آخر الأخبار

عمرها ربع قرن.. كيف روج الغرب هذه الخديعة لتشويه المسلمين؟

شارك

يستعد كوكب الأرض لإحياء الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، وانطلاق "الحرب على الإرهاب" الطويلة التي شنتها الولايات المتحدة وحلفاؤها.

ويشكل هذا الحدث، بلا ريب، محطة مفصلية في تاريخنا المعاصر. ولكن، ما حجم هذا التأثير؟ والأهم من ذلك، ما طبيعته الدقيقة؟ وهل أسهم هذا الحدث في تعزيز قوة الغرب وحلفائه، أم إنه عجل بتراجعهم؟

لقد ألقت صدمة 11 سبتمبر/ أيلول بظلالها المباشرة على ديناميكيتين متمايزتين: تمثلت الأولى في العلاقات بين "العالم الغربي" و"العالم العربي والإسلامي". وعلى نطاق عالمي أرحب، أثرت هذه الصدمة في الأداء الديمقراطي الداخلي للولايات المتحدة، وانسحب ذلك على جميع الدول التي كانت تدور في فلكها آنذاك.

وفي الغرب، اتخذت "الحرب على الإرهاب" مسارا لا يقاوم تحولت فيه إلى "حرب على المسلمين"، مما أفضى إلى تدهور تدريجي في الحقوق والحريات الفردية. وفي المقابل، وبذات القسوة، تفشت في معظم البلدان ذات الثقافة العربية والإسلامية ظاهرة التجريم العشوائي للمعارضات الموصوفة بـ"الإسلامية" -وهي الأكثر شعبية بينها- وذلك بتنسيق مع الغرب؛ مما أدى إلى عرقلة أو إرجاء مسار الانفتاح الديمقراطي الهش الذي كان قيد التشكل هناك.

تشكل هذه الحالة، التي تبلورت منذ عام 2001، خداعا بلاغيا متكاملا يلقي بمسؤولية الإخفاقات الاستبدادية للحكام والمهيمنين على عاتق المعجم السياسي للمحكومين والمعارضين

مأزق عولمة "مناهضة الإسلاميين"

لقد سارع الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، في الغرب بأسره، من وتيرة الاحتقان الهوياتي المعادي للمسلمين، وبشكل أعم "المعادي للجنوب". ولماذا حدث ذلك؟ يعود السبب إلى أن السمة البارزة لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول لا تكمن في حجمها ولا في التعقيد التكنولوجي الذي انطوت عليه، بل تتجلى الفرادة الأولى لهذا الحدث، على النقيض من تقاليد القوى الأوروبية التي ابتكرت مدافع "الأساطيل"، في استهدافه للمهيمنين في الشمال وليس للمهيمن عليهم في الجنوب "كما جرت العادة".

إعلان

فحدث لمرة واحدة أن "كان الطيارون عربا (بالفعل)" و"كان الضحايا غربيين". وبذلك، أسست هجمات 11 سبتمبر/ أيلول لفئة جديدة من العنف، تمت تغذيتها خلال العقود اللاحقة في فرنسا وأوروبا عبر أحداث أخرى وصفت بـ"الإرهابية".

منذ عام 2001، ترسخت خديعة بلاغية تُحوِّل مسؤولية الإخفاقات الاستبدادية التي يتحملها الحكام والمُهيمنون إلى لغة المحكومين والمعارضين وخطابهم السياسي.

وقد بلغت هذه الخديعة ذروتها لاحقا، وبشكل أكثر إثارة، في الرد على الهجوم المضاد الذي شنته فصائل المقاومة الفلسطينية كافة من غزة ضد مستعمريها الإسرائيليين. وعليه، فإن كل شيء يدفعنا، بفارق 22 عاما، إلى وضع الرد الأمريكي على أحداث 11 سبتمبر/ أيلول في سياق مقارب للرد الإسرائيلي-الأمريكي على أحداث 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

وفي المقابل، إذا تعين علينا استدعاء سابقة تاريخية لهذا الاقتران القمعي، فقد تتجسد في الرد الفرنسي الوحشي على "أحداث سطيف" عام 1945 في الجزائر المستعمرة. وبطبيعة الحال، لا تقبل هذه الأحداث المقارنة من حيث طبيعتها وحجمها، لكنها تشترك في قاسم أوحد: ألا وهو الميل إلى فصل عنف المهيمن عليهم عن سياق الهيمنة الذي يندرجون فيه، واعتبار عنفهم باطلا من حيث المبدأ، بغض النظر عن مسبباته.

كما يجمع بينها تجاوز المحرمات ذاتها: الرفض المطلق لشرعية العنف المضاد الذي يمارسه المهيمن عليهم والمستعمرون، والاستخدام المتزايد، بوقاحة وبلا عقد، لسياسة "الكيل بمكيالين".

ورغم أنها لم تبتدعه حقا (إذ سبق للحروب الاستعمارية، أو لكل سوابق التوسع الغربي في أصقاع الأرض منذ عام 1492، أن كشفت عن هذه السمة المحددة)، فقد أكدت ردة الفعل على أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول -لا سيما من خلال التجريد الساخر لمقاومي غزو أفغانستان ثم العراق من إنسانيتهم- أن قدرة الغربيين على الانسلاخ من هذه الحقوق لا تحدها حدود؛ وذلك حتى بعد طي صفحة الاستعمار، وحتى مع ادعائهم الدؤوب، على غرار فرنسا "وطن حقوق الإنسان"، بأنهم ليسوا مجرد مبتكرين لـ"حقوق الإنسان" بل هم المدافعون الأوحدون عنها.

وقد تجلت هذه الحالة في الولايات المتحدة عبر "قانون باتريوت" (الوطني) ثم في معتقل غوانتانامو المجرد من الإنسانية، وانسحبت بالقدر ذاته على أوروبا بأسرها، حيث أجرى القادة، على اختلاف أطيافهم السياسية، الترجمة التشريعية ذاتها لرفض "الإرهاب"، سواء تجاه الكيانات الوطنية للمهيمن عليهم، أو تجاههم كأفراد داخل كل مجتمع من المجتمعات الغربية.

وأحدثت ردة الفعل الأمريكية على أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 تأثيرين رئيسيين. ففي المقام الأول، أتم تدمير أبراج مركز التجارة العالمي والبنتاغون تكريس "توظيف" فزاعة أضحت الآن "إسلامية" بامتياز. ففي حين كان يشار غالبا إلى المتمردين على الاستعمار بانتمائهم العرقي (العربي) أو ينعتون ببساطة بـ"الفلاقة" (قطاع الطرق)، فقد بات يشار إليهم اليوم، وعلى وجه التحديد، من خلال انتمائهم إلى أبرز أديان الجنوب.

ولا يقتصر تأثير تدمير أبراج نيويورك على دلالات تجريد "الآخر" من إنسانيته، بل يتعداه إلى التوسع العنيف لنطاق عمله. فلم يحظ القمع المفرط لـ "أحداث سطيف" بالدعم "غير المشروط" من المجتمع الدولي، ناهيك عن دعم قادة الدول المستعمرة الأخرى.

إعلان

أما الفزاعة الإسلامية الجديدة، فستشق طريقها هذه المرة ليس داخل المجتمعات الغربية فحسب، بل وبذات القدر في أغلبية مجتمعات الجنوب الإسلامي. وقد شهد الغرب، في عام 1979 في إيران غداة الحقبة الاستعمارية، إعادة توظيف للصفة "الإسلامية" كفزاعة معادية للإمبريالية، وذلك إثر الزلزال الذي أحدثه سقوط الشاه "المطيع" و"المحدث" حليف الولايات المتحدة، ووصول "الأصوليين الإسلاميين" المناهضين لهم إلى سدة الحكم.

واكتسب هذا التوظيف لاحقا، إبان تسعينيات القرن الماضي وعلى الأراضي الفرنسية بحكم الجوار، دورا جديدا جراء الأصداء العنيفة لقمع ناخبي الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية؛ ليتجلى بطبيعة الحال، بعد عشرين عاما، تحت الراية السوداء لتنظيم الدولة "داعش"، بوصفه الخلف والمنافس المزايد لمقاتلي تنظيم القاعدة.

تبين أن الرسالة التي تمكن معسكر المهيمنين جزئيا من فرضها منذ الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 بسيطة للغاية وخطيرة في آن واحد: إذا قاوم الفلسطينيون، وإذا عارض المعارضون العرب، فليس لأنهم يرزحون تحت احتلال عسكري أو لأنهم محرومون من أبسط حقوقهم المدنية، بل لأنهم… "إسلاميون".

من سطيف إلى غزة، من احتلال إلى آخر

لقد اهتز إذن الوتر ذاته، المتمثل في الرفض المطلق لشرعية عنف الجنوب، مرة أخرى وبصدى استثنائي؛ ردا على الهجوم الذي شنته المقاومة الفلسطينية في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 ضد الإمبراطورية الإسرائيلية-الأمريكية. فكما فصلت النظرة إلى "أحداث سطيف" الوجيزة تماما عن الاحتلال الاستعماري الطويل والوحشي للجزائر، وفصل العنف المضاد للجنوب الإسلامي في نيويورك وواشنطن تماما عن العسكرة العدوانية للدبلوماسية الأمريكية (التي تحررت عام 1990 من الثقل الموازن السوفياتي) تجاهه؛ فصل أيضا هجوم المقاومة الفلسطينية في أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بشكل كامل عن الهيمنة الإسرائيلية الممتدة والوحشية على فلسطين.

ومن هذا المنطلق، يشكل الرد الذي ولده هذا الهجوم، من جانب إسرائيل والأكثر من ذلك من جانب حلفائها الكثر والأقوياء، التجسيد الأخير للنموذج السياسي والإستراتيجي الذي فرضته واشنطن إبان هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

وبهذا الشكل، تفاقم في غزة بعد 22 عاما التوجه الذي دشنه رد فعل جورج بوش. ولم يغب وضع العنف في سياقه بعد 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 فحسب، بل تم حظره من السردية الغربية في العديد من الدول الأوروبية، وفي طليعتها فرنسا وألمانيا.

وقد "أوضح" التفوق الأبيض (أو تفوق أغلبية البيض)، بشكل لا يقاوم، العيوب (القديمة) الصارخة لادعاءاته بالكونية، وذلك عبر تنكره للحريات الفردية لفئة من المواطنين واحدة تلو الأخرى. وباتت المرجعية الدينية "القبلية" (من خلال "الحملة الصليبية" التي أرادها بوش عام 2001 أو "الشعب المختار" الذي لوح به نتنياهو عام 2023) تتنكر الآن، وبشكل صريح، لمنافستها الكونية.

فكيف غدا مثل هذا التراجع ممكنا؟ يعود الفضل في ذلك، بلا ريب وبدرجة كبيرة، إلى هيمنة الفزاعة العاطفية والعمياء لـ"الإرهاب الإسلامي"، والتي أرستها أحداث 11 سبتمبر/ أيلول على كوكب الأرض بأسره وبفاعلية مرعبة.

فقد اصطف الأمريكيون والأوروبيون من جهة، وحلفاؤهم الإسرائيليون بطبيعة الحال، وانضمت إليهم الآن أغلبية ساحقة من تلك الأنظمة العربية (التي طالما أدانت قمع أحداث سطيف)، خلف الراية الغربية.

وعمدوا منذ ذلك الحين، ضمن تحالف واحد قد يستحق تسمية "دكتاتوريون بلا حدود"، إلى استغلال الإدانة الأمريكية لهجمات نيويورك وواشنطن (وهي إدانة منطقية وشرعية بالطبع، لكنها مجردة تماما من سياقها وأحادية الجانب) لتشويه سمعة حركات المقاومة والمعارضة، مهما بلغت درجة شرعيتها وقانونيتها.

وهكذا، كرس الإجماع القمعي تحالف الاستبدادين العربي والغربي. وستتمكن هذه الجبهة غير المتجانسة لـ"مكافحة الإرهاب الإسلامي"، مجتمعة، من فرض تشويه، ليس سياسيا بل "أيديولوجيا" وأحادي الجانب، للمقاومات الرئيسية أو المعارضات البارزة لعنف الدولة الداخلي أو الخارجي لكل عضو من أعضائها.

إعلان

وتبين أن الرسالة التي تمكن معسكر المهيمنين جزئيا من فرضها منذ الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001 بسيطة للغاية وخطيرة في آن واحد: إذا قاوم الفلسطينيون، وإذا عارض المعارضون العرب، فليس لأنهم يرزحون تحت احتلال عسكري أو لأنهم محرومون من أبسط حقوقهم المدنية، بل لأنهم… "إسلاميون".

وستعتم هذه الخديعة البلاغية الفجة، التي نشرها الغربيون وأتباعهم على نطاق واسع، رؤية ملايين المواطنين على كوكب الأرض لفترة طويلة. وقد نسجت هذه الخديعة بأوضح صورة ممكنة في سبتمبر/ أيلول 2001 على لسان الجنرال الإسرائيلي أرييل شارون حين قال: "أنتم لديكم بن لادن… ونحن لدينا ياسر عرفات".

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا