نشرت هيئة الأمن الفيدرالية الروسية وثائق حول كيفية قيام المخابرات العسكرية الألمانية بتجنيد وتدريب مراهقين روس بالأراضي المحتلة خلال الحرب الوطنية العظمى لتنفيذ عمليات تجسس وتخريب.
وذكر المكتب الإعلامي لمديرية هيئة الأمن الفيدرالية في مدينة بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد أن هذه المواد الأرشيفية كانت مصنفة "سرية للغاية" حتى عام 2026، ويتم نشرها للمرة الأولى.
وقال مصدر في هيئة الأمن الفيدرالية: "من بين الوثائق التي رُفعت عنها السرية تقارير خاصة من مديرية المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية في الاتحاد السوفييتي لمقاطعة لينينغراد، تعود إلى عامي 1941 و1942، تشير إلى أن أجهزة المخابرات الألمانية كانت تستخدم مراهقين يعيشون في الأراضي المحتلة من المنطقة لأغراض الاستطلاع والتخريب. وتتضمن هذه التقارير أسماء الأطفال المحتجزين ومقتطفات من شهاداتهم، بالإضافة إلى معلومات تفصيلية".
وأضاف المصدر أن "دراسة هذه الأدلة تظهر أوجه تشابه مع العصر الحديث، فالتاريخ يعيد نفسه، لكن الشخصيات تتغير".
ومن بين المواد، يستحق تقرير حول أنشطة مدرسة كيندرهايم، وهي مدرسةٌ تُديرها وحدة "سونديركوماندو" التابعة لقوات الأمن الخاصة النازية "إس إس"، اهتماما خاصا. حيث بدأت المدرسة عملها في بابرويسك، ثم انتقلت لاحقا إلى منطقة كاوناس وبروسيا الغربية. ولم تتمكن المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية في الاتحاد السوفييتي من إثبات أي صلة بين هذه المدرسة والمخابرات الألمانية، ولكن وفقا للمعلومات المقدمة، دربت المؤسسة أطفالا وشبابا سوفييتا (تتراوح أعمارهم بين 3 سنوات و23 سنة)، تم اختيارهم بناء على تطابقهم الظاهري مع "العرق الآري"، ليصبحوا عناصر موالين لسلطات الاحتلال.
ووفقا لتقارير خاصة فقد قام مراهقون تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاما، تم إرسالهم إلى خطوط الجبهة، بجمع معلومات عن مواقع القوات السوفيتية وأسلحتها، وخلال الغارات الجوية، استخدموا الصواريخ لإبلاغ العدو بمواقع أهداف مهمة مثل مصانع الدفاع ومحطات القطارات والسكك الحديدية والوحدات العسكرية.
كما طُلب من هؤلاء المخربين الشباب قطع خطوط الهاتف واغتيال القادة.
وروى أحد المعتقلين أنه في قرية كليبتسي بنوفغورود، نظم الألمان تدريبا له ولعدد من المجندين الآخرين (تألفت المجموعة من 10 أشخاص).
ما الذي يميز هذه الوثائق؟
أشار بوريس كوفاليف، الباحث البارز في معهد بطرسبورغ للتاريخ التابع للأكاديمية الروسية للعلوم ومعهد تاريخ الدفاع وحصار لينينغراد، في مقابلة مع وكالة "تاس"، إلى أن الوثائق المنشورة فريدة من نوعها لأنها تكشف عن تفاصيل وقصص غير معروفة سابقا من تاريخ تعاون الأطفال خلال الحرب.
وأضاف كوفاليف: "كانت المعلومات التي تفيد بوجود مدارس متخصصة للأطفال المخربين في مقاطعة لينينغراد آنذاك جديدة حتى بالنسبة لي، على الرغم من أنني أبحث في هذا الموضوع منذ أكثر من 30 عاما. ولذلك، أثني على موظفي أرشيف هيئة الأمن الفيدرالي الإقليمي، الذين يقومون برفع السرية عن هذه الوثائق المهمة".
وأكد كوفاليف أن المواد التي تم رفع السرية عنها تكشف عن الموقف القاسي واللاإنساني والاستهلاكي تجاه الأطفال الروس من جانب الجنود الألمان، لقد استخدموهم فعليا كمواد مستهلكة يمكن التخلص منها، بما في ذلك من خلال الخداع والابتزاز.
وتابع: "كانت هذه النزعة الاستبدادية سمة بارزة لأجهزة المخابرات الألمانية. فعلى سبيل المثال، يحتوي أرشيف هيئة الأمن الفيدرالية في مدينة بسكوف على القضية الشهيرة رقم 100، التي تشير إلى كيفية استخدام العملاء الألمان حتى الأطفال الصغار جدا، الرضع والأطفال ذوي الإعاقات الذهنية، كغطاء لعدم إثارة الشكوك. وفي لينينغراد (بطرسبورغ حاليا)، من المعروف أيضا أن الألمان استخدموا أطفالا مرضى من دار أيتام كرسل إشارات، حيث يعتقد أن هؤلاء الأطفال كانوا من بين الذين أرسلوا إشارات، موجهين الطائرات الألمانية إلى الأهداف المطلوبة".
وأكد أن المراهقين كانوا يتعرضون خلال فترة التجنيد للتهديد بالانتقام من أحبائهم، أمهاتهم وإخوانهم وأخواتهم، الذين بقوا في الأراضي التي تسيطر عليها ألمانيا إذا لم ينجزوا مهامهم.
وأوضح المؤرخ: "في زمن الحرب، غالبا ما يصبح أول من يبادر بكلمة طيبة ويظهر التعاطف ويقدم العزاء بطلا في نظر الطفل. وكان العديد من الضباط الألمان، وخاصة من يجيدون اللغة الروسية، يطعمون الطفل، ويلبسونه بعض الملابس ويعدونه، على سبيل المثال، بحياة سعيدة في أوروبا خيالية، ثم يرسلونه في مهمة".
وأكد أنه على الرغم من التجنيد الهائل للجواسيس الأطفال، حيث أرسل العدو المئات منهم إلى الأراضي السوفيتية، فإن نسبة كبيرة من المتعاونين الشباب، بعد عبورهم خطوط الجبهة، استسلموا للجيش الأحمر أو موظفي المفوضية الشعبية للشؤون الداخلية في الاتحاد السوفييتي.
وأضاف: "لذلك، لا يمكن اعتبار فعالية استخدامهم من قبل الألمان عالية. ولكن في بعض الأحيان، وللأسف، نفذ المراهقون ما طلب منهم حيث تم زرع مواد "تي إن تي" متفجرة مموهة في أكوام الفحم بمحطات السكك الحديدية، لتنفجر لاحقا في أفران القاطرات، أو تسميم مطابخ جنود الجيش الأحمر أو المقاومة الميدانية. بل إن بعضهم استمتع بذلك ونفذ مهام مشغليه الألمان مرارا وقد قبض عليهم رجال الأمن في محاولتهم الثانية أو الثالثة للعبور إلى جانبنا. بعضهم وقع بالفعل تحت تأثير الدعاية الألمانية".
المصدر: RT+ تاس
المصدر:
روسيا اليوم