية أخرى، إلا أن ثقله السكاني والاجتماعي الأساسي يظل متركزا في هذه المناطق الثلاث.

ولكل واحدة من المناطق الثلاث حساباتها ونقاط ضعفها من المنظور العسكري. فالمنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني ظلت تاريخيا ساحة الاحتكاك المباشر مع إسرائيل، وعُرضة لجولات القتال والانسحاب والتقدُّم، فضلا عن ارتباط وضعها بترتيبات وضغوط سياسية ودولية متعاقبة. ولا يختلف الساحل الجنوبي، الممتد من صيدا إلى الناقورة، كثيرا من حيث درجة الانكشاف، بالنظر إلى طبيعة الأرض الساحلية وما تمتلكه إسرائيل من تفوق بحري.

إعلان

أما البقاع، فرغم عمقه النسبي وابتعاده عن خط المواجهة الجنوبية، فإنه منفصل جغرافيا عن الجنوب والضاحية، كما أن اتصاله بالحدود السورية يجعله مرتبطا بحسابات تتجاوز الداخل اللبناني، ولا يمنحه بالضرورة صفة المنطقة الأكثر أمانا في التصور العسكري، خصوصا مع قابلية البيئة الإقليمية المحيطة بلبنان للتغيُّر.

مصدر الصورة علي الطاهر عبارة عن سلسلة من التلال ترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، تقع شمال نهر الليطاني وإلى الشرق من مدينة النبطية (إيزري)

وسط هذه الخريطة، تبرز مرتفعات علي الطاهر والجبال الممتدة خلفها باعتبارها منطقة مختلفة نسبيا. فطبيعتها الجبلية وارتفاعها وموقعها الذي يشرف على مساحات واسعة من الجنوب يمنحها أهمية تتجاوز مساحتها المحدودة. ومع تواتر التسريبات والروايات الأمنية بشأن طبيعة ما يدور في المنطقة، أصبحت تلة علي الطاهر نقطة تتقاطع عندها حسابات الأرض والديمغرافيا والأمن، وهو ما يفسر جانبا كبيرا من الاهتمام الذي تحظى به اليوم.

"أصبحت تلة علي الطاهر نقطة تتقاطع عندها حسابات الأرض والديمغرافيا والأمن"

علي الطاهر عبارة عن سلسلة من التلال ترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، تقع شمال نهر الليطاني وإلى الشرق من مدينة النبطية، وتمتد ضمن مجموعة من المرتفعات تضم علي الطاهر والدبشة ورأس الطهرة، وترتبط جغرافيا بمجال قلعة الشقيف التي تبعد عنها نحو 4-5 كيلومترات. وهي كتلة جبلية ضخمة قياسا إلى الجغرافيا اللبنانية المحدودة، ومرتفعة عما يحيط بها، بما يجعلها تشرف على عمق جبل عامل، فمنها تُكشف مدينة النبطية والنبطية الفوقا وكفرتبنيت، فضلا عن مساحات من أقضية النبطية ومرجعيون وحاصبيا وأجزاء من قضاء صيدا، وهو ما يجعل السيطرة عليها مرتبطة بحماية عدد من أبرز التجمعات السكانية في المنطقة أو كشفها.

وتمتد أهمية علي الطاهر إلى موقعها داخل خريطة انتشار حزب الله، فهي تقع شمال نهر الليطاني، وتتوسط نسبيا مناطق ثقل الحزب، كما تشرف على مسارات الوصل بين الجنوب والبقاع، بما يمنحها أهمية في حركة الأفراد والإمداد والاتصال بين المنطقتين. وفي ذات الوقت ، تمثل مقدمة المجال الجبلي الممتد باتجاه إقليم التفاح وجبل الريحان، وهما منطقتان تتمتعان بأهمية جغرافية وعسكرية مهمة، بالنظر إلى عمقهما داخل الأراضي اللبنانية وطبيعتهما الجبلية.

وهكذا تجمع علي الطاهر بين ثلاث مزايا رئيسية: الإشراف على حواضر جبل عامل، والتحكُّم في مسارات الوصل بين الجنوب والبقاع، وتشكيل بوابة إلى العمق الجبلي في إقليم التفاح وجبل الريحان. وتزداد أهميتها بوقوعها شمال الليطاني، وطبيعتها الجبلية، وتعدد مسارات الوصول إليها بما يُصعِّب عزلها أو الإطباق عليها بصورة كاملة.

علي الطاهر في عيون إسرائيل

يقوم المنطق الإسرائيلي في إدارة العمليات داخل لبنان على عدم اعتبار أي خط ميداني نقطة نهاية دائمة. فبعد أن سيطرت إسرائيل على شريط حدودي أطلقت عليه اسم "الخط الأصفر"، يمتد من الساحل غربا مرورا بوادي السلوقي وصولا إلى نهر الليطاني شرقا، وبعمق متفاوت يصل في بعض المناطق إلى نحو 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، أقامت داخله قرابة عشرين موقعا عسكريا، ومنعت جزءا كبيرا من سكان عشرات القرى والبلدات من العودة إليها.

إعلان

وعندما ضغطت الولايات المتحدة لوقف التقدُّم الإسرائيلي، استقرت المعادلة مؤقتا عند تفجير القرى داخل الخط الأصفر، ومواصلة الاستهدافات المتفرقة لعناصر حزب الله في جنوب لبنان، بالتوازي مع مسار تفاوضي ظل عاجزا عن إنتاج تسوية. لكن توقف التقدم الميداني لم يعنِ توقف التفكير في الخطوة التالية، فبعد قلعة الشقيف بدأت الأنظار الإسرائيلية تتجه نحو مرتفعات علي الطاهر.

"يقوم المنطق الإسرائيلي في إدارة العمليات داخل لبنان على عدم اعتبار أي خط ميداني نقطة نهاية دائمة"

وعملت إسرائيل في هذا الاتجاه على أكثر من مستوى. فمن جهة، رفعت قيمة مرتفعات علي الطاهر في خطابها الرسمي والإعلامي، بما رفع بدوره قيمة احتلالها أمام الجمهور الإسرائيلي. ومن جهة أخرى، تركزت التحضيرات والعمليات العسكرية عليه، ليصبح خلال فترة قصيرة أحد أبرز عناوين الحرب في جنوب لبنان. فبحسب الصحفي رون بن يشاي لم يكن الجمهور في إسرائيل قبل أسابيع قليلة يعرف الكثير عن علي الطاهر أو يسمع بأهميتها، قبل أن تبدأ عملية ممنهجة لصناعة حضوره إعلاميا وسياسيا وعسكريا.

رسميا، توالت التصريحات التي قدمت تلة علي الطاهر على أنها أحد مراكز الثقل في بنية حزب الله. ففي 21 يونيو/حزيران، قال رئيس الأركان إيال زامير، خلال تقييم للوضع في جنوب لبنان، إن العمليات في علي الطاهر والشقيف تخدم الهدف الأساسي المتمثل في حماية بلدات الشمال، ووصف المنطقتين بأنهما من مراكز الثقل التي تركز عليها قيادة المنطقة الشمالية، مضيفا أن ما يوجد فيهما يمثل حصنا تحت الأرض بناه حزب الله طوال عشرين عاما. وربط زامير بذلك علي الطاهر بإستراتيجية تقوم على منع إعادة بناء التهديد الموجه إلى الجليل وشمال إسرائيل.

مصدر الصورة قال إيال زامير إن علي الطاهر والشقيف تخدمان الهدف الأساسي المتمثل في حماية بلدات الشمال الإسرائيلي (الفرنسية)

وسار رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية شلومي بيندر في الاتجاه ذاته، فوصف سلسلة علي الطاهر خلال أحد تقييمات الوضع بأنها "منطقة حرجة لحزب الله"، كما دفع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان باتجاه احتلال القسمين العلوي والسفلي من السلسلة، رغم التخوف من اعتراض أمريكي ودولي على توسيع نطاق العملية.

أما عسكريا، فقد بدأ التركيز على المنطقة في يونيو/حزيران الماضي، بعد العمليات في محيط الشقيف. وتقدمت قوات الفرقة 36 باتجاه كفرتبنيت وعلي الطاهر، بمشاركة وحدات من المدرعات والكوماندوس وغولاني وإيغوز والهندسة. وفي 19 يونيو/حزيران، وقعت إحدى أكثر المعارك كلفة خلال هذا التقدم، عندما قُتل قائد الكتيبة 52 وثلاثة من أفراد طاقم دبابته، بعدما أُصيبت خلال عملية قال الجيش الإسرائيلي إنها استهدفت السيطرة على شبكة كبيرة تحت الأرض في المنطقة.

ومنذ ذلك الوقت، بدت المقاربة الإسرائيلية أقرب إلى محاولة تطويق الموقع واستنزافه ومراقبة مداخله ومخارجه، دون خوض مواجهة برية كبيرة. ففي 23 و25 يونيو/حزيران الماضي أعلن جيش الاحتلال استهداف مجموعات مسلحة قال إنها اقتربت من قواته في المنطقة، ثم أعلن في 2 يوليو/تموز و10 يوليو/تموز استهداف عناصر خرجت من فتحات منشآت تحت الأرض أو تحركت بالقرب منها.

في تلك الفترة، تضاربت الأنباء والتصريحات، بما فيها الإسرائيلية، بين الحديث عن السيطرة على أجزاء من السلسلة وبين استمرار الاشتباكات والعمليات فيها. ففي 1 أغسطس/آب أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل عدد من عناصر حزب الله وإصابة ضابط إسرائيلي خلال اشتباك. وفي منتصف أغسطس/آب، استهدفت مُسيَّرة مفخخة لحزب الله قوة من وحدة الهندسة "يهلوم " كانت تعمل في علي الطاهر، فأصيب ضابط وجنديان بجروح خطرة. وسبقت تلك الاشتباكات سلسلة من الغارات الإسرائيلية في المنطقة ومناطق أخرى من جنوب لبنان، فيما استمرت العمليات بعد ذلك.

ومع طول أمد المواجهة، بدأت تُطرح أيضا أفكار تتعلق بكيفية التعامل مع الشبكات تحت الأرض إذا اتسعت العملية البرية. ومن بينها الحديث عن ضخ الغاز في الأنفاق، ضمن محاولات تهدف إلى تخيير مقاتلي الحزب بين الاستسلام أو الموت خنقا.

إعلان

وبالتوازي مع الضغط العسكري، استمر التصعيد الإعلامي. ففي 20 يونيو/حزيران، وصفت القناة 12 العبرية، عبر مراسلها العسكري نير دفوري، ما يقع قرب علي الطاهر بأنه استهداف "لإحدى أكبر وأهم قواعد حزب الله"، وقالت إن الحزب أقام في المنطقة مجمعا ضخما تحت الأرض يستخدم للقيادة والسيطرة ويضم منشآت لإطلاق الصواريخ، مقدمة ذلك بوصفه أحد المبررات الرئيسية للعملية البرية.

"سرعان ما تحولت شبكة الأنفاق إلى مركز الرواية الإسرائيلية عن الموقع"

سرعان ما تحولت شبكة الأنفاق إلى مركز الرواية الإسرائيلية عن الموقع. فتحدثت تقارير عن منشأة تمتد لأكثر من كيلومتر، وعن عشرات العناصر الموجودين داخلها، فيما استخدمت بعض وسائل الإعلام تعبيري "مركز الأعصاب" و "المدينة الملجأ" لوصف المنطقة، وربطتها بقيادة وحدة بدر في حزب الله، المسؤولة عن المجال الممتد بين الليطاني والزهراني. كما تكرر في التغطية الحديث عن وجود العشرات من عناصر الحرس الثوري الإيراني في الموقع، بما أضفى على المعركة بعدا يتجاوز المواجهة مع حزب الله.

وقدم موقع "والا" بدوره رواية إضافية عن طبيعة الموقع، فنقل عن مصادر أمنية أن حزب الله وإيران استثمرا فيه طوال نحو عشرين عاما، وأن مهندسين إيرانيين ومقاولين لبنانيين شاركوا في إقامة شبكات مستقلة ومتفرعة تحت الأرض، تضم مواقع للقيادة والسيطرة والإطلاق والتخزين والإقامة والحركة اللوجستية، مع مستوى مرتفع من التحصين ضد الغارات الجوية.

تكشف هذه الروايات، بصرف النظر عن دقتها التفصيلية، عن الطريقة التي تنظر بها إسرائيل إلى علي الطاهر، والصورة التي تورد نقلها عن تلك المنطقة إلى العالم. فقبل تعميق عملياتها في أي منطقة داخل لبنان، تميل إسرائيل إلى تقديمها بوصفها مصدرا لتهديد مباشر للجليل، ثم تربط السيطرة عليها بإزالة خطر عسكري قائم. وفي حالة علي الطاهر أضيف إلى ذلك بُعد آخر: أن السلسلة تمثل عائقا جغرافيا وعسكريا أمام أي مناورة إسرائيلية باتجاه العمق اللبناني.

حزب الله وعلي الطاهر

على الجهة الأخرى، تعامل حزب الله مع معركة علي الطاهر على مستويين متوازيين: ميداني وإعلامي. إعلاميا، ركز لفترة في البداية على نفي سقوط التلة بشكل قاطع، مؤكدا بقاء مقاتليه في المنطقة واستعدادهم لمواجهة أي محاولة إسرائيلية جديدة للتقدم.

وبدا الحزب، في مرحلة أولى، كأنه انجرف جزئيا إلى السردية التي سعت إسرائيل إلى فرضها، أي تصوير علي الطاهر كمعركة كبرى تتجاوز وزنها الحقيقي، رغم أهميتها العسكرية. ثم بدأ الخطاب الإعلامي القريب من الحزب يتراجع عن هذا المسار، متجها إلى تثبيت معادلة أكثر حذرا مفادها أن علي الطاهر موقع مهم، لكنه ليس مركز الحرب ولا الموقع الذي يتوقف عليه مصير حزب الله في لبنان. ومن هنا، أخذ صحفيون وإعلاميون مقربون من الحزب يشددون على أن التلة ليست سوى محطة ضمن شبكة من المواقع والبنى العسكرية، وأن تضخيمها إسرائيليا يرتبط أيضا بالحاجة السياسية إلى صناعة إنجاز يمكن تسويقه داخليا، خصوصا في سياق حسابات نتنياهو الانتخابية.

"لم يُظهر حزب الله استعدادا لتسليم الموقع أو الانسحاب منه"

ميدانيا، لم يُظهر الحزب استعدادا لتسليم الموقع أو الانسحاب منه، وفي المقابل لم يندفع إلى معركة استنزاف مفتوحة للدفاع عنه بأي ثمن. وبدلا من ذلك، حاول الجمع بين الحفاظ على الحضور، والتصدي للتوغلات، وتوجيه ضربات موضعية للقوات المتقدمة، مع تجنب الانجرار إلى مواجهة في التوقيت الذي تفرضه إسرائيل. ولهذا، تكررت الاشتباكات والكمائن ومحاولات استهداف القوات الإسرائيلية المهاجمة، كما حدث مع قوة من وحدة إيغوز مطلع أغسطس/آب 2026، خلال اشتباك أعلن الجيش الإسرائيلي بعده إصابة أحد ضابطه.

وفي مطلع سبتمبر/أيلول، تكثَّفت الغارات الإسرائيلية على تلة علي الطاهر، ثم في مساء 3 سبتمبر/أيلول أعلنت إسرائيل سيطرتها على التلة والبدء في تطهيرها فوق الأرض وتحتها، فيما التزم حزب الله الصمت تجاه الإعلان الإسرائيلي.

مصدر الصورة حزب الله تعامل مع معركة علي الطاهر على مستويين متوازيين: ميداني وإعلامي (الفرنسية)

معركة أكبر من لبنان

لم ينحصر المشهد في علي الطاهر بين مقاتلي حزب الله والقوات الإسرائيلية. فإلى جانب الجناحين السياسيين للطرفين، تدخلت في المعادلة أطراف أخرى، في مقدمتها الدولة اللبنانية والولايات المتحدة وإيران.

بالنسبة إلى الدولة اللبنانية، فهي تخوض مسار التفاوض مع إسرائيل، رغم تراجع الرهان على قدرته على إحداث اختراق حقيقي، مع تمسكها في الوقت نفسه بأنه لا يوجد مسار بديل يمكن الاعتماد عليه. ولكن تراكم التعثرات خلق قناعة بأن الملف لن يتحرك بصورة جدية قبل اتضاح مصير علي الطاهر، وربما قبل الانتخابات الإسرائيلية المقبلة أيضا.

إعلان

وقد زاد استعصاء المفاوضات، والهدوء الأمريكي في الضغط على إسرائيل لوقف عملياتها أو الالتزام الجدي بالاتفاقات السابقة، من الشعور اللبناني بانسداد الأفق. ووصل الإحباط إلى حد أن رئيس الوفد اللبناني المفاوض طلب إعفاءه من متابعة الملف بعدما رأى أن المسار لا يحقق نتائج ملموسة وفق ما نقلته مصادر صحفية، قبل أن تصر القيادة السياسية على استمراره، انطلاقا من قناعة مفادها أن لبنان هو الطرف الأكثر حاجة إلى إبقاء قناة التفاوض مفتوحة، حتى عندما تبدو نتائجها محدودة.

"الولايات المتحدة وإيران تتعاملان مع الجبهة اللبنانية بوصفها واحدة من ساحات التوازن بينهما"

أما الولايات المتحدة وإيران، فإنهما تتعاملان مع الجبهة اللبنانية بوصفها واحدة من ساحات التوازن بينهما. ويبدو أن الطرفين، حتى الآن، لا يريدان نقل المواجهة في لبنان إلى مستوى يفرض عليهما تغيير قواعد الاشتباك. فقد يدفع تصعيد كبير بإيران إلى تعزيز انخراطها، وهو سيناريو لا ترغب فيه واشنطن. وتزداد أهمية هذا العامل مع اقتراب الانتخابات النصفية الأمريكية. فترمب يحتاج إلى تجنب انفجار إقليمي جديد تكون له تداعيات سلبية على أسعار الطاقة والأسواق العالمية وعلى حياة الناخب الأمريكي اليومية.

هنا تبدأ المفارقة، فحسابات نتنياهو الانتخابية قد تسير في اتجاه مضاد لحسابات ترمب. فبينما يحتاج الأخير إلى التهدئة وتقليل المخاطر الخارجية، كان نتنياهو بحاجة إلى إنجاز عسكري كبير يمكن تقديمه للداخل الإسرائيلي بوصفه انتصارا كبيرا قبل الانتخابات. وفي هذا السياق، كانت علي الطاهر هدفا صالحا لبناء مثل هذه الصورة: رفع العلم الإسرائيلي فوقها، وإعلان إزالة أحد أبرز مصادر التهديد عن الشمال، ثم تقديم ذلك باعتباره دليلا على نجاح النهج العسكري الصلب وضرورة استكماله.

لكن هذا السيناريو لا يخلو من عوائق. أولها حجم الرفض الأمريكي المحتمل إذا قررت إسرائيل توسيع العملية تجاه العمق اللبناني. وهنا يبرز سؤال: إلى أي حد يستطيع نتنياهو تقديم مصلحته الانتخابية على حساب حسابات ترمب الانتخابية دون أن يدفع ثمنا في العلاقة مع واشنطن؟ والعائق الثاني مرتبط بإيران. فإذا رأت طهران أن الولايات المتحدة لا تريد التصعيد وأن إسرائيل تدفع في الاتجاه المعاكس، فقد تختار الرد، بما يضع واشنطن أمام معادلة محرجة ويؤثر أيضا في الداخل الإسرائيلي. ويبقى سيناريو آخر أشار إليه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود باراك، يتعلق باتساع الحرب إلى درجة تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، وهو احتمال قد يخدم نتنياهو سياسيا إذا تحولت الحرب إلى ذريعة لتمديد الوضع القائم.

لماذا لم يُسلِّمها الحزب إلى الجيش؟

من بين أبرز الطروحات التي ظهرت في الفترة الماضية كانت إدخال علي الطاهر ضمن ما يعرف بالمناطق التجريبية أو النموذجية، عبر تسليمها إلى الجيش اللبناني. لكن هذا الطرح اصطدم برفض حزب الله لاعتبارات متعددة. أولها أن الحزب أراد الحفاظ على معادلة عدم تسليم سلاحه شمال الليطاني، على الأقل ليس بهذه الصيغة، ولا دون تفاهم تكون إيران والولايات المتحدة طرفين فيه. فقبول تسليم علي الطاهر كان ليُفهم باعتباره قبولا مبدئيا بفكرة نزع السلاح شمال الليطاني تحت الضغط العسكري.

ثانيا، بدا أن حزب الله لا يعتقد أن البيئة الإقليمية وصلت إلى مستوى من الضغط يفرض عليه تقديم تنازل بهذا الحجم. فالحزب لا يزال يراهن على تغيرات إقليمية محتملة، وعلى استمرار العلاقة مع إيران بوصفها عنصرا جوهريا في معركته مع إسرائيل. ومن ثم، فإن قرارا يتعلق بموقع بهذا الحجم يرتبط بموقع إيران وحلفائها في المنطقة. أما السبب الثالث فهو أن التجربة السابقة مع إسرائيل لم تمنح الحزب ثقة كافية بأن تسليم الموقع للجيش اللبناني سينهي المشكلة. فمن منظور الحزب، لا توجد ضمانة تمنع إسرائيل لاحقا من اختلاق ذريعة لاقتحام المنطقة، أو الضغط على الجيش للانسحاب منها، ثم الدخول إليها تحت ذرائع أمنية جديدة.

على جانب آخر، لم يَبدُ الجيش اللبناني نفسه مُتحمِّسا لمثل هذا السيناريو، بسبب ما قد يترتب عليه من وضعه أمام الجيش الإسرائيلي إذا قرر الأخير التقدُّم بعد انسحاب حزب الله. وعندها كان الجيش اللبناني سيجد نفسه أمام خيارات صعبة: إما الدخول في مواجهة محسومة مسبقا، وإما الانسحاب، بما قد يؤثر سلبا على صورته ودوره المستقبلي وموقعه داخل البلد والمجتمع.

"أدرك حزب الله أن تلة علي الطاهر ليست الهدف الأخير"

لقد أدرك حزب الله أن تلة علي الطاهر ليست الهدف الأخير. ولذلك تخوف من أن يمهد تسليمها إلى سابقة تؤسس لنمط جديد يبدأ بالضغط العسكري الإسرائيلي، ثم ينتهي بتسلُّم الجيش اللبناني الموقع والسلاح، قبل أن يتكرر السيناريو لاحقا في مناطق أكثر أهمية، مثل جبل الريحان وإقليم التفاح وسواهما من مناطق شمال الليطاني. ولا ننسى أن ثمَّة بُعد رمزي وعقائدي وراء كل ذلك، فالحزب كان ولا يزال يُفضِّل أن يقدم نفسه في صورة الطرف الذي يقاوم ويتحمل كلفة المواجهة حتى النهاية، لا الطرف الذي يتراجع تحت الضغط. ومن ثم فإن أي انسحاب أو تسليم غير مشروط كان سيُقرأ داخل بيئته على أنه تراجع يَمس صورة الحزب ومكانته.

ولهذه الاعتبارات، فإن معركة علي الطاهر نقطة تقاطعت عندها حسابات الداخل اللبناني مع التوازن الإيراني الأمريكي والحسابات الانتخابية في إسرائيل والولايات المتحدة، ما جعلها أكبر من مجرد صراع على تلة أو سلسلة مرتفعات.

تهدئة أم حرب؟

تتجمع المؤشرات السياسية والميدانية لتقدم صورة ملبدة عن المستقبل القريب في لبنان، من دون أن تعني بالضرورة أن قرار الحرب الشاملة قد اتُّخذ بالفعل. فالمفاوضات التي كان يفترض أن تشهد جولة جديدة مطلع سبتمبر/أيلول لم يُحدد موعدها بعد، بما يعني عمليا تأجيلها حتى الآن. كما أعلن السفير الأمريكي في بيروت ميشال عيسى ضرورة انتظار ما سيحدث في علي الطاهر، مؤكدا أن بوابة الحلول تمر عبر سحب سلاح حزب الله. وهذا موقف أمريكي يدعم التصور الإسرائيلي عن المفاوضات.

إسرائيل، من جهتها، واصلت المسار الذي بدأته منذ يونيو/حزيران الماضي، والقائم على إبقاء علي الطاهر في صدارة خطابها العسكري والإعلامي، قائلا إنها دمَّرت أكثر من 400 بنية تحتية تابعة للحزب وعثر على كميات من الوسائل القتالية. وبصرف النظر عن دقة الأرقام والرواية العسكرية الإسرائيلية، فإن الرسالة الأهم في الإعلان هي أن إسرائيل لم تعتبر عملياتها في المنطقة قد انتهت حتى استكملت السيطرة على التلة.

في المقابل، لا تظهر من حزب الله مؤشرات على الاستعداد للتراجع بعد إعلان إسرائيل. ففي مقابلة أكد الوزير السابق وعضو المكتب السياسي للحزب محمود قماطي التمسك بالسلاح، معتبرا إياه تكليفا شرعيا ووطنيا، وذهب إلى القول إن الحزب لن يسلمه، حتى لو طلبت منه إيران ذلك. والمرجح أن علي الطاهر أصبحت اختبارا للمعادلة التي سيُرسم على أساسها مستقبل لبنان، أين ستتوقف إسرائيل، وأين يبدأ سلاح الدولة، وما الذي سيبقى لحزب الله، وأي دور سيكون لإيران والولايات المتحدة في رسم الحدود بين هذه المساحات.

"علي الطاهر أصبحت اختبارا للمعادلة التي سيُرسم على أساسها مستقبل لبنان"

وسط هذا الاستعصاء، بدأت تخرج إلى العلن ملامح لغزٍ آخر في علي الطاهر. فإيران، التي رفعت سقف خطابها وهدَّدت بعواقب وخيمة إذا حدث تصعيد في لبنان، تقف الآن أمام الإعلان الإسرائيلي عن السيطرة على المرتفعات من دون معركة كبرى أو تحرُّك ضخم في دعم الحزب.

لم تكن علي الطاهر مجرد تلة تُرفع عليها الأعلام، بل كانت اختبارا حاسما لموازين القوى في الجنوب ولجدوى المسارات التفاوضية القائمة. فبينما قدمت إسرائيل السيطرة عليها كإنجاز يزيل تهديدا وجوديا عن شمالها، أظهر الميدان أن المعادلة أبعد من ذلك: حزب الله لم يسلم الموقع للدولة اللبنانية، وإيران لم تدفع باتجاه مواجهة شاملة، والولايات المتحدة فضلت المراقبة من بعيد. وعليه، فإن ما حدث فوق التلة وتحتها لا يغلق ملف الحرب بقدر ما يعيد ترتيب أسئلته: أين ستقف إسرائيل بعد "الخط الأصفر"؟ وما الذي سيتبقى من سلاح حزب الله شمال الليطاني؟ وأي دور للدولة اللبنانية في معادلة لا تزال تُرسم تحت ضغط السلاح والتفاوض معا؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا